مذابح الهنود الحمر في زمن اكتشاف أميركا (موسوعة التاريخ الأميركي) ثقافة و فنون قسيس إسباني أنصف الأميركيين الأصليين ودفع الثمن غاليا by admin 3 سبتمبر، 2025 written by admin 3 سبتمبر، 2025 115 “تاريخ الهنود” تقرير أعده لاس كازاس لملك البلاد عن مجازر يصعب وصفها وهمجية المتحضرين اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب إذا استثنينا الاسم الأشهر في تاريخ العالم الجديد، وهو بالتحديد اسم “مكتشف” القارة الأميركية كريستوف كولومبوس، يمكننا أن نقول إن الاسم الذي يبقى الأشهر من كل تلك “المعمعة” هو اسم بارتولومي لاس كازاس، حتى وإن كان الاسم لا يبدو اليوم معروفاً بما فيه الكفاية على نطاق واسع بالنسبة إلى العامة. وربما يعود ذلك إلى واقع أن رجل الدين الإسباني هذا كان إنساناً صالحاً ورجل فكر يسير في ممارساته الفكرية على عكس ما كانت الكنيسة نفسها تسير عليه في تلك الأحايين، أي في الزمن الذي وصل فيه الأوروبيون إلى أراضٍ اعتبروها هندية آسيوية، أول الأمر، ثم عملوا فيها خراباً واحتلالاً وإجراماً، وكان المفكرون الأوروبيون قلة، وبينهم أعداد لا بأس بها من رجال الدين، الذين ندى جبينهم خجلاً بما يحدث خلالها. وكان لاس كازاس من بين هؤلاء، حتى وإن كان ذكره سيتأخر طويلاً على رغم أن ما كتبه حول ذلك الموضوع إنما كتب بطلب من الملك شارلكان الذي وقف، ذات لحظة، وقد عمت في بلاده وفي أوروبا، أخبار الفظائع التي ارتكبها جنوده، ومن كان معهم لدى الوصول إلى القارة الأميركية، مطالباً بالتحقيق في تلك الفظائع. وهو تحقيق قام به الأب بارتولومي لاس كازاس، لكنه لن ينشر إلا بعد سنوات طويلة من إنجازه، أي بعدما كان الملك قد نسي غضبه وسيطرت محاكم التفتيش كلية على العقول وأبيدت ملايين أخرى من “الهنود الحمر” من الذين كان لاس كازاس ذكر أن عدد ضحاياهم خلال المراحل الأولى من اكتشاف أميركا واستيطانها لا يقل عن 20 مليوناً. بارتولومي دي لاس كازاس (1470 – 1566) (الموسوعة البريطانية) عقل إنساني نيِّر صحيح أن كثراً من المؤرخين والباحثين سيرون أن لاس كازاس (1470 – 1566) بالغ إلى حد كبير في أرقامه، لكنهم أجمعوا، دائماً، على أنه لم يكن مبالغاً في حديثه عن الفظائع التي ارتكبها البيض المحتلون، والتي أثارت حتى غضب الملك الذي كان هو من أرسلهم لـ”يحضروا” العالم الجديد. والمهم في الأمر أن لاس كازاس قد تمكن، بفضل شجاعته، من أن يكشف منذ وقت باكر جداً، زيف الادعاءات “الحضارية” والحكايات التبسيطية التي رافقت ظهور الأزمان الجديدة منذ تلك الحقب التي انقلب العالم فيها رأساً على عقب، وقدم عن تفكير ديني معين، صورة ناصعة تناقض تماماً الصورة التي خلفتها محاكم التفتيش، حتى وإن كان التقرير الذي أعده للملك بعنوان “التاريخ المريع للفظائع وضروب القسوة والجبروت التي مارسها الإسبانيون في الهند الغربية” قد اكتمل، وصدر في عام 1442، فإنه لم ينشر إلا في عام 1452، حيث عرف الناس أن كاتب التقرير إنما كتبه بعدما بدأ بزيارات ميدانية إلى أميركا عبر خلالها المحيط الأطلسي ما لا يقل عن 14 مرة، وهو عبور قد يعجز المرء عن القيام به حتى بالطائرة في زمننا هذا، لكن لاس كازاس قام به كل تلك المرات، وقد وضع نصب عينيه فضح ممارسات أهل جلدته تجاه شعوب مسالمة سيخبرنا كلود ليفي ستروس لاحقاً كيف أنهم استقبلوا الغزاة مرحبين، فبادرهم هؤلاء مشهرين سيوفهم في بعض أكثر مجازر التاريخ عبثية وهمجية مجانية. المهم أن لاس كازاس فهم ذلك باكراً، وتحدث عنه في وقت كان مواطنوه يعدون ذوي البشرة البرونزية مجرد حيوانات ينبغي التخلص منها. والحقيقة أن لاس كازاس لم يكتفِ هناك بدور المراقب المثقف، بل لعب دور المناضل الشرس. تجربة ميدانية فهو ومنذ زيارته الأولى هناك، راح يتصدى للسلطات الكولونيالية المحلية التي رصد غاضباً كم أنها ترى أن الاستيلاء الكلي على العالم الجديد لا يمكن أن يتم إلا بوسائل عنيفة تبيد جزءاً منها لتخيف الجزء الآخر في ما كان هو، ومن دون أن يقف في وجه الاحتلال نفسه على أية حال، يطالب بممارسات أكثر إنسانية تحفظ للسكان المحليين كرامتهم وهي تستولي على أراضيهم، وتجعل لهم حصة كافية مما ينتجون. وهو لفرض “منطقه الاستيطاني الناعم هذا” راح يكثر من روحاته وغدواته بين موانئ العالم الجديد والقصر الإمبراطوري في إسبانيا، واثقاً من دور الإقناع والكلمة، و”فضح الفظائع” في اكتساب الملك إلى القضية التي يدافع عنها. وهو ما يصفه على أية حال، في كتابه الوحيد الذي تركه، والذي جعل الملك ما إن يطلع عليه، حتى يعين مؤلفه “حامياً عاماً لعموم الهنود”، مانحاً إياه سلطات ملكية تخوله العمل على تحريرهم من ربقة جنود الغزو وممارساتهم القمعية، بل إن الملك انتهى به الأمر إلى منحه منطقة ساحلية في القارة الأميركية ينشئ فيها مقاطعة سياسية مستقلة تتضمن هنوداً يتم تحريرهم وينبغي على حاميهم لاس كازاس أن يستعين بهم لخوض تجاربه الإنسانية التي يدعو إليها، انطلاقاً من إيمانه الذي عرضه ذات زيارة له قام بها إلى القصر الإمبراطوري، بأن “هؤلاء البشر طيبون بالسليقة كما تخبرنا تعاليم الكنيسة”، لكن “ممارساتنا غير المسيحية” هي التي تحولهم إلى وحوش. وفي هذا السياق من الواضح أن شارلكان وافقه، لكن بشرط، أن ينجح مشروعه التمديني. وهذا في الأقل ما يذكره لاس كازاس، في معرض امتنانه لما اعتبره تجاوب شارلكان معه. وما الكتاب نفسه سوى حكاية ذلك كله منطلقاً من تاريخ للهنود صوره حضارياً وإنسانياً بقدر ما كان يستطيع في ذلك الحين، وكان الزمن على أية حال نهضوياً على رغم أنف محاكم التفتيش حتى وإن كان تأخر ظهور الكتاب أثر سلبياً على فاعليته. تاريخ للفظائع والحقيقة أن كتاب لاس كازاس، حتى وإن كان سيبدو واهن الحجة، ضعيف النتيجة في ما يتعلق بالتجربة الميدانية نفسها، فإنه كان ذا فاعلية لا تنكر، في الأقل، في كشفه عما اعتبر زمناً طويلاً، وما زال معظمه يعتبر حتى اليوم على أية حال، سرداً للتاريخ لا يشرف الأوروبيين ولا جزءاً من أهل الكنيسة في ذلك الزمن. ففيه يندد المؤلف بقوة، واستناداً إلى براهين موثوقة قد يكون بالغ في بعضها، لكن معظمها تأكد تاريخياً، يندد بالممارسات الكولونيالية بل بالمنظومة الاستيطانية التي قامت على ارتكاب المجازر والفظائع، وعلى عمليات النهب الممنهج التي مارسها الإسبانيون ضد الهنود الحمر، وغالباً، كما يذكر لاس كازاس في التقرير منذ صفحاته الأولى، بالتناقض التام مع “القوانين الإنسانية الصادرة من البلاط الملكي والهادفة إلى حماية السكان الأصليين”، بخاصة من خلال لجوء السلطات المحلية إلى أسلوب “الإنكومييندا” الذي يقوم على أسلوب قسري في توزيع الأراضي يشترط ذلك التوزيع باعتناق الدين المسيحي في حراك يقوم انطلاقاً من ذلك كله على مبدأ الاسترقاق، مما يجعل الهندي الأحمر في أحسن أحواله وعلى رغم اعتناقه المسيحية، عبداً لأي أبيض يطلبه لذلك. ومن هنا حدثت تلك “المعجزة الاقتصادية” التي ستغير وجه العالم على حساب شعب مهزوم أرهقته أسلحة أعدائه وجبروتهم، مدمرة حضارته القديمة واقتصاداته الراسخة التي عاش فيها وعليها مئات السنين، وها هو يجد نفسه خارجها اليوم. وفي الحقيقة أن هذا الجانب “الاقتصادي” من أطروحة لاس كازاس بدا في ذلك الحين متطوراً، غير أن مشكلته الرئيسة، كما رأى كثر من الباحثين لاحقاً، أن مؤلف الكتاب، لكي يدعم نظريته “بأي ثمن كان” ولغياب المعلومات والإحصاءات الموثقة، وجد نفسه وتبعاً لأساليب ستولد بعد قرون من صدور “تقريره،”، وجد نفسه يؤدلج معلوماته واستنتاجاته إلى درجة مكنت خصومه من أن يجابهوه بما يتناقض معها، ولا سيما حين وجدوه، وبكل سهولة، “ينفخ” الأرقام بشكل يلائم تلك الاستنتاجات ويؤثر، في رأيه، على تلقي الإمبراطور توصياته من ناحية “ضرورة أنسنة” الاستيطان “بشكل يتلاءم مع تعاليم الكنيسة بحيث يصبح الصراع، الذي سيسفر في نهاية الأمر عن تغيير صورة العالم، الجغرافية والسياسية والاقتصادية، صراعاً أخلاقياً داخل الكنيسة نفسها وهو، كم نعرف وعلمنا التاريخ بعد ذلك، أنه قد يكون صحيحاً جزئياً، لكنه لا يمكنه أن يصمد حقاً أمام حقائق التاريخ. ومن هنا دخل لاس كازاس التاريخ كروح طيبة مخلصة للمبادئ الإنسانية، لكنها غير قادرة على أكثر من إقناع أرواح أخرى مشابهة لها بمنطقها الإنساني ذي النيات الطيبة”. المزيد عن: تاريخ الهنودبارتولومي دي لاس كازاسكريستوف كولومبوسالهنود الحمرشارلكانالإسبانيون 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أناند تثق بالقاضية بروست لكنها لا تأتي على ذكر العقوبات الأميركية next post “بوغونيا” اليوناني يعالج تراجيديا النحل في “البندقية” You may also like السينما الإيرانية الجديدة ولدت من قلب الرقابة 10 مارس، 2026 فاطمة أيديمير تروي دراما الاغتراب في أوروبا 10 مارس، 2026 أدورنو يحتج على تشييء الفنون وابتذالية الفكر الاحتجاجي 10 مارس، 2026 “البحث عن الإمبراطور” رواية استشرفت سقوط الاتحاد السوفياتي 9 مارس، 2026 الحرب على سرير التحليل النفسي والثقافي 9 مارس، 2026 “ثلاثمئة حكاية” لفرانكو ساكيتي: وقائع إيطالية في زمن... 9 مارس، 2026 زيارة رمضانية إلى دوستويفسكي عن الجوع الاختياري 9 مارس، 2026 ندى حطيط تكتب عن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن... 9 مارس، 2026 “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026