توماس دي كوينسي (الموسوعة البريطانية) ثقافة و فنون عندما اكتشف الفرنسيون “ملتهم الأفيون الإنجليزي” by admin 24 October، 2025 written by admin 24 October، 2025 82 توماس دي كوينسي شارك باكراً في ديوان أندريه بريتون عن الفكاهة السوداء وطبعة فرنسية ضخمة جمعت أعماله اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب حتى زمن متأخر جداً كان القراء الفرنسيون، ومهما كان من شأن نخبويتهم واطلاعهم على الحالة الأدبية في بلدان الجوار وإنجلترا منها بصورة خاصة، يعتقدون أن توماس دي كوينسي الذي يسمعون به منذ زمن طويل، وتحديداً منذ ضمه زعيم السريالية أندريه بريتون إلى مؤلفي كتابه الشيق “ديوان الفكاهة السوداء”، يعتقدونه مؤلفاً لم يعرف له العالم سوى كتاب واحد، هو ذاك الذي صدر مترجماً إلى الفرنسية قبل ذلك بعقود طويلة، ومنه أتى بريتون بالنص الذي أورده في كتابه المذكور، أي كتابه الشهير منذ ترجمه وكتب عنه بودلير، “اعترافات ملتهم أفيون إنجليزي”. ومن هنا كانت المفاجأة كبيرة بالنسبة إلى الفرنسيين حين أصدرت منشورات غاليمار قبل نحو 10 أعوام في سلسلتها الشهيرة “لا بلياد”، كتاباً ضخماً على طريقة السلسلة يقع في أكثر من 1880 صفحة تحت عنوان جامع هو “أعمال”. وإذ نقول هنا “على طريقة السلسلة” نذكر بأن هذه الأخيرة اعتادت أن تصدر عدداً كبيراً من الكتب الأساسية لكاتب بمفرده في مجلد واحد. وكانت المفاجأة بالطبع أن هذه المجموعة تضم “اعترافات”، لكنها تضم أيضاً ما لا يقل عن 10 كتب أخرى للكاتب نفسه، ناهيك بمقدمة وافية تتحدث عن ترجمة بودلير ثم الفريد دي موسيه، لكوينسي منذ وقت مبكر، ثم إعجاب كتاب كبار في فرنسا وغيرها، من أبولينير إلى بورخيس به، وصولاً إلى الذين اعتبروه، وربما للتقليل من شأنه، مجرد نسخة إنجليزية عن دي نرفال الفرنسي. لكن هذه الجزئية الأخيرة كانت أول ما اختفى على ضوء الاكتشاف المتجدد لذلك الكاتب الإنجليزي، الذي أقل ما فعلت سلسلة “لا بلياد” أنها كرسته واحداً من كبار كتاب الأزمنة الغابرة، وهو الذي عاش بين 1785 و1859 وولد في مانشستر ليموت في أدنبورغ. اهتمامات لا تنتهي صحيح أن مجموعة “لا بلياد” اهتمت أكثر ما اهتمت بكتاب دي كوينسي الأكثر شهرة “اعترافات ملتهم أفيون إنجليزي”، كما اهتمت بوجه خاص أيضاً بكتابه الذي لا يقل شهرة عن ذاك، في بلاد الإنجليز في الأقل، “القتل باعتباره واحداً من الفنون الجميلة”. لكن إلى جانب هذين الكتابين الذين لم يثيرا أية دهشة، ثمة كتب كانت عناوينها وحدها كافية لإحداث صدمة إيجابية، ومنها بخاصة “آخر أيام إيمانويل كانط”، الذي وبصورة مباغتة كشف عن اهتمام فلسفي للكاتب يضع فكره في سياق الفلسفة النقدية، الكانطية مباشرة، ثم “سوسبيريا بروفونديس”، الذي بعد ذلك السمو الفكري يعيدنا لعالم الألغاز البوليسية والجريمة، كما يفعل “ليفانا أو سيدات حزننا”، وعلى غراره “عربة بريد إنجليزية” منتقلاً بعد ذلك إلى العوالم التركية في “غوزيل ساناتلارينا” وغير ذلك من كتب كانت ذات شهرة كبيرة خلال الزمن الذي عاش فيه دي كوينسي ونشط أدبياً في عدد من الاتجاهات وصنوف الفكر والأدب في تراوح بين أعمق الدراسات الفلسفية وأبسط الحكايات البوليسية المعقدة، وصولاً إلى الإصدارات الموسوعية التي من المؤكد أن إنجازها يحتاج إلى صفاء فكري يتناقض تماماً مع ما يحدثنا به هذا الكاتب في اعترافاته كمدمن أفيون! ومع ذلك لابد من إبداء مزيد من آيات التعجب إزاء كاتب قدم عن نفسه صورة ضبابية من هذا النوع، ثم كان لديه من الوقت والمزاج ما يكفي لكي يكتب سيراً لمعاصرين له من الشعراء والروائيين من مواطنيه، ولا سيما كولردج وودزورث الذين لن نكون مغالين إن نحن قلنا إن البورتريهات القلمية التي صاغها لهم ظلت معتمدة في التعرف عليهم عقوداً طويلة بعد رحيلهم. ترجمة فرنسية من “ملتهم الأفيون إنجليزي” (أمازون) أهل الرواية الغوطية ومع ذلك لم يكن هذا كل شيء، إذ في أوقات فراغه عرف دي كوينسي كيف يكتب عن كتاب من الدرجة الثانية وربما الثالثة أيضاً لمجرد أنهم كانوا رفاقاً له في جمعية كتاب الروايات الغوطية (روايات الرعب والألغاز الغامضة). علماً بأنه هو أيضاً خاض النوع نفسه وتحديداً على طريقة آن ريدكليف المعتبرة مبتكرة النوع، ليس في الأدب الإنجليزي وحده بالطبع. أما بالنسبة إليه فلا مفر من أن نذكر أنه كان يأتي بمواضيع رواياته الغوطية من أخبار جرائم حقيقية يكتبها بنفسه في الصحافة الشعبية اللندنية، ويبدو أنه كان يعتاش أساساً من ذلك العمل الصحافي البسيط. فهل علينا أن نضيف أنه كان في الوقت نفسه ذا اهتمام كبير بالاقتصاد السياسي الذي كان فيه من أنصار العالم البريطاني ريكاردو الذي سيعتبر لاحقاً من ملهمي كارل ماركس، في هذا المجال الذي خاضه أيضاً؟ ويبدو لنا على أية حال أننا لو تابعنا في هذا سنحتاج إلى حيز أوسع مما هو متاح لنا بكثير، ومع ذلك ثمة أمر لا بد من الإشارة إليه استناداً إلى الكتاب الفرنسي الجامع الذي بدأنا حديثنا عنه هنا. وهو أن توماس دي كوينسي كان وفي كل ما يكتب، يلجأ إلى الارتجال، أي أنه لم يعرف عنه أبداً أنه كان من الباحثين الجديين الذين يعودون للمراجع العلمية حين يشتغلون على كتاباتهم، مهما كان من شأن تلك الكتابات ومن شأن طابعها العلمي. إرهاص ببروست والأدب البوليسي باختصار وفي المجال الأدبي يمكننا أن ننقل عن مقدمة “الأعمال” أن دي كوينسي قد حان له أن يستعيد أخيراً مكانته التاريخية في عالم الرواية بالنظر إلى أن كتاباته في هذا المجال، كانت إرهاصاً بمجيء مارسيل بروست من ناحية، وبظهور الرواية البوليسية الحديثة من ناحية ثانية. ولكن المقدمة تذهب على أية حال إلى أبعد من ذلك حين تضيف إلى سمات دي كوينسي كونه قد استبق سيغموند فرويد، رائد وربما “مؤسس” التحليل النفسي وفي مجال واحد في الأقل: في مجال النظر إلى الروح (وتعني هنا الوعي طبعاً)، بكونها المهد الذي تشتغل انطلاقاً منه أحداث الماضي في حياة كل فرد منا لتهيمن على تلك الحياة إلى أبد الآبدين، بحيث يبدو وكأن تلك الأحداث هي التي تصنع كل ما يلي سنوات الطفولة لدى الواحد منا، فتعبث بنا وتقلقنا وتشتغل على آتيات أيامنا من دون هوادة. والحقيقة أن الواحد منا وبعد هذا الاستعراض المختصر لعناوين إنجازات هذا الكاتب الإنجليزي الغريب الأطوار، الذي قد يكون من الطريف هنا أن نتذكر من بين رواياته التاريخية رواية له لم تشتهر كثيراً، هي “فتاة صور” – على اسم مدينة الجنوب اللبناني المعروفة ـ لم يعد من حقنا أن نكتفي دائماً عندما يذكر أمامنا أن نهز رأسنا باستخفاف قائلين: نعم نعم… هو صاحب تلك الاعترافات الأفيونية التي تفوح منها دائماً رائحة الإدمان! المزيد عن: توماس دي كوينسيأندريه بريتونالسرياليةبودليرالفريد دي موسيهوودزورثسيغموند فرويدمارسيل بروست 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post مملكة إسواتيني… ألوان الملوك التي تتحدث قبل الكلمات next post فرناندو بيسوا يتأمل العالم شعريا بعين راعي أغنام You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026