الأربعاء, مارس 11, 2026
الأربعاء, مارس 11, 2026
Home » عبده وازن يكتب عن: عندما يمثل العربي “الآخر” السلبي في الأدب الفارسي القديم والحديث

عبده وازن يكتب عن: عندما يمثل العربي “الآخر” السلبي في الأدب الفارسي القديم والحديث

by admin

 

سخرية من لغة الضاد وشعوبية حديثة ونزعة آرية وهجاء وتعصب قومي

اندبندنت عربية / عبده وازن

كثيراً ما عرفت صورة العربي في الأدب الفارسي والإيراني، القديم والحديث، حالاً من الالتباس والتناقض، تبعاً لارتباط هذه الصورة بما يمكن تسميته ‘الخلفية’ السياسية والدينية. وبرزت صورة العربي في الأدب الفارسي الحديث بصفتها وجهاً من وجوه مسألة ‘الذات’ الإيرانية متجلية في مرآة ‘الآخر’ العربي. وقد اختار الكثير من الأدباء هذا ‘الآخر’ العربي بمثابة قرين في قبالة ‘الآخر’ الغربي، انطلاقاً من الإشكال التاريخي الذي أحدثه الغزو العربي لإيران في القرن الثاني الهجري، السابع ميلادياً. هكذا كان على العربي أن يكون هو ‘الآخر’ والفارسي هو ‘الذات’ على رغم أواصر الدين التي جمعت بينهما.

تجد الباحثة والمستشرقة الأميركية جويا بلندل سعد نفسها ملزمة، في كتابها المثير ‘صورة العرب في الأدب الفارسي’ إزاء معالجتها هذه الصورة بأن تتناول علاقة الدين بتعريف مفهوم ‘الفرسنة’ أو ‘الأرينة’. هذا الكتاب الذي ترجم مرتين إلى العربية بعدما ترجم إلى الفارسية وعرف رواجاً في إيران، هو من المحاولات المهمة لقراءة هذه العلاقة الملتبسة بين العرب والفرس. وقد يكون مفاجئاً حقاً أن تقوم بهذه الخطوة باحثة أميركية متعمقة في قضايا الأدب الإيراني.

الوعي القومي

كتاب المستشرقة الأميركية بالإنجليزية والترجمة العربية (أمازون ودار سطور)

تنقل الباحثة عن شاه رخ مسكوب قوله ان الوعي القومي الإيراني، إنطلق منذ الفتح الإسلامي لإيران وبُني على اللغة الفارسية وتاريخ ما قبل الإسلام والحضارة القديمة. لكن هذا الوعي ترسخ كحركة قومية في القرن الـ19 وراح الوجدان القومي يتنامى أدبياً وثقافياً حتى غدت النزعة القومية ‘ثيمة’ ملحة في الحركة الأدبية المعاصرة. وسعى الأدباء والشعراء إلى البحث عن الهوية التاريخية والثقافية الإيرانية وإلى تحديد مفهوم ‘الأمة’ الفارسية، انطلاقاً من التنوع الإثني الذي عرفته – وتعرفه – إيران من خلال الجماعات المتعددة التي تقطنها: الأتراك الأذريون، والتركمان، والأكراد، والبلوش، والعرب، والأرمن، والآشوريون… وراحت ترتفع أصوات تنادي بـ’الأمة الآرية النبيلة’ واصفة العرب بـ’الأمة السامية’. ولم يتوان روائيون وشعراء كثر عن نقد العرب ومعاداتهم و’تحقيرهم’. يسمي فاث علي أخو نزادة العرب بـ’البدو المتوحشين’ الذين دمروا حضارة إيران الساسانية والأخمينية.

ويرى ميرزا آغاخان كرماني في العرب ‘حفنة من آكلي السحالي، الحفاة العراة والبدو الذين يقطنون الصحراء…’. كانت أسطورة ‘العصر الذهبي’ لبلاد فارس – كما يعبر الكثيرون – التي قوضها الفتح الإسلامي حافزاً من حوافز النزعة العصبية هذه. يقول شاه رخ مسكوب أيضاً إن إيران أصبحت مسلمة، لكنها لم تتعرب. ويكتب: ‘كانت إيران شجرة جديدة غرست في مناخ الإسلام، لكنها شبت في تربة ذاكرتها القومية الخاصة بها’. حتى ملحمة ‘شاهنامة’ الشهيرة للفردوسي تعلن في نهايتها قدوم العرب وقضاءهم على إيران الساسانية واحتلالها، وقد صور هذا الشاعر القومي العرب بأنهم ‘قوم أقل مدنية من الفرس’. وفي ‘سفرنامة’ أو ‘كتاب الأسفار’ لناصر خسرو (القرن الـ11) تظهر صورة العربي البائس غير المتمدن مقابل الإيراني المتحضر والمتنعم بالحياة.

“الشاهنامة” ملحمة التاريخ الفارسي (دار العلم للملايين)

تطرح الباحثة هذا السؤال: هل ترتبط هذه النزعة الشوفينية بـ’الحركة الشعوبية’ العنصرية التي ترسخت في العصرين الأموي والعباسي وعادت العرب متهمة إياهم باضطهاد ‘الموالي’، أي من ليسوا عرباً؟ لعل اللافت هنا أن القرون الممتدة من الرابع (الهجري) إلى الثامن شكلت حقبة من الإخاء الثقافي وشهدت علاقة وطيدة بين الأدب العربي والأدب الفارسي الذي راح ينهل من القرآن الكريم واللغة العربية. وسطع حينذاك نجم شعراء فارسيين كبار ما برحوا يملكون حضورهم العالمي في العصر الحديث، ومنهم: عمر الخيام وسعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي… لم يظهر هؤلاء الشعراء أي عداء للعرب، بل هم امتدحوا الإسلام والحضارة العربية، وقد ‘طعموا’ بعض قصائدهم بأشطر عربية. هذه المسألة لم تشر إليها الباحثة ولم تولها اهتماماً على رغم أهميتها ونموذجيتها.

النزعة الآرية

كان على النزعة العصبية المعادية لـ’الآخر’ العربي ان تبرز في النصف الثاني من القرن الـ19، قرن ‘اليقظة القومية’، وبلغت ذروتها في مرحلة الثورة الدستورية (1906 – 1908) ومرحلة الحكم البهلوي الذي أطاحته من ثم الثورة الخمينية عام 1979. ويمكن القول إن النزعة العصبية هذه برزت في مراحل ما قبل الثورة التي أرست مبادئ جديدة انطلاقاً من روح الإسلام. ومن الروائيين والشعراء الذين تبدت لديهم نزعة معاداة العرب أسماء كبيرة مثل صادق هدايت (1903 – 1951) الذي عرف نجاحاً عالمياً وترجمت أعماله إلى لغات شتى، وقد مات منتحراً في باريس. يرى هدايت صاحب رواية ‘البومة العمياء’ أن الإيرانيين الآريين متفوقون عرقياً على العرب الساميين ويجعل من الماضي الزرادشتي مثالاً، معتبراً إياه ‘عصر إيران الذهبي’. ولا يخفي هدايت (الذي ترجم إلى العربية) حقده على العرب وكراهيته أو احتقاره لهم هم واليهود.

الترجمة الاخرى للكتاب الاميركي (دار قدمس)

وقد حملت قصصه وأعماله الروائية والمسرحية أشكالاً من هذا الحقد، لا سيما قصة ‘الكلب الضال’ و’العانس أبجي خانم’ و’الأخ أكول’ و’طيف المغول’ ومسرحية ‘بروين ابنة ساسان’، إضافة إلى ‘البومة العمياء’… في كل هذه النصوص سخر من العرب، واصفاً إياهم على نحو دائم بـ’المتوحشين’ والقساة والمتعطشين للدماء والموبوئين والقذرين والبشعين وأصحاب ‘الجلود السوداء’، وهنا تبلغ العنصرية أوجها. ولم يوفر اليهود الذين كال لهم أبشع الصفات مصنفاً إياهم مع العرب في خانة الساميين المعادين لإيران. وكان يرى أن إصلاح الشعب الإيراني يكمن في العودة إلى الأصول الشرقية وإلى الزرادشتية.

غير أن القاص والروائي محمد علي جمال زادة (1982) هو أقل حقداً على العرب من هدايت، لكنه أشد تعصباً لانتمائه الإيراني المعاصر والإسلامي – الإيراني تحديداً، وهذا ما دفعه إلى السخرية مثلاً من شخصية ‘الملا’ العربي في عمله السردي الشهير ‘الفارسية سكر’، واصفاً إياه بـ’قطة بيضاء تقعد ملتوية على كيس من غبار الفحم’. لم تخلُ قصص زادة من نزعة معاداة العرب وهو يورد بلا حرج أحد الأمثال الشنيعة المضروبة ضد العرب في أحد نصوصه: ‘العربي في الصحراء يأكل الجراد مثلما يشرب كلب أصفهان المياه المثلجة’.

الكاتب صادق هدايات والنزعة الآرية (سوشل ميديا)

ويرسم صورة نافرة للعرب ‘المتخلفين والقساة’ يستبطنها من ذاكرته الطفولية. وفي أحد نصوصه يسخر من اللغة العربية نفسها وكان تعلمها صغيراً، هذه اللغة الحافلة بـ’الضرب’، فيقول: ‘بات شغلنا الشاغل ليلاً ونهاراً: صفع وضرب كل من اسمه زيد وعمرو…’. ويتوقف عند فعل ‘ضربن’ الذي يهزأ منه، فهو يشير، كما يقول، إلى جمع من النساء ويقول: ‘في عالم الطفولة ذاك رأيت حفنة من النسوة العربيات أحرقت الشمس وجوههن (…) يحملن عصياً طويلة من خشب الخيزران ويهاجمن بها مجموعة من الرجال الضعفاء البؤساء (…)، ويضربن إياهم بوحشية وقسوة…’. إلا أن ما يميز زادة نظرته إلى الإسلام في كونه متمماً للثقافة الإيرانية، واعتراضه إنما هو على الإسلام غير الإيراني.

“الدميم والمتوحش”

ويرى الروائي صادق جوباك (1916-…) ‘الآخر العربي’ منافقاً ودميماً ومتوحشاً، ويعتبر أن ‘النفاق السامي دمر الذات الإيرانية وهزمها’. إلا أن العرب لا يظهرون في أعماله إلا عبر إشارات عرضية. في رواية ‘المصباح الأخير’ يسخر من مدينة البصرة وأهلها، ومما يقول: ‘عليك أن تحترس في البصرة وتحرص على أغراضك هناك. فحالما تدير وجهك يسرقك العرب. ليس هناك من لصوص أسوأ من العرب’. ويكتب جوباك في قصة ‘الحجر الصبور’ متأسفاً على الحضارة الفارسية القديمة: ‘كم من الكتابات طمست؟ كم منها أحرق ودمر على أيدي العرب والمغول؟ أين الكتابات الساسانية؟ أين أعمال البيهقي؟ أين مئات الأعمال الأخرى التي لا نعرف حتى أسماءها؟ (…) لم يأتنا العرب بأي شيء. لقد دمروا كل ما لنا’.

الشاعرة فروغ فرخ زاد (سوشيل ميديا)

اما الشاعر مهدي أخوان ساليس (1928 – 1990) فيحتقر العرب على طريقة صادق هدايت، و’يندب’ حضارة إيران القديمة التي سقطت على أيدي العرب، داعياً إلى المصالحة مع التاريخ العريق وإلى العودة إلى الثقافة الزرادشتية والفكر الإصلاحي الساساني. ويتحدث عن بشاعة العرب، معلناً أن ‘كل ما يقترن بإيران القديمة هو طاهر ونقي ومتألق…’. أما الشاعر نادر نادربور (1929) فلا تخلو رؤيته من العصبية أيضاً، وفي رأيه أن الثقافة العربية تعارض ‘جوهر القيم الإيرانية الفارسية الحقة’. وفي قصيدة ‘هنا وهناك’ تحضر صورة العرب بصفتهم ‘وحوشاً وغرباء متطفلين دمروا الحضارة الإيرانية’.

تخصص الباحثة جزءاً من كتابها ل ‘كتابات النساء، آراء النساء’، وتركز فيه على الشاعرة المعروفة فروغ فرخ زاد (1934- 1967) والشاعرة طاهرة سفر زادة (1936-…) والقاصة والروائية سيمين دانش فشار (1921-…)، وغايتها من تناول هذا الأدب النسائي إبراز اختلاف هذا الأدب عن الأدب الذكوري وانكفائه على ذاته وعلى هموم المرأة بعيداً من قضية الهوية الجماعية و’الفرسنة’ أو ‘الأرينة’… فشعر فروغ فرخ زاد لا يعكس النزعة القومية والتاريخية ولا يعنى بالمشكلات السياسية.

سعت هذه الشاعرة التي قضت منتحرة، إلى خوض عالمها الذاتي بحثاً عن هويتها الشخصية، متطرقة في الحين عينه إلى قضية اضطهاد المرأة في مجتمع ذكوري بامتياز. ولم تكن في حاجة، هي صاحبة الميول الفردانية في الحياة والشعر، إلى تأسيس هوية تاريخية بصفتها إيرانية، ولا إلى مرآة ‘الآخر’ العربي لترسخ ذاتها.

البحث عن الذات

ابدت الشاعرة طاهرة سفر زادة اهتماماً بـ’البحث عن الذات’، ولكن في الإسلام، وراحت تنقب عن الهوية الدينية إزاء أزمات المجتمع الحديث. وهي ترى الإسلام ديناً كونياً وتبجل لغة القرآن الكريم بصفتها ‘لغة الوحي والإسلام’. ويحضر العرب في نصوصها حضوراً إيجاباً ويغلب عليهم الطابع الإسلامي أكثر من الطابع العربي، لكن سفر زادة لا تنكر تاريخها الفارسي وهويتها الإيرانية من غير أن تتعصب لهما. فمفهوم ‘الأرينة’ يوفق لديها بين العنصر الفارسي والإسلام وسائر الإثنيات. وعلى خلاف الكتاب الآخرين لا ترى سفر زادة ‘الغزاة’ بصفتهم عرباً، بل بصفتهم مسلمين جاءوا بحقيقة الإسلام التي ستحرر الناس. وفي رأيها أن غزو العرب لإيران كان ‘تحرراً بحق’.

أما الروائية سمين دانش فشار صاحبة رواية ‘سيا وشان’ الأكثر مبيعاً في تاريخ الأدب الفارسي الحديث، فتحمل رؤية لإيران تندرج فيها المجموعات الإثنية في سياق الثقافة الإيرانية المشتركة التي تشكل كلاً واحداً. هكذا تعي فشار الاختلافات الإثنية وتقر بها في صفتها حقيقة على الحياد. وفي نظرها هناك عرب وآخرون، ولكن ليس هناك ‘آخر’ عربي وسواه، ‘الآخر’ لديها هو الغرب الذي تمثل إيرانياً في النظام البهلوي والاحتلال البريطاني خلال الحرب الثانية.

ثمة نموذج آخر تختاره الباحثة تسميه ‘رجلاً في الوسط’، أي ذاك الذي احتل موقعاً وسطياً بين معاداة العرب واحترامهم. إنه الكاتب الإشكالي جلال آل أحمد (1923 – 1969) الذي ما زالت آراؤه حاضرة في إيران اليوم. معايير جلال لمفهوم النزعة الإيرانية تقوم على ثلاثة عناصر: اللغة الفارسية، والثقافة الإيرانية الفارسية والإسلام الشيعي. وقد يكون جمال الوحيد الذي استطاع أن يواجه التناقضات التي تحيط بمسألة الهوية الإيرانية. فالإسلام في نظره جوهري في مفهوم الإيرانية، لكنه لا يني يسخر من الشخصية العربية، كما في قصة ‘الجمارك والمكوس’، حيث يتحدث عن ‘خداع’ العرب و’جشعهم’ وعن كرههم للآخرين.

ولا تسلم اللغة العربية من سخريته مع إيمانه بأن قيمتها تكمن في كونها لغة الدين، وقد دعا إلى فصل الإسلام عن جذوره العربية. إلا أنه يرفض أيديولوجيا ‘النزعة الآرية’، مشيراً إلى ‘شعوذة الدراسات الآرية’. أما ‘الآخر’ في نظره فهو ليس العربي، بل الإمبريالية الغربية.

تكمن أهمية كتاب ‘صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث’ في كونه يلقي ضوءاً ساطعاً على زوايا طالما مكثت مستورة ومجهولة أو شبه مجهولة لدى القارئ العربي. وقد نجحت الباحثة فعلاً في رسم تلك ‘الصورة’ المهتزة للشخصية العربية كما تجلت في الأدب الإيراني الحديث في تناقضاتها كافة، سلباً وإيجاباً.

المزيد عن: الأدب الفارسي التراث الإيراني الحداثة صورة العربي الآ خر الشعوبية النزعة الآرية القومية

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00