ثقافة و فنونعربي قصة الأغنية السياسية “الأكثر ثورية” في التاريخ المعاصر by admin 18 July، 2019 written by admin 18 July، 2019 225 دوريان لينسكي/ BBC في الحلقة الأولى من مسلسل “عندما يروننا” للمخرجة إيفا ديفرناي، نرى عشرات من المراهقين من أصحاب البشرة السمراء وهم يتدفقون على متنزه سنترال بارك في مدينة نيويورك الأمريكية في مساء التاسع عشر من إبريل/نيسان 1989. كان هؤلاء يسيرون على إيقاع أغنية “فايت ذا باور” (كافِح السلطة)، ذلك العمل ذو الطابع المتمرد، الذي لا يمكن للمرء التصدي لتأثيره. ورغم أن اختيار الأغنية لإدراجها بين أحداث المسلسل ربما يكون مشوبا بخطأ تاريخي؛ إذ أنها لم تخرج إلى النور سوى في يونيو/حزيران من العام نفسه، فإنها كانت ملائمة تماما لقصة العمل الذي يتناول الظلم العنصري المشين في نيويورك خلال ثمانينيات القرن الماضي، ذاك العقد الحافل بالاضطرابات في المدينة الأمريكية، والذي شهد عددا من القضايا البارزة لأمريكيين من أصل أفريقي لقوا حتفهم على يد غوغاء عنصريين أو ضباط شرطة. كل ذلك كان في ذهن المخرج سبايك لي عندما كتب ثالث أفلامه (افعلْ الصواب)، واتخذ أغنية “كافِح السلطة” كخلفية موسيقية وغنائية له. ومن هنا فإن لاختيار ديفرناي للأغنية لاستخدامها في المسلسل معنى مزدوجاً، يتضمن الإشارة إلى فيلم سبايك لي من جهة، وللاستعانة بها كسبيل لتحفيز وشحذ همة هؤلاء الفتية الذين يظهرون في بداية العمل التليفزيوني – وعلى محياهم تعبيرات تقف في منتصف المسافة ما بين التحدي والألم المبرح- من جهة أخرى. ولا عجب في ذلك، ففيلم “افعلْ الصواب” وأغنية “كافِح السلطة” أُعِدا لكي يكونا نداء يوقظ الناس من سباتهم وسكونهم. فمن جهته، كان سبايك لي يعلم أن فيلمه السينمائي الفريد من نوعه، بحاجة لأغنية مفعمة بالغضب والتحدي وذات إيقاع مميز كذلك، وهو ما جعل “كافِح السلطة” – التي تنتمي إلى أغاني الـ “هيب هوب” – اختيارا واضحا بالنسبة له. ALAMY / ما يزال فريق “بابليك إنيمي” يقدم عروضه حتى الآن، برغم أن واحدا من أعضائه المؤسسين اعتزل الغناء عام 1998 ليتفرغ لتربية النعام وتشكل هذه الأغنية مثالا على نجاح فريق “بابليك إنيمي” – الذي شُكِلَ عام 1986 – في ابتكار شكل من أشكال الـ “هيب هوب” ذي الطابع الراديكالي على المستوى الغنائي والسياسي معا، وهو ما لم ينجح أي فريق مماثل له في فعله منذ ذلك الحين. فبالرغم من أن أعمال الـ “هيب هوب” ذات الطابع السياسي كانت قد ظهرت قبل ذلك بسنوات، وتحديدا في عام 1982، بأغنيات مثل “ذا مسيدج” (الرسالة)، التي قدمها فريق “غراند ماذر فلاش أند ذا فيوريوس فايف”، فإن أعضاء هذا الفريق نفسه عجزوا عن تقديم أعمال تالية على المستوى ذاته. ALAMY / سجل فريق “ذا آيزلي برازذرز” النسخة الأولى من أغنية “كافِح السلطة” في اليوم نفسه الذي سجل فيه أغنيته “هارفيست فور ذا وورلد” (الحصاد للعالم) التي كرسها لمحاربة الفقر ويعود الفضل للمؤلف ومغني الراب الأمريكي تشاك دي في تنظيم أعضاء “بابليك إنيمي” بمواهبهم المتفاوتة وجعلهم قوة لا تقاوم، إلى حد أن ألبومهم الثاني الذي صدر عام 1988 باسم “يتطلب الأمر ملايين الأشخاص لكبح جماحنا”، دفع موقع “إن إم إي” البريطاني المتخصص في الموسيقى، لوصف فريقهم بأنه الأفضل في عالم “الروك أند رول” على وجه الأرض. يقدمون الفن على طريقتهم الخاصة في خريف عام 1988 وجه المخرج لي الدعوة لـ “تشاك” واثنين من زملائه في الفريق للغداء معه، وطلب منهم كتابة أنشودة لفيلمه الذي كان في طور التجهيز. في البداية اقترح عليهم الرجل تقديم نسخة مُحدّثة من أغنية “أرفع كل صوت وغنِّ”، التي كانت بمثابة ترنيمة لحركة الحريات المدنية في الولايات المتحدة. لكن في لقاء تالٍ جمعه مع تشاك ورفيقيه، طلب منه أحدهم أن ينصت إلى الأصوات الصادرة من الشارع المجاور لهم، لكي يتحقق من أن تلك الأغنية لم تعد تحظى بالاهتمام والشعبية، كما كان الحال في الماضي. لذلك لان موقف لي وسمح لهم بأن يقدموا ما يحلو لهم. ALAMY / قال تشاك دي إن أغنية “قلها بصوت عال أنا أسود وافتخر” التي قدمها جيمس براون عام 1968 كانت العمل الذي أقنعه بأن يقول إنه “أسود البشرة وليس زنجيا” واختار تشاك للأغنية اسم “كافِح السلطة”، الذي سبق أن حمله عمل غنائي قدمه فريق “ذا آيزلي براذرذ” عام 1975 وحقق نجاحا كبيرا. وكتب تشاك معظم كلمات الأغنية في أوروبا خلال جولة فنية لفريقه. وقال إن الأمر الأكثر صعوبة على هذا المضمار، تمثل في أن يتمكن من ضغط أفكاره ومزجها لجعل الأغنية بمثابة قنبلة مكثفة ومؤثرة من المعلومات، وجعل إيقاعها في الوقت نفسه “يُفعم الذهن ولا يفارقه”، قائلا إنه كان يعلم أن عليه تأليف أغنية تجيب على الأسئلة التي يطرحها فيلم لي، الذي تدور أحداثه في منطقة محدودة المساحة، وفي يوم واحد وفي أوج موجة حارة. لكن لم تكن كل الرسائل التي تضمنتها الأغنية ذات طابع مباشر، فمن بين عباراتها مثلا عبارة تقول “أنا أتأرجح وأنا أغني”، وهي تلميح لمقولة شهيرة لداعية حقوق الإنسان الأمريكي مالكوم إكس قالها عام 1964، للتأكيد على أن “الوقت قد حان للتوقف عن الغناء وبدء التأرجح” أي الحركة والفعل. وأوحى استخدام هذه العبارة في الأغنية أن بوسع فريق “بابليك إنيمي” الغناء والفعل الإيجابي في الوقت نفسه. ونظرا لوعي تشاك بتاريخ الأمريكيين من أصل إفريقي، استعان في أغنيته – وبشكل مباشر – بإشارات واقتباسات من بعض شخصياتهم الشهيرة. كما تضمنت أغنيته تلميحات مستترة، إلى عدد من هذه الشخصيات، مثل المغني بوب مارلي وداعية التحرر من العبودية فردريك دوغلاس. وهكذا كدس تشاك عمله بكل ما في تراث الأمريكيين سود البشرة، من تقاليد الكبرياء والمعارضة، كما شحذ مستمعيه وصقل قدراتهم، بهدف حثهم على الانضمام إلى ركب المحاربين ضد السلطة. ALAMY / مارتن لوثر كينغ الابن مع عدد آخر من قادة حركة الدفاع عن الحريات المدنية يتقدمون ما عُرِفَ باسم “المسيرة إلى واشنطن من أجل الحرية والوظائف” في 28 أغسطس/آب 1963 واختار تشاك للأغنية اسم “كافِح السلطة”، الذي سبق أن حمله عمل غنائي قدمه فريق “ذا آيزلي براذرذ” عام 1975 وحقق نجاحا كبيرا. وكتب تشاك معظم كلمات الأغنية في أوروبا خلال جولة فنية لفريقه. وقال إن الأمر الأكثر صعوبة على هذا المضمار، تمثل في أن يتمكن من ضغط أفكاره ومزجها لجعل الأغنية بمثابة قنبلة مكثفة ومؤثرة من المعلومات، وجعل إيقاعها في الوقت نفسه “يُفعم الذهن ولا يفارقه”، قائلا إنه كان يعلم أن عليه تأليف أغنية تجيب على الأسئلة التي يطرحها فيلم لي، الذي تدور أحداثه في منطقة محدودة المساحة، وفي يوم واحد وفي أوج موجة حارة. لكن لم تكن كل الرسائل التي تضمنتها الأغنية ذات طابع مباشر، فمن بين عباراتها مثلا عبارة تقول “أنا أتأرجح وأنا أغني”، وهي تلميح لمقولة شهيرة لداعية حقوق الإنسان الأمريكي مالكوم إكس قالها عام 1964، للتأكيد على أن “الوقت قد حان للتوقف عن الغناء وبدء التأرجح” أي الحركة والفعل. وأوحى استخدام هذه العبارة في الأغنية أن بوسع فريق “بابليك إنيمي” الغناء والفعل الإيجابي في الوقت نفسه. ونظرا لوعي تشاك بتاريخ الأمريكيين من أصل إفريقي، استعان في أغنيته – وبشكل مباشر – بإشارات واقتباسات من بعض شخصياتهم الشهيرة. كما تضمنت أغنيته تلميحات مستترة، إلى عدد من هذه الشخصيات، مثل المغني بوب مارلي وداعية التحرر من العبودية فردريك دوغلاس. وهكذا كدس تشاك عمله بكل ما في تراث الأمريكيين سود البشرة، من تقاليد الكبرياء والمعارضة، كما شحذ مستمعيه وصقل قدراتهم، بهدف حثهم على الانضمام إلى ركب المحاربين ضد السلطة. ورغم أن “كافِح السلطة” كانت ستبقى عامرة بالمعاني المكثفة، حتى لو قُدِمَت دون موسيقى على الإطلاق؛ فإن الطريقة التي أنتجتها بها مجموعة “بومب سكواد”، التي كانت تتعاون دائما مع فريق “بابليك إنيمي”، أضفت بعدا جديدا عليها. ففي تلك الحقبة، كانت تقنية استخدام أصوات مسجلة في إطار خطاب أو عمل موسيقي سابق وإعادة استخدامها في عمل آخر جديد، في مرحلة لا يخضع فيه استخدامها لأي ضابط أو رابط، فيما يتعلق بمسألة حقوق الملكية الفكرية. لذا، سعت مجموعة “بومب سكواد” إلى الاستعانة بهذه التقنية، لخلق “عاصفة” حقيقية هائلة ومكثفة من الأصوات. وتتضمن أغنية “كافِح السلطة” مقتطفات من كلمات ألقاها نشطاء في الدفاع عن الحقوق المدنية مثل جيسي جاكسون، إضافة إلى أجزاء من أغنيات كلاسيكية ومن أعمال تنتمي لفئة موسيقى “الريغي” والموسيقى الكهربائية، وغيرهما. وبلغ الأمر حد أن المقطع الموسيقي المركزي الصاخب في الأغنية، الذي وُصِفَ بأنه أشبه بطبول الحرب، يتألف من 10 عينات مختلفة. وقال القائمون على تنفيذ هذا العمل الغنائي إنهم أرادوا أن يشعر مستمعوها بكل تفاصيل المدينة بما فيها من “سخونة ولزوجة” وكذلك “مبان خرسانية وأشخاص يمرون إلى جوارها، وسيارات تعبر بالقرب منهم”. وتم تصوير الأغنية في يوم ربيعي بارد وممطر في منطقة بروكلين في نيويورك، بمشاركة مئات من المتطوعين ممن حملوا صورا لـ “الأبطال سود البشرة”، في إطار مسيرة انتهى بها المطاف إلى مكان تصوير “افعلْ الصواب”. وعبر اختيار لقطات مما عُرِفَ بـ “المسيرة إلى واشنطن من أجل الحرية والوظائف”، التي شارك فيها مارتن لوثر كينغ الابن وغيره من قادة حركة الدفاع عن الحريات المدنية في عام 1963، خلق المقطع المصور – مثله مثل الأغنية والفيلم – حوارا مفترضا ذا طابع مُحرض، يجمع بين تجربة الأمريكيين من أصل أفريقي في الماضي والحاضر، فيما يتعلق بتحديهم للرؤية السائدة، لما يمكن أن يُعتبر تقدما على صعيد المساواة المجتمعية. وعندما شاهد تشاك دي نسخة أوليّة غير مشذبة من الفيلم، دُهِشَ من عدد المرات التي ظهرت فيها الأغنية خلاله. فبجانب وضعها في بداية الفيلم، جعلها المخرج لي خلفية موسيقية مصاحبة لإحدى الشخصيات، ما أدى إلى أن تكون أشبه بنبض هذا العمل السينمائي وإيقاعه. وعندما اختار الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وزوجته فيما بعد ميشال روبنسون، فيلما لمشاهدته في أول موعد غرامي بينهما؛ كان أول ما شاهداه هو الممثلة روزي بيريز، وهي ترقص على تلك الأغنية في المشهد الافتتاحي من ذلك الفيلم. لكن لسوء الحظ لم يكن بوسع فريق “بابليك إنيمي” الاستمتاع بتلك اللحظة التي طال انتظارها. فخلال الفترة التي فصلت بين تصوير الأغنية وإطلاقها ضمن ألبومهم الثالث، أدت تصريحات معادية للسامية أدلى بها عضو الفريق “بروفيسور غريف” – الذي كان يُعرف بوزير إعلام هذه المجموعة الموسيقية – إلى إغراق “بابليك إنيمي” في أزمة وجودية، ثبت فيما بعد أنها مُدمرة. أما الفيلم فاتُهِمَ بالتحريض على العنف، وكان ذا طابع مثير للجدل، بقدر جعله موضوعا لندوة عُقِدَت في صحيفة نيويورك تايمز، اعتبر خلالها قاض أبيض البشرة أن مضمون العمل سلبي إلى أبعد حد، قائلا “لِمَ لا نكافح من أجل السلطة بدلا من أن نكافح السلطة”. ALAMY / عشرات من عناصر الشرطة من المزودين بمعدات مكافحة الشغب ينتشرون لليلة الثانية على التوالي من ليالي الاضطرابات التي أثارها طلاب في ولاية فيرجينيا في سبتمبر/أيلول 1989 لكن الأغنية نفسها – التي بيع منها نحو نصف مليون نسخة رغم أنها كانت منبوذة من محطات الإذاعة الرئيسية – اكتسبت حياة خاصة بها بعيدا عن كل هذا الجدل، فقد رددها الطلاب سود البشرة في وجه قوات الشرطة خلال أعمال شغب وقعت في ولاية فيرجينيا الأمريكية في سبتمبر/أيلول 1989، كما حولتها محطة إذاعة صربية تحمل اسم “بي 92” في عام 1991 إلى أنشودة مناوئة للرئيس سلوبودان ميلوشيفيتش، وكانت تبثها بشكل متكرر في الفترات التي مُنِعَت فيها من بث الأخبار، خلال حملة قمع مسلحة شنها النظام عليها. وقد كان صيف عام 1990 وقتا ملائما للغاية لأغنية من ذلك النوع، إذ شهد تأجج التوترات العرقية في نيويورك، بعد مقتل صبي أسود البشرة، ما أدى لخروج مسيرة عبر بروكلين للاحتجاج على ذلك، وهو حادث أسهم في الوقت نفسه في انتخاب دافيد دينكينز؛ كأول عمدة لنيويورك من ذوي البشرة السوداء. ومن جانبها، قالت مجلة “تايم” إن أغنية “كافِح السلطة” – التي لا يزال تشاك دي يغنيها حتى الآن – هي أكثر من مجرد عمل موسيقي آخر، مُشددة على أنها أثبتت أن موسيقى “الهيب هوب” تتجاوز “الترفيه أو تجسيد تعبير المتحمسين لها عن اغترابهم أو استيائهم، بل إنها تشكل قوة اجتماعية رئيسية”. يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture المزيد عن : فن/فنون/الولايات المتحدة 124 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post لماذا تثير الفياغرا النسائية جدلا حول مدى فعاليتها؟ next post المعارك الأدبية… من هزيمة العقل إلى حمقى شبكات التواصل الاجتماعي You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ