ثقافة و فنونعربي كم يزن الصمت… بالجرام؟ | الشاعر الفرنسيّ باتريك دوبُست by admin 10 يناير، 2022 written by admin 10 يناير، 2022 109 رغم شغفه في اللعب بالكلمات، والإيغال في التجريب، وتداخل الأشكال الفنّيّة وتقاطعها، وإدخال الأصوات الحيّة والاصطناعيّة على الشعر، إلّا أنّ قصيدته لم تتشتّت… عرب 48 – فسحة \ أنس العيلة – ترجمة وتقديم الشاعر الفرنسيّ باتريك دوبُست Patrick Dubostمن مواليد ليون عام 1957، درس الرياضيّات والموسيقى، لكنّه انعطف إلى الشعر لاحقًا، وحصيلة ما نشر تصل الآن إلى ثلاثين كتابًا يصعب تصنيفها إن كانت شعرًا أو مسرحًا أو الاثنين معًا. ينخرط في الكتابة على اختلاف أشكالها، من تخطيط، وكتب فنّيّة، ونصوص متحرّكة أو مرسومة. ويعبّر عن قصائده من خلال الصوت، مصحوبًا بالموسيقى أحيانًا، ومختلطًا بأصوات أخرى أحيانًا أخرى، وأيضًا مُؤَدَّى بمصاحبة حركات الجسم، إنّه باختصار شعر تحت أسماء عديدة وغير متجانسة. صدرت مجموعته الشعريّة الأخيرة «المَمْلكتان – Les deux royaumes» عام 2021، وهو يمارس الأداء الشعريّ منذ سنوات عدّة، ويقدّم نصوصه مسموعة من خلال صوته، وإيماءاته، وحركات جسده، واستكشاف مختلف الاحتمالات الفنّيّة للعمل الشعريّ. واستحدث شخصيّة اسمها «أرموند الشاعر – Armand le poète»، ويصفه بأنّه: “شخصيّة شعريّة، إنّه أنا آخر، نسخة أخرى من نفسي ذات مسار حياة مختلف، إنّه موجود بجواري، وهو مستقلّ، وفوق كلّ شيء: ليس أنا! لكنّه أنا على أيّ حال”. حين سألته عن علاقته بالشعر العربيّ، قال: “في الواقع أجد صعوبة في الإجابة عن هذا السؤال… لذا؛ أسأل نفسي فجأة لماذا، ربّما لأنّي أصبحت مرتبطًا باللغة كشيء، بعيدًا عن كونها وسيلة لنقل المعنى. أجد صعوبة بالاندماج في النصوص المترجمة، كما لو كان الشعر في جوهره غير قابل للترجمة، أو أنّ عليه بالأحرى أن يكون إبداعًا جديدًا (ومن هنا تأتي أهمّيّة كون المترجم شاعرًا). لذا؛ سواء كانت الترجمات باللغة العربيّة أو أيّ لغة أخرى، فأنا أبدو جاهلًا بها. كما لو كان الأمر يتعلّق بترجمة منحوتة إلى لوحة، أو لوحة إلى تمثال! يبدو لي المرور من لغة إلى أخرى (في الشعر) بنفس الصعوبة تقريبًا. لكن يجب أن أقول إنّ بعض القصائد قابلة للترجمة أكثر (أو أفضل) من غيرها… ولا سيّما قصائد الشعر السرديّ”. في حوار أجرته كريستين دوريف بروكيرت مع الشاعر، سألته عن طبيعة القراءات الشعريّة الّتي يقدّمها، وماذا يسمّيها، وإن كانت محدّدة بتسميات واضحة، كونها تمزج غالبًا المسرح والموسيقى وفنّ الأداء بالشعر، فأجاب: “في الواقع، لا أهتمّ كثيرًا بالتسميات وتحديد المصطلحات… لكنّي عادةً ما أتحدّث عن «قراءة شعريّة بسيطة» حين أقرأ قصائدي بصوت عالٍ، وأتحدّث عن «أداء شعريّ» عندما تدخل الإيماءات والحركات في الإلقاء، وتأخذ دورًا واضحًا خلال القراءة. وعند استخدام أجهزة وأدوات غير عاديّة أيضًا، بحيث تصبح هذه الأجهزة حاضرة بقوّة، وتحقّق زيادة مفاجئة في الطاقة عند القراءة، ويكون لها حضور موازٍ للنصّ نفسه. وعندها يبدو الجسد أيضًا متورّطًا بالكامل في القراءة، بكامل طاقته، أو تكون القراءة بتواطؤ كبير مع موسيقيّين مرتجلين، بحيث أشعر بأنّني واحد منهم، من خلال موسيقى الكلمة بطريقة ما. أمّا بالنسبة إلى مصطلح «الشعر الصوتيّ»، فأنا أستخدمه أكثر في وصف القصائد الّتي تعمل مع الصوت، ومن خلال التسجيل والمونتاج، ولا سيّما عندما أتلاعب بصوتي لتحقيق الإيقاع، فيغدو نوعًا من الشعر متعدّد الإيقاعات، فصوتي يخرج من مكبّر الصوت على اليسار، وصوتي أيضًا يخرج من السمّاعة على اليمين، بالإضافة إلى صوتي الحيّ، الأصوات الثلاثة تتقابل، قصيدة بثلاثة أصوات (أو أكثر)، أو بصوت واحد مُضاعَف”. باتريك دوبُست من ضمن الشعراء الأكثر أصالة بين مجايليه، من شعراء الأداء والشعراء الصوتيّين، في الشعر الفرنسيّ، فرغم شغفه في اللعب بالكلمات، والإيغال في التجريب، وتداخل الأشكال الفنّيّة وتقاطعها، وإدخال الأصوات الحيّة والاصطناعيّة على الشعر، إلّا أنّ قصيدته لم تتشتّت، وظلّت متوهّجة بأفكار ومعانٍ ثريّة، مُلْتَقَطَة بعناية ومهارة. “تساعدني القراءة العامّة على إعادة التفكير في النصوص، والتشكيك فيها. أحبّ أن أقوم بقراءة عامّة واحدة على الأقلّ للنصّ قبل الانتقال إلى مرحلة النشر…“ ويقول عن أهمّيّة الأداء والقراءات العامّة في تطوير قصيدته: “اليوم، يسمح لي الأداء بالتحقّق ممّا إذا كان النصّ صلبًا، وما إذا كان قائمًا بذاته. عندما يكون خلل في القصيدة، أو كلمة سيّئة الاختيار، أو جملة ليست في مكانها، أو ضعيفة بعض الشيء، أو ليست ضروريّة، فإنّها تقفز أمام وجهي، وحينئذٍ أشعر بعدم الراحة. فجأة، تساعدني القراءة العامّة على إعادة التفكير في النصوص، والتشكيك فيها. أحبّ أن أقوم بقراءة عامّة واحدة على الأقلّ للنصّ قبل الانتقال إلى مرحلة النشر… علاوة على ذلك، تُعَدّ القراءة العامّة، تمامًا مثل الكتاب، وسيلة مهمّة جدًّا لحضور القصيدة وتداولها”. كان لقائي الأوّل بالشاعر باتريك دوبُست في «مهرجان لوديف الشعريّ» قبل نحو خمسة عشر عامًا، وقدّمنا لاحقًا أمسية شعريّة – مسرحيّة مشتركة في مسرح دمًى في مدينة ليون. وبفضل ذلك؛ تعرّفت قصائده ونشاطاته الأدبيّة الشديدة التنوّع. هنا قصيدتان مترجمتان للمرّة الأولى إلى العربيّة للشاعر، القصيدة الأولى مقتطفة من نصّ شعريّ طويل بعنوان «كلمة واحدة فقط»، بالاتّفاق مع الشاعر. كلمة واحدة فقط Juste un mot كم يزنُ الصمتُ؟ بالجرام؟ هل كلُّ صمتٍ قناعٌ لكلمة؟ لألفِ كلمة؟ صمتٌ ملوّنٌ منْ ألفِ كلمة كلمةٌ بألفِ لونٍ منَ الصمت هذهِ الكلماتُ الّتي نظنُّ أنّنا نسمعُها أحيانًا تحتَ الصورِ رغمَ أنّها صامتة ومعْ أنَّها ثرثارة أوْ بالأحرى غنيّةٌ بالإيحاءات قدْ يراها المرءُ مقترحاتٍ شفويّة وقدْ يرى صمتَها دونَ حاجةٍ إلى اللجوءِ إلى تشكيلاتٍ صغيرة كمْ عددُ الكلماتِ المُقنّعةِ بالصمتِ الّتي تلزمُ لإضفاءِ كيانٍ على صورة؟ كمْ عددُ الصورِ اللازمةِ لإعادةِ إنشاءِ كلمةٍ غائبة؟ هلْ يجبُ أنْ نسكتَ على عتبةِ الصمت؟ على حافّةِ الصورة؟ هل يجبُ أنْ نسكتَ على أعتابِ الصمتِ ليصبحَ صورة؟ هلْ يجبُ النزولُ في الكلام، بأدواتِ البستانيِّ أو النحّات؛ لنجدَ يومًا ما هذِهِ الكلمةَ في وسطِ كلِّ الكلمات؟ هذِهِ الكلمةُ الّتي تصنعُ صمتًا في قلبِ الصور هذِهِ الكلمةُ الّتي لا تزالُ بلا اسم الاسمُ الّذي لنْ يجدَ اسمَهُ أبدًا هذِهِ الكلمةُ الّتي ليستْ اسمًا لأيِّ كلمة هذا الاسمُ الّذي ليسَ كلمةً لأيِّ اسم هذِهِ الكلمةُ الّتي لا اسمَ لَها لا تاريخَ ولا تخبّئُ شيئًا تحتَ الصورة لا تصنعُ قصّة ولا توحي بشِعْرٍ يقولُ ذلكَ بنفسِه بدونِ أيِّ صوت هذِهِ الكلمةُ الّتي بدونِ حتّى موسيقى عندما كنّا لا نزالُ نبحثُ عنِ الموسيقى تحتَ الصورة، قائلينَ لأنفسِنا لاحقًا، ربّما. وفكّرْنا أنَّهُ فيما بعدُ سيظلُّ لديْنا النصفُ الثاني مِنَ العمرِ لنبحثَ أبعدَ مِنْ ذلك في مقبرةٍ بألفِ صورة. خليطٌ ينتهي فيهِ كلُّ شيءٍ بالانسجام خليطٌ يجبُ أنْ نعيدَهُ إلى بُعْدَيْن قطعةٌ موسيقيّةٌ، مشوّشةٌ، ضاع نصُّها التوضيحيّ تطفو قليلًا مثلَ ذكرى فقدتْ نصَّها تتشابكُ أزقّةُ المقبرةِ إلى ما لا نهايةَ حتّى تندمجَ في الأفق لقدْ فقدْتُ مخطوطةَ عمري وبعضَ ذكرياتي، سقطتْ منْ جيبي أثناءَ المشي لقدْ ضيّعتُ حياةً كاملةً في محاولةِ كتابتِها كمخطوطةٍ موسيقيّة لكنّني لمْ أفقدْ شيئًا في محاولتي كتابةَ حياتي كتبْتُ حياتي بينَ الصمت نَحَتُّ حياةً مسندةً بالصمت لقدْ صنعْتُ منْ حياتي صمتًا كبيرًا منحوتةً محدّدةً جيّدًا وصاخبةً في بعضِ الأحيان! صخب الذكريات Le bruit des souvenirs لدينا دائمًا ما نقولُهُ حتّى لو كانَ يبدو أنَّهُ لا شيء، ولا يُحْدِثُ أكثرَ منْ ضجيجِ ذكرى. وحينَ لا يكونُ ثمّةَ ما نقولُهُ، ذاتَ يومٍ نقولُه. وحتّى حينَ نطيلُ كثيرًا تأتي اللحظةُ، في نهايةِ المطاف، الّتي يُقالُ فيها كلُّ شيء. أنس العيلة شاعر وكاتب فلسطينيّ مقيم في باريس، أصدر عدّة مجموعات شعريّة تُرجمت إلى الفرنسيّة، آخرها “عناقات متأخّرة“. ينشر مقالاته في مجلّات ثقافيّة وأكاديميّة. المزيد عن : شعر أدائي \ شعر صوتي \ شعر تجريبي \ ترجمة \ أدب عالمي \ شعر فرنسي \ باتريك دوبُست \ أنس العيلة 4 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post محمد عصفور ينجز ترجمة جديدة لكتاب “الاستشراق” ومصطلحاته next post نصف فرح ونصف حزن… أو انتصار أبو هوّاش You may also like لاسلو نمش يسترجع صفحة حالكة من ماضي المجر 29 أبريل، 2026 سيمفونية “جوبيتر”… ذروة الإبداع الموزارتي 29 أبريل، 2026 الحياة الانسانية ليست سلعة في سوق المقاولات الربحية 29 أبريل، 2026 ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026 العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة 28 أبريل، 2026 شعراء الثمانينيات الفلسطينية خلقوا مختبرا حيويا للحداثة 28 أبريل، 2026 عندما حقق والت ديزني فيلمه الأكثر غرابة 28 أبريل، 2026 كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ