Saturday, March 7, 2026
Saturday, March 7, 2026
Home » ” عمائم العبودية” لجهاد الزين: تأملات في صناعة الجحيم

” عمائم العبودية” لجهاد الزين: تأملات في صناعة الجحيم

by admin

 

صدر عن دار نلسن كتاب ” عمائم العبودية تأملات في انحطاط الأصوليّتين السنية والشيعية” للكاتب والصحافي جهاد الزين، هنا مقدمة الكتاب.

المدن  الالكترونية / بيروت

هذه اللوحة التي اخترتها لتكون على غلاف كتابي الجديد، يعود تاريخ رسمها المرجَّح بين عامي 1510 و1520 والمكتشفة في أحد أديرة الرهبان في البرتغال والمجهولة الرسّام عرضها متحف اللوفر بين 10 تموز و20 تشرين الأولً 2022.

أتيحت لي فرصة مشاهدة المعرض خلال وجودي في باريس في تلك الفترة.

نحن هنا أمام تصوير للجحيم الإلهي شديد القسوة حتى أنه يختلف عن الصورة التقليدية لفكرة جهنم التي كل ما فيها نيران ملتهبة. اللوحة، كما قلت، قاسية ولكن فيها نوعا خاصا من القسوة كما نلحظ من القدْر (الوعاء الكبير) في صدر اللوحة الذي تُشوى فيه خمسة كائنات بشرية على نار ملتهبة نساءً ورجالاً بينما نرى في الزاوية اليسرى ثلاث نساء أو امرأتين ورجل معلّقين من أرجلهم بطريقة عقابية. لكلٍّ عقابُه حسب ذنبه أو ذنوبه ولذلك نشاهد في اختلاف هذه الأوضاع العقابية نساء ورجالا- الجميع عراة- متمددين بين حراس الجحيم فيما يلاحظ مقدمو المعرض وجود وجوه غير أوروبية وأدوات إفريقية وقرون هندية وقد كان لم يمض زمن طويل على اكتشاف القارة الأميركية فيما إفريقيا الجنوبية والغربية ليست بعيدة عن البرتغال إذا صح التاريخ المنسوب لرسم هذه اللوحة وهو للتكرار، بين1510 و1520.

دعنا من تفاصيل اللوحة الرائعة، وهذا مديح بالرسّام وليس بالجحيم، كم بدت لي محرِّضة على التفكير بالجحيم المعاصر الذي نعيش، كالتغيّر المناخي والفقر والحروب، وفي العالم المسلم ولاسيما منطقتنا من حيث التخلف وانهيار الدول والمجتمعات والحروب الأهلية. لو توفّر لفنان معاصر أن يرسم جحيمنا بحرّاسِه الغلاظ والكريهين هل يرسم المسألة الأعمق وهي من هم المذنبون والشياطين وإلى أي حد علينا أن نتحمّل مسؤولية ديمومة هؤلاء الحراس والأهم مقدرتهم على المعاقبة وتسوير نظام المعاقبة هذا.

هل نحن إذن مع هذه اللوحة التي يبدو أنها رُسِمت في أوائل عصر النهضة الأوروبي امام انقلاب معاصر لفكرة الجريمة والعقاب بل الخطيئة والعقاب. شعوب تدفع ثمن إما عجزها عن تغيير شياطينها وإما مشاركتها في العقوبة الذاتية التي تحمل وتتحمّلها هذه الشعوب منذ عقود. لا أستطيع أن أقول أن اللوحة المشتهاة لزمننا هي مزيج من صلب البريء وتعذيب المذنب. بالمعنى السياسي الحديث لا يمكن أن يكون الشعب مذنباً لكي يوضع في أوعية تسخين يومي للأعصاب والوجوه والأقفية عاريا من أي حصانة اقتصادية واجتماعية وحتى وطنية في ظل وجود بعض حراس النظام حملة أيديولوجيات متعصبة، وطنية أو وأصولية لا يُشقّ لها لسان.

هي لوحة دقيقة تنم رسومات الأجساد فيها عن معرفة بيولوجية تميّز بها رساّمو عصر النهضة الأوروبي، ومقدمو المعرض يعتبرون الفن البرتغالي متأثرا بالرسم الإيطالي والرسم الهولندي. هي لوحة دقيقة بمعنى أنها تدفع، عدا الإعجاب الفني الكلاسيكي، إلى التفكير بالجحيم الإنساني في معناه الأكثر رعباً وتنوعاً.

***

نقل التيار الأصولي الجحيم الإلهي المفترض إلى جحيم إنساني كالذي نراه في اللوحة البرتغالية. إنها الفرضية حين تصبح واقعاً. ليس الله الذي يعاقب بل مجموعة حراس نصّبوا أنفسهم جلّادين.. فالدين لدى الأصوليين ليس وعداً بل محض عقوبة أرضية. وجهة القتل الموعودة هي الافتراض السمائي لكن الأرض هي الجحيم الوحيد. يجب أن يدخل البشر في المرجل الواضح، في العراء المذْنِب الذي ينقلهم إلى الوجهة الوحيدة التي يحضِّرها القَتَلة الأصوليون المطهِّرون. لا مطهر في الجحيم الديني الأصولي بل وعاء التعذيب الدائم. المثير في اللوحة البرتغالية أنني لم أجد موتا بل صراخا أسمعه تطلقه اللوحة “الانقلابية” في منظومة الفكر الغيبي.

كل فكر أصولي هو فكر عقابي، فالدين يتحوّل مع الأصولية، مسلّحةً كانت أم لا، إلى عملية عقابية مطلقة وحدهم التكفيريون يملكون ادعاء وجود مفاتيح ليس فقط الإفلات منها بل أيضا وأساسا مكافأة من يشبههم بنقيضها. نساء عاريات في الجحيم. لا حرية للعراء سوى في الجحيم. هذا الربط بين العراء والتعذيب يحصر الجسد في أُتون الخطيئة الدائمة. بهذا المعنى الأصولي يحتكر متعة الجسد البشري ويضع قواعدها.

***

المحاولة التي أقوم أو أحاول أن أقوم بها في هذا الكتاب هي رصد التناقض الجوهري بين الأصولية والحرية، ناهيك عن رصد المحتوى الثقافي الهزيل لكل تجليات الدعوة الأصولية في السياسة، وسهولة الانتقال من البعد الديني للعقاب إلى البعد البشري للتنكيل بالآخر. لكنها كتابة سياسية في النهاية لا تحمل أي ادعاء فني تنطلق من المُعاش الواقعي الذي خبره جيلنا على مدى عقود.

كتبتُ هذه المساهمات في أوقات مختلفة بين 2020 و2024 ما عدا محاضرة ألقيتها بدعوة من وزيرة الثقافة البحرينية الشيخة مي آل خليفة عام 2019 وكان في ذهني دائماً سواء في القسم الأول أو القسم الثاني أن أرصد الخطاب الأصولي كخطاب تنكيلي محاولاً ليس فقط تفكيكه بل رصد تفاؤليته وشراسته وفراغاته الفكرية والسياسية تاركا التباسه مع الدين، أو المدارس الأخرى للدين تحت وطأة السؤال الجوهري كقوة تحريضية. بينما في القسم الثاني شغلتني مظاهر التفوق الإسرائيلي، والجانب العسكري أحدها، في مجالات الثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا العالية راصدا بقدر ما أستطيع تلك المفارقة بين التقدم السياسي والسلوك العنصري.

في مجال رصد الأصولية نحن أمام صراع على تأويل النص والسلوكيات الناتجة عنه. هل كان تاريخنا سيتغيّر لو سادت مدرسة القبول بفكرة تأويل النص كما كتب برنار لويس؟ مع العلم أن السلفية هي في النهاية التأويل الأكثر ليس حرفيةً للنص بل الأكثر والأقسى عقابيةً. إنها تفريغ بل إغلاق كامل احتكر التفسير فألغى النص وتأويله معا وخلق دينا مختلفا كما جفّف ينابيع الاختلاف. بغياب حق التأويل صار التأويل مشروع حرب أهلية لا مشروع تعددية فكرية تمثل تاريخيا منذ عصر النهضة الأوروبية الأساس الثقافي لأي تقدم غربي. وهذا ما أعالجه في الفصل الثالث من القسم الثالث بما يمثِّل النقطة التي أعتبرها الأهم في ما آلت إليه منظومة تفكيري (إذا صحّت تسميتها “منظومة” من دون ادعاء). إنه ما أسمّيه في محاضرة البحرين “الإسلام الغربي” المنوطة من وجهة نظري قيادته للمسار الإصلاحي للإسلام بعدما تحطّمت الإصلاحية التي أنتجتها الليبرالية الإسلامية الشرقية وانتهت أسيرة في يد التيارات الأصولية.

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00