يسهم انشغال الأهل وعدم الاستماع إلى الأبناء في تنامي عزلة الأطفال ويفاقم ظاهرة الانتحار لديهم (أ ف ب) عرب وعالم ما أسباب زيادة حالات انتحار الأطفال والتلاميذ في تونس؟ by admin 31 ديسمبر، 2025 written by admin 31 ديسمبر، 2025 148 ظاهرة تفتك بالأسرة والمجتمع وتترك ندوباً نفسية لا تشفى مدى الحياة اندبندنت عربية / حمادي معمري صحفي تونسي بات الانتحار عند الأطفال في تونس ظاهرة مقلقة تفاقمت خلال الأعوام الأخيرة بسبب التحولات التي عرفها المجتمع التونسي وبخاصة بعد عام 2011، فقد سجل المرصد الاجتماعي التونسي التابع لـ “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” (منظمة غير حكومية) ما مجموعه 11 حالة ومحاولة انتحار خلال أبريل (نيسان) الماضي فقط، نصفهم من الأطفال التلاميذ الذين تراوحت أعمارهم ما بين 13 و16 سنة، ففي مدينة باجة شمال غربي تونس أقدم طفل يبلغ من العمر 14 سنة على الانتحار إثر تحصله على معدل دراسي منخفض، وفور علمها بالخبر توفيت شقيقته بسكتة قلبية، وكذلك شهدت محافظة سيدي بوزيد (وسط) في يناير (كانون الثاني) الماضي انتحار تلميذ في السنة التاسعة أساس شنقاً بسبب نتائجه السيئة خلال اختبارات بداية العام الدراسي، كما حاولت ثلاث تلميذات في المحافظة نفسها الانتحار عبر تناول عقار سام للفئران لعدم حصولهن على علامات جيدة في الاختبارات، وتؤكد بيانات رسمية صادرة عن وزارة الصحة أن البلاد سجلت ما نسبته 1.8 حالة انتحار لكل 100 ألف نسمة قبل الانتفاضة، لكن هذا الرقم ارتفع بعدها ليصل إلى ثلاث حالات لكل 100 ألف نسمة. وصرحت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن السابقة آمال بلحاج موسى في يوليو (تموز) 2023 بأن حالات الانتحار لدى الفئة العمرية ما دون 18 سنة بلغت 16 حالة، إضافة إلى 176 محاولة انتحار خلال الأشهر الستة الأولى من العام نفسه، و259 محاولة عام 2022، فلماذا تسللت ثقافة الموت إلى عقول الأطفال؟ وما الذي يجعلهم أكثر هشاشة وتعرضاً لإيذاء النفس؟ إذ يتمثل السلوك الانتحاري عند الأطفال في إلحاق الأذى بالنفس من أجل إنهاء حالات الألم أو العجز الناتج من حالات قاهرة، تتلخص عادة في التنمر أو الفشل الدراسي أو عدم التوازن الأسري أو الخصاصة والفقر، ولا تدفع تلك الأسباب الظاهرة لوحدها إلى الانتحار بل تنطوي على مشكلات أخرى كامنة، مثل شعور الطفل بالعزلة وبأنه غير مرغوب فيه لدى العائلة، أو مقارنته السلبية ببقية أفراد العائلة أو المحيط. الطفل نتاج المحيط العائلي والتربوي تؤكد المتخصصة في التربية والمرافقة النفسية للأطفال نجاة السحباني أن ظاهرة انتحار الأطفال من التلاميذ باتت مقلقة داخل المجتمع التونسي، مرجعة أسباب الظاهرة لعوامل نفسية واجتماعية وعائلية وتربوية، وترى السحباني أن “شخصية الطفل تتكون من خلال أشكال الرعاية الأسرية والإحاطة النفسية والتربوية، داعية الأولياء إلى تحمل مسؤولياتهم في تقاسم تكوين شخصية الطفل مع المربي، وجعل الطفل متوازناً في محيطه العائلي وبعيداً من العنف والغضب والعزلة، حتى يتمكن من مواجهة كل أشكال التنمر أو الضغط من أقرانه وزملائه في المدرسة، أو من بقية أفراد العائلة”، لافتة إلى أن “شخصية الطفل الهشة تكون أكثر عرضة إلى السلوكيات المحفوفة بالأخطار، مثل إيذاء النفس أو الإدمان أو ممارسة العنف على بقية التلاميذ”. وتشدد المتخصصة التربوية على أن “شخصية الطفل هي نتاج سلوك الأم والأب والمربي، وهو الثالوث الذي يشكل كيان الطفل ويجعله إما قوياً قادراً على المواجهة، أو هشاً ضعيفاً وفريسة سهلة للتنمر، ومن ثمة يتجه نحو سلوكيات محفوفة بالأخطار، مثل الإدمان أو إيذاء النفس”، داعية العائلة إلى “تجاوز الخلافات العائلية في حضور الطفل والانتباه إلى سلوكه في المنزل ومراقبة تصرفاته في محيطه العائلي”. شخصية الطفل هي نتاج سلوك الأم والأب (أ ف ب) وشددت السحباني على أن “الأم والأب ملاذ الطفل الذي يجب أن يشعر فيه بالأمان، مما يجعله يفصح عما يختلج في داخله في حال تعرض للعنف أو التنمر في الشارع أو المدرسة”. وأمام ما توليه العائلات في تونس من أهمية للتعليم باعتباره مصعداً اجتماعياً، فقد بات التحصيل الدراسي والنجاح محل تنافس بين تلك العائلات جعل من نتائج الاختبارات كابوساً مخيفاً لبعض التلاميذ، حتى بات الطفل يربط مصيره بتلك النتائج، وتدعو المتخصصة التربوية إلى “التعاطي الايجابي مع تراجع تلك النتائج من خلال التشجيع على تحسينها من دون التقليل من أهميتها، وتأطير الطفل نفسياً حتى لا يشعر بأن محبة عائلته مرتبطة بما يحصله من نتائج في دراسته”. وتدعو السحباني العائلة والمربين إلى الابتعاد قدر الإمكان من “وصم التلميذ بنعوت قد تقترن باسمه لأعوام، والتحكم في الغضب في وجه الطفل من أجل تنشئته تنشئة سليمة متوازنة”، مشيرة إلى “أهمية الوازع الديني في الأسرة من أجل توازن الطفل وتغذيته روحياً، حتى يقتنع أن جسده أمانة يجب الحفاظ عليه”، مضيفة أن “الألعاب الالكترونية العنيفة قد تدفع الطفل إلى العنف أو الإقدام على الانتحار من خلال محاكاة اللعبة”، داعية العائلة إلى مراقبة أبنائها عند الجلوس أمام الشاشة أو تصفح منصات الـ “سوشيال ميديا”. الفقر والانتحار وجهان لمنطقة واحدة تسهم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الهشة للعائلات، إضافة إلى انشغال الأهل وعدم الاستماع إلى الأبناء ومشكلاتهم، في تنامي عزلة الأطفال وتفاقم ظاهرة الانتحار لديهم، ويخلّف انتحار الطفل لدى العائلة لوعة وحرقة ووجعاً تستمر أعواماً، وقد عاش عبدالمجيد وزوجته من محافظة نابل ألم الفقد منذ عام 2021، حينما أقدم ابنهم طالب التاسع أساس على الانتحار شنقاً في سن الـ15 بسبب تراجع نتائجه المدرسية، وقد تجاوز عبدالمجيد الآن الـ 60 سنة ووجع الفقد يحفر في كيانه، ولم يتمالك نفسه حين تذكر ابنه فرفع يديه إلى السماء تضرعاً ودعاء، ثم سحب نفساً عميقاً من سيجارته التي تكاد تفلت من بين أصابعه المرتعشتين، وحمّل الدولة والمجتمع مسؤولية انتحار ابنه قائلاً إن “ظروفي المادية البائسة هي التي دفعت ابني إلى الموت، فلم أستطع توفير ما يحتاجه من لوازم ودروس خصوصية مكلفة”. عبدالمجيد يعمل على عربة متهالكة يجمع فيها القوارير البلاستيكية وما زاد عن حاجة سكان الحي ليعيد بيعها من أجل لقمة العيش، ولا يفارق مخيلته شريط صور وذكريات ابنه الذي يمثل حلقة من سلسلة أرقام مفزعة، وسط صمت مطبق إزاء حدة الظاهرة التي تخلف ندوباً لدى العائلة والمجتمع. وتتركز حالات الانتحار عادة في الجهة الغربية للبلاد، وبخاصة في ولايات القيروان وقفصة وسيدي بوزيد، وبصورة أقل في الشمال الشرقي، في تلاؤم تام مع خريطة الفقر، ويرى المتخصصون الاجتماعيون أن الهشاشة الاجتماعية هي المسهم الأساس في انتشار ثقافة الانتحار واستسهال الموت، علاوة على غياب الرعاية النفسية، إذ إن معدل عدد الأطباء النفسيين لكل 100 ألف ساكن يقل عن ثلاثة، مع تفاوت هائل بين الولايات وبين شرق البلاد وغربها. تجارة التعليم والواقع أن قطاع التعليم في تونس شهد خلال العقود الأخيرة تحولات جذرية جعلت منه عملية تجارية أكثر منه تحصيلاً معرفياً، ويربط أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية عبدالستار السحباني الانتحار بالنتائج المدرسية والاختبارات، إذ أصبح “التلميذ يتعرض لضغط كبير من المؤسسة التربوية والعائلة”، لافتاً إلى أن “قطاع التعليم في تونس تخلى عن دوره التربوي وبات أقرب لقطاع تجاري، فبقدر ما تدفع من الأموال تحصل على نتائج مدرسية، من أجل التوجه إلى المعاهد النموذجية والكليات العريقة”. ويرى المتخصص الاجتماعي أن “كلفة التعليم في تونس باتت باهظة جداً وسقف الانتظار أصبح عالياً، وعند عدم تحقيق تلك الأهداف يتعرض التلميذ إلى ضغط كبير يدفعه إلى ممارسة العنف أو إيذاء النفس”، مضيفاً أن “التعليم في تونس يواجه أزمة هيكلية منذ أعوام، وأن فكرة الإصلاح كآلية من آليات التجاوز غير متاحة اليوم، بينما الإصلاحات الشكلية وحدها لا تكفي”. التناول الإعلامي وأمام انتشار الـ “سوشيال ميديا” بات تداول ظاهرة الانتحار متاحاً من الجميع، مما يجعل منه حدثاً عادياً يطبع معه الأطفال والمراهقين، وهو ما يدعو إلى إحداث آليات تعديل تجنب الإفراط في متابعة وتغطية تفاصيل حوادث الانتحار والأساليب المستخدمة، والتركيز على تحليل خطورة الظاهرة وأبعادها وتداعياتها على العائلة والمجتمع. يذكر أن وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن وعدت في وقت سابق بإنجاز دراسة للوقوف على خصائص محاولات الانتحار في صفوف الأطفال، بهدف فهم أسباب الظاهرة بصورة علمية وموضوعية، ولتوفير قاعدة بيانات للتعرف إلى الفئات والمناطق المستهدفة أكثر من غيرها، من أجل العمل على تقليص حجم الظاهرة ووضع إستراتيجية وطنية شاملة لمكافحتها. المزيد عن: تونس ظاهرة الانتحار تلاميذ مدارس أطفال طلاب التحصيل العلمي الشهادات المدرسية التربية الأهل 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post هل تتجاوز القاهرة “فخاخ” إسرائيل للمرحلة الثانية في غزة؟ next post الإيرانيون يستعدون لـ2026 بمزيد من الفقر وضغوط الاقتصاد You may also like “حزب الله” يستهدف قبرص… ما الرسالة؟ 8 مارس، 2026 عملية اغتيال خامنئي… بين عدم تخفيه ومستوى الإتقان... 8 مارس، 2026 “أتراك إيران”… الجغرافيا والتاريخ والتحولات السياسية 8 مارس، 2026 «الشرق الأوسط» ترصد تفاصيل الإنزال الإسرائيلي في النبي... 8 مارس، 2026 عملية إنزال «النبي شيت» تفتح فرضيات استخبارية وعسكرية 8 مارس، 2026 سلام لـ«الشرق الأوسط»: نرفض ربط مصير لبنان بمصالح... 8 مارس، 2026 كيف يصل مقاتلو «حزب الله» إلى القرى الحدودية... 8 مارس، 2026 علي بردى يكتب عن: ترمب يتوعد كوبا بعد... 7 مارس، 2026 أكراد إيران على الجانب العراقي.. ماذا يريدون؟ ومم... 7 مارس، 2026 (7 أيام من الحرب.) . تسلسل زمني لضربات... 7 مارس، 2026