الروائي المجري البريطاني ديفيد سالاي الفائز ببوكر العالمية (غيتي) ثقافة و فنون “لحم” الفائزة بـ”بوكر” العالمية: كم تفرض الحياة من مآس by admin 17 November، 2025 written by admin 17 November، 2025 60 الفناء والهشاشة والشبق والمادة الدنيوية التي لا تقابل الروح أو العقل في رواية ديفيد سالاي اندبندنت عربية / زياد عبدالله لا يمكن البدء في مقاربة رواية ديفيد سالاي “لحم” Flesh ، الفائزة بجائزة بوكر العالمية 2025، باقتباس له أن يضيء على أجوائها، ولا بعبارة لها أن تأخذ الإعجاب، فهي لا تتيح هذه الإمكانية ولا هي مشغولة بذلك ولا متضمنة لأية عبارات رنانة أو وقفات تأملية أو خلاصات، لا بل إن الراوي لا يترك لبطلها استيفان أن يشاركنا أياً من مشاعره أو أحاسيسه، مع خلو الراوية من أي وصف له، إلا خلوص القارئ إلى أنه يحتكم على كثير من الذكورة والرجولة! ولعل عنوان الرواية “لحم” يقول كثراً في خصوص ما تقدم، فاللحم متصل بالفناء والهشاشة والشبق، وهو شديد الدنيوية لا يمكن وضعه مقابل الروح أو العقل، كما هو “الجسد” موطن هذين الأخيرين، إذ لا حضور فسيولوجياً قائم بذاته للحم، ولا يمكن أن ينظر إليه ككيان أو كشيء مجرد أو موضوعي! وفي سياق متصل له أن يكون أساساً في أسلوب الرواية، فإن نزعتها الواقعية تحمل طموحاً بأن تكون من لحم، أو من “لحم ودم” العبارة التي نستعملها للإشارة لتلك الواقعية، وليفعل سالاي ذلك فإنه يراهن على الحوار، على “الأفعال” بوصفها أفعالاً تحدث فحسب، لا تتطلب وقوفاً عند أثرها أو وقعها. رواية فريدة واستثنائية الروائي الإيرلندي رودي دويل رئيس لجنة تحكيم “بوكر” هذا العام وصف رواية “لحم” بـ”الفريدة والاستثنائية”، وجاء في معرض كلمته عنها”: لا أظن أنني قرأت رواية تستغل مساحة البياض في الصفحة بهذا الإتقان، وكأن المؤلف ديفيد سالاي يدعو القارئ إلى ملء تلك المساحة، إلى أن يراقب- بل إلى تكوين الشخصية معه تقريباً. الكتابة مقتصدة، وهذا مكمن قوتها الكبرى. كل كلمة لها وزن، والمسافات بين الكلمات لها وزن أيضاً. الكتاب يتناول الحياة وغرابة العيش، ومع قراءتنا وتقليبنا للصفحات نشعر بالامتنان لأننا أحياء ونقرأ – نختبر – هذه الرواية الفريدة والاستثنائية”. “لحم” الرواية الفائزة (أمازون) يحمل ما قاله دويل كثيراً من الدقة، لكن من الجدير التأكيد خلال الوقت نفسه على أن بنية رواية “لحم” شديدة الكلاسيكية، وهي قائمة على التتابع الزمني، الآلية الأبسط سردياً، فهي عن حياة بطلها استيفان منذ كان في الـ15 داخل هنغاريا وصولاً إلى الـ50 من عمره، في خط أفقي واحد. ومع ذلك فهي استثنائية بحق، تدفع للشعور بأنك تملأ المساحات البيضاء بحق، لا بل إنني وطيلة قراءتي لها رافقتني أسئلة قد تبدو غريبة، وتتهدد مواصلة قراءتي لهذه الرواية، لماذا لا أستطيع مفارقة هذه الرواية؟ لماذا لا أتوقف عن قراءتها، وما الذي يدفعني خلال الوقت نفسه إلى قراءتها على هذا النحو المحموم؟ لا يصمد الكتاب عادة بين يدي القارئ تحت وطأة هكذا أسئلة، والإجابة عنها تكون غالباً بالعزوف عنه، لكن مع رواية “لحم” فالإجابات جاءت أولاً بالفروغ من قراءتها حتى آخر صفحة، ولتتحول تلك الأسئلة أداة للنبش عميقاً برواية، واكتشاف أسبابها كفيل بالإضاءة على خصوصيتها. من المدرسة إلى الإصلاحية تبدأ الرواية على هذا النحو: “حين كان في الـ15، انتقل هو وأمه إلى بلدة جديدة وبدأ يداوم في مدرسة جديدة. لم يكن ذلك سهلاً في عمره – فالعلاقات في مدرسة ترسخت وله أن يواجه صعوبة في تكوين صداقات”. اعتباراً من هذا المفتتح ستتوالى مراحل حياة استيفان المتوزعة على فصول الرواية، والتي ستكون متمحورة حول الجنس بصورة أساس، ابتداء بالجارة الأربعينية التي تسأله أمه مساعدتها في شراء حاجاتها، فإذا به تغويه هو ابن الـ15، ومع معايشة القارئ كل التفاصيل الحسية لتلك العلاقة فإنها لا تنتهي إلا عندما يصارحها استيفان بحبها، حينها فقط تقطع الجارة علاقتها به وتبدأ بالتهرب منه، مما ينتهي بحادثة مأسوية تتمثل بمقتل زوج الجارة على يد استيفان بطريق الخطأ، وكل ما فعله أن دفعه فإذا به يقع على السلم ويموت! يقود هذا الحدث للاعتقاد أنه سيكون مفصلياً في الرواية وشخصية استيفان، وبخاصة أنه سيمضي جراءه ثلاثة أعوام في إصلاحية الأحداث، لكن سرعان ما يطالعنا الفصل الثاني بـ”ها هو وأودون ينتظران في الغابة الباردة. إنها ظهيرة شتوية وقد سادت العتمة تحت الأشجار وهما واقفان يدخنان إلى جانب سيارة”. استيفان في كرواتيا بصحبة صديقه، وهما في صدد نقل شحنة مخدرات، ولا شيء يحيل إلى حياته في الإصلاحية سوى أنه تعرف على أودون هناك. من تجارة المخدرات إلى حرب الخليج مرة أخرى سيوحي الفصل الثاني أن استيفان دخل عالم تجارة المخدرات، إلا أنه سيمسي مخصصاً في معظمه لملابسات علاقته مع نعومي التي تبقى عصية عليه، ومع الفصل الثالث فإننا سنجد استيفان أصبح في الكويت جنديا ضمن الجيش المجري المشارك في قوات التحالف إبان حرب الخليج، إذ سنقع عليه وقد أنهى خدمته بانتظار العودة إلى بلده: “حدث شيء من التأخير. في كل يوم نتوقع أننا سنطير مغادرين وفي كل يوم يخبروننا بأن علينا (الانتظار لـ24 ساعة أخرى). يقيمون في فندق يحتكم على مسبح، ويمضون غالب وقتهم حوله”، وهناك سيخبرنا الراوي بوصف لحالة استيفان الجندي له أن يكون نادراً في الراوية: “توصل إلى أن الأشياء المهمة بالنسبة إليه – الأشياء التي حدثت، وتلك التي كان شاهداً عليها، الأشياء التي تركته يشعر بأن لا شيء سيكون كما كان مجدداً – لا أهمية لها هنا. هذه الأشياء غير حقيقة هنا، هذا ما تكون عليه هنا. وهكذا فإنها تشعرك بأنك مجنون قليلاً أو شيء من هذا القبيل، طالما أنها غير حقيقية هنا”، لن نكتشف ما حصل معه في الحرب إلا لدى زيارته لطبيبة نفسية، وحينها فقط سيظهر سبب أرقه وقلقه، والذي سيكون ناجماً عن مقتل زميله ريكي في مكمن، يلوم استيفان نفسه على عدم تمكنه من إنقاذه، وليأتي الحل من خلال “السيروتونين”، الدواء الذي سيريحه كثيراً ويطرد منه كل القلق والمخاوف والمؤرقات. مآسي الإنسان العادي لن أمضي أكثر في أحداث الرواية، وانتقاله إلى لندن وعمله حارساً داخل ملهى ليلي وملابسات قصة حبه وزواجه والثراء الذي سيهبط عليه، ومن ثم عودته إلى هنغاريا ليعمل حارساً في مركز تسوق، فالأحداث ستتوالى في رواية “لحم” على هذا النحو الذي استعرضته عبر الفصول الثلاثة الأولى، ولنكون حيال شخصية عادية في هذا العالم المعاصر، بلا طموح ولا تطلع ولا أحلام، لا بل إنه حين يحلم أو يخوض غمار مشروع كبير يفشل. غير العادي في حياته هو الأحداث المأسوية التي تواجهه في كل مرحلة من مراحل حياته، بينما يواصل هذه الحياة، ويقول “Ok” على الدوام، الكلمة التي يستخدمها إلى ما لا نهاية في الرواية، وهي الجواب الدائم لـكيف حالك؟ كيف تشعر؟ هل هذا مناسب؟ هل تحب هذا المكان؟… استيفان “أوكيه” دائماً، رجل على شيء من الوسامة والفحولة ربما، إذ ما من صفات أخرى توحي بها الرواية تجعله محبوباً من النساء، استيفان لا تستوقفه المآسي، يواصل الحياة إلى النهاية والتي بدورها ستكون شديدة المأسوية، وحينها فقط سيبكي. استيفان بسيط، ليس مثقفاً مثل سيمون وفرديناند في رواية سالاي “كل ما يكون عليه الإنسان” (2016) All That Man Isاللذين قامت صداقتهما على حبهما لشعراء وكتاب مشتركين مثل أليوت وجويس وشكسبير، ولا يكون حبه على طريقة سيمون “لا شيء يضاهي حبه لأن يمضي الظهيرة وهو يتحدث عنها، أو أن يسمع اسمها يتردد مراراً”. استيفان يحب وكفى، ومعادل ذلك في الراوية فعل الحب، والرواية قائمة أولاً وأخيراً على “الأكشن” وإلى حد كبير المشهدية غير الوصفية، وهذا يمتد ليشمل كل شيء، فالقارئ يعايش ما يعيشه من دون أية تدخلات أخرى، فهو أب أيضاً حين يلعب مع ابنه وحين يستفزه ما يتعرض له بالمدرسة، فالحكاية هنا حكاية أفعال كما لو أن الرواية معالجة سينمائياً، والحوار مهيمن واللغة شديدة البساطة، والصياغة تكون بأكبر قدر من السهولة. استيفان عابر للحدود كما غالب شخصيات روايات ديفيد سالاي (1974)، كما هو نفسه، وولد في كندا لأب هنغاري وأم كندية، وانتقل مع والديه إلى بريطانيا، ومن ثم عاش في هنغاريا لـ15 عاماً وهو يعيش الآن في فيينا، ويسعده كثيراً أن يوصف بـ”الروائي الأوروبي”. المزيد عن: بوكر العالميةجائزةروايةالحياة العاديةالصعوباتديفيد سالايالعقلالمآسي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post كيف تساهم الفلسفة في ترويض فاشية وادي السيليكون؟ next post هل تلقى الذراع السياسية لـ”إخوان الأردن” مصير الجماعة؟ You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026