الجمعة, مارس 6, 2026
الجمعة, مارس 6, 2026
Home » عدنان الأمين/ جدل الإِصلاحُ التربويُّ والإصلاحُ السياسِيُّ في لبنان: الحوكمة الانتقاليّة

عدنان الأمين/ جدل الإِصلاحُ التربويُّ والإصلاحُ السياسِيُّ في لبنان: الحوكمة الانتقاليّة

by admin

نصّ المحاضرة التي ألقاها الدكتور عدنان الأمين في النّدوة التي نظّمها “النادي الثقافي العربيّ في مقرّه في منطقة الحمراء بعنوان ” جدل الإصلاح التّربويّ والإصلاح السياسيّ”، بتاريخ30/1/2026

صفحة النادي الثقافي العربي/ بيروت

 أوَّلاً: أبرزُ الإصلاحاتِ التربويَّةِ في لبنان
ما هي أبرزُ الإصلاحاتِ التربويَّةِ الَّتي شهِدَها لبنانُ في السنواتِ الخمسِ والسبعين الأخيرة، وما علاقةُ هذهِ الإصلاحاتِ بالسياسة؟
إنَّ أوَّلَ إصلاحٍ سياسِيٍّ في لبنانَ حصل مع الرَّئيسِ فؤاد شِهاب وفي عهدِهِ. وقد كان لهذا الإصلاحِ مفاعيلُ قويَّةٌ في كلِّ القِطاعاتِ ومنها القطاعُ التربويُّ.

لكِنْ، ما يهمُّني النظرُ فيهِ اليومَ هو التغيُّراتُ التي حصلَتْ مع وصول الرّئيس سليمان فرنجيَّة إلى الحكم في العام 1970، ثمَّ ما حصل بعد اتِّفاقِ الطائفِ منذُ وصولِ الرَّئيسِ الياس الهراوي إلى الحكم. والسؤالُ هو كيف كانت العلاقةُ بين التغييرِ السياسيِّ والتغييرِ التربويّ.
سأذكر عشرةَ تغييراتٍ تربويَّةٍ حصلتْ في الفترةِ الممتدَّةِ منذُ وصولِ فرنجيَّة إلى الحكم حتّى وصول الرَّئيسِ جوزيف عون. وهي مجموعة من المراسيم والقوانين:
1. المناهِجُ التعليميَّة (1968 و1971)
2. إنشاءُ المركزِ التربويِّ للبحوثِ والإنماء (1971)
3. قانونُ التفرُّغِ في الجامعةِ اللُّبنانيَّة (1970)
4. المناهِجُ التعليميَّة (1997)
5. تعيينُ المعلِّمينَ على أساسِ حِيازَةِ الإجازة (2001-2002)
6. تعديلُ أصولِ التعاقُدِ بالسّاعةِ في الجامعةِ اللُّبنانيَّة (2002)
7. إنشاءُ معاهدِ الدكتوراه في الجامعة اللُّبنانيَّة (2007)
8. تعديلُ قانونِ الجامعةِ اللُّبنانيَّة (2009)
9. اِعتِمادُ نظامِ التدريسِ الفصلِيّ (LMD) في الجامعةِ اللُّبنانيَّة (2009)
10. إصدارُ قانونِ التعليمِ العالي (2014)

الملاحظة الأولى: لم تُطلَق على هذه التغييراتِ، ولا لِمرَّةٍ في الأدبيّاتِ الرسمِيَّةِ أو في الأدبيّاتِ العامَّةِ، كلمةُ إصلاح.
الملاحظة الثانية: إنَّ بعضَ هذه التغييراتِ كان ذا طبيعةٍ “رَجعِيَّة” إذا صحَّ التعبير. وهذا يصحُّ على قوانين تعيينِ المعلِّمينَ في العامَيْن 2001-2002، وعلى مرسوم تعديل أصول التعاقد بالسّاعة في العام 2002، وعلى التعديلات التي أُجرِيَت على قانون الجامعة اللُّبنانيَّة في العام 2009، وأهمُّ هذهِ التعديلاتِ جعل الفروعَ أساساً لهيكلِ الجامعةِ ولِلنفوذِ فيها، ولِشرعنةِ التعاقد بالساعةِ، والتفرُّغ في الجامعة بمراسيمَ تصدر عن مجلس الوزراء.
الملاحظةُ الثالثة: ليستْ هناك علاقةٌ واضحةٌ بين الإصلاح السياسيِّ والإصلاحِ التربويِّ.
فإنشاءُ المركزِ التربويِّ للبحوثِ والإنماءِ قد تمَّ في عهد الرئيس سليمان فرنجيَّة (الذي وضع رسّام الكاريكاتور بيار صادق وقتها رسماً له بعنوان: “الهوى الشمالي غيِّر اللُّونا”. سار فرنجيَّة بنصيحة الوزير الذي وصفه احدهم بالوزير “العام” نجيب أبو حيدر بتكليف وديع حدّاد، الأستاذ في الجامعة الأميركيَّة في بيروت، مستشارًا في التربية، وتبنّى اقتراح هذا الأخير بإنشاء المركز التربويّ وعيَّنه رئيسًا له، على الرَّغم من اعتراضِ الدَّوائر الفرنكوفونيَّة.
ومن جهةٍ ثانيةٍ حارب فرنجيَّة الإرثَ الشهابيَّ في الإدارةِ العامَّةِ وفي طليعتِها مؤسَّساتٌ إصلاحية مثلُ مجلسِ الخدمةِ المدنيَّةِ والتفتيشِ المركزيّ جنباً إلى جنبٍ مع محاربتِهِ للمكتبِ الثاني، المؤسسة الرقابية والأمنية في العهد الشهابي.

{لم يكن فرنجيَّة إصلاحيّاً، وهناك من يدَّعي أنَّ أجندتَهُ السياسيّةَ أسهمَتْ في التدهورِ الَّذي أوصل إلى الحربِ الأهليَّة}

من جهةٍ ثالثةٍ شكَّلَ فرنجيّة حكومةَ الشباب التي وضعتْ إصلاحاتٍ مهمَّةً على الطاولة، لكنَّه تخلّى عنها وعن مشاريعها. وكلف وزيراً للتربية صاحبَ أفكارِ إصلاحيَّة (هنري إدّه) ثم أقال هذا الوزير غير المطيعِ بعد شهرين من تشكيل الحكومة، وهو أوَّلُ وزيرٍ يصدر مرسومٌ بإقالتِهِ في تاريخ لبنان. وكان يريد أنْ يُقيلَ رئيس الجامعة اللُّبنانيَّة آنذاك إدمون نعيم ولكنَّه لم يفلَحْ. لم يكن فرنجيَّة إصلاحيّاً، بل أعاد عقاربَ الساعةِ إلى الوراء، وهناك من يدَّعي أنَّ أجندتَهُ السياسيّةَ أسهمَتْ في التدهورِ الَّذي أوصل إلى الحربِ الأهليَّة. لكن المركز التربوي أُنشِئ في عهدِهِ. ويبدو أن هذا الانشاء جاءَ حاصلَ مزيجٍ من التحوُّلِ نحو الولاياتِ المتحدة الأميركيَّةِ ومِن الدور الفرديّ لكلٍّ من الوزير أبو حيدر والمستشار وديع حداد، الذي أنشأ شيئاً من عدَم.
وفي حينٍ أنَّ تعديلَ المناهجِ في نهايةِ الستينِيّاتِ وبدايةِ السبعينِيّاتِ لم يرتبطْ بأيِّ تغييرٍ سياسيٍّ، فإنَّ تعديلَ المناهجِ في نهايةِ التسعينِيّاتِ كان نتيجةً لاتِّفاق الطائف، والتوافقِ السعوديّ الأميركيّ السوريّ، وقد جسَّد هذا التوافقُ وجودَ رفيق الحريري على رأس الحكومة.
لكنْ، لو أخذنا ما ورد في وثيقة الطائفِ حول للتربية والتعليم، لكشفنا أنَّها في معظمها أقرب للَّغو.
1. توفير العلم للجميع وجعله إلزاميّاً في المرحلة الابتدائيَّة على الأقلِّ: أُقِرَّ قانونٌ للتعليمِ الإلزاميّ في العام 1988، ولم يدخلْ حيِّزَ التنفيذ. ثمَّ صدر قانونٌ ثانٍ في العام 2022 رفع سنَّ الإلزامِ إلى نهاية التعليمِ الأساسيّ، أو إلى سنِّ السادسة عشرة. وفي هذه الحال أيضاً ظلَّ النصُّ نصّاً. ربّما كان المقصودُ من صدورِهما في كلِّ مرَّةٍ إرضاءَ المنظَّماتِ الدوليَّة، وكتابةَ ذلك في التقاريرِ المرفوعةِ إليها.
2. التأكيدُ على حريَّةِ التعليمِ وفقاً للقانونِ والأنظمةِ العامَّةِ: هذه استعادةٌ مكرَّرةٌ لِما ورد في المادَّةِ العاشرةِ من الدستور منذ العام 1926. واللافتُ أنَّها تتعلَّقُ بحريَّة (أو بِحقِّ) الجماعاتِ (والأفراد) في إقامةِ المدارسِ، في حينٍ أنَّها لا تلتفتُ إلى حقِّ الأفراد في الحصول على التعليم. كما لا ينصُّ الِاتفاقُ على واجباتِ الدولةِ تُجاهَ المواطنينَ في ميدان التعليم كما يفعل الكثيرُ من الدساتيرِ في البلدانِ العربيَّةِ وفي الكثيرِ مِن بلدانِ العالم.
3. حمايةُ التعليمِ الخاصِّ وتعزيزُ رقابة الدولة على المدارس الخاصَّةِ وعلى الكتابِ المدرسيِّ.
لا ندري ما معنى كلمة “تعزيز” في الحالتين، أيْ ما هي ترجمتُها القانونيَّةُ والعمليَّة، مقارنةً بالوضع السابقِ على اتِّفاقِ الطائف.
4. إصـلاحُ التعليمِ الرسـمِيِّ والمِهنـِيّ والتقنِـيّ وتعزيزُهُ وتطويرُهُ بمـا يُلبّي ويُلائِـمُ حاجـاتِ الـبلادِ الإنمائيَّة والإعماريَّة. وإصلاحُ أوضاعِ الجامعةِ اللُّبنانيَّةِ وتقديمُ الدعمِ لها وبخاصَّةٍ في كليّاتِها التطبيقيَّة. لدينا هنا تصريح بالإصلاح يتعلَّق بالتعليم ما قبل الجامعيّ وبالجامعة اللُّبنانيَّة.
لا نعرف ما الذي قصده نوّابُ الأمَّةِ عندما وضعوا عبارةَ “إصلاح التعليم الرسميّ”، خصوصًا أنَّ المناهجَ قد وُضِعَ لها بندٌ خاصٌّ في الوثيقةِ سنعود إليها لاحقاً. لكن من بابِ حُسْنِ النِّيَّةِ في القراءة نعود إلى “خطَّةِ النهوضِ التربويِّ الَّتي أقرَّها مجلسُ الوزراءِ بتاريخ 17-8-1994. فهذه الخطَّةُ لم تُشِرْ مِن قريبٍ أو بعيدٍ، ولا أشار محضرُ جلسةِ مجلس الوزراء، ولا المقدِّمةُ التي كتبها وزيرُ “التربية الوطنيَّة والشباب والرِّياضة” في ذلك الوقت، إلى اتِّفاق الطائف وإلى أنَّ الخطَّةَ هي فعلٌ تطبيقِيٌّ للبندِ الرابعِ من الإصلاحاتِ التربويَّةِ المنشودة. والخطَّةُ تتناولُ تسعةَ مجالاتٍ لا يسعُ المرءُ إذا قرأ عناوينَها إلّا أنْ يشعرَ بأنَّها لائحةٌ مكتبيَّة. أو أنَّها عناوينُ لمشاريعَ يُمكِن أنْ تُموَّل وتُنفَّذ. وكفاها الله .
الجزءُ المتعلِّقُ بإصلاحِ الجامعةِ في وثيقةِ الطائف هو الأكثرُ إثارةً. وقتَها ظننتُ أنا وعددٌ مِن الزملاءِ أنَّ القدَرَ كلَّفنا القيامَ بهذه المهمَّة، مهمَّةُ وضعِ مشروعٍ إصلاحيٍّ حولَ الجامعةِ اللُّبنانيَّة، تطبيقا لاتفاق الطائف. كان ذلك في العام 1999. لكنْ، في هذا الوقت كانت ملامحُ الهيئةِ التنفيذيَّةِ قد تغيَّرت من نقابيين ومستقلّين إلى ممثِّلي الأحزاب المشاركة في الحكم منذ العام 1998. تبين أن القدَرُ كان ينظر في اتِّجاهٍ معاكِسٍ لِما فكَّرنا فيه. المهمُّ أنَّهُ بمجرَّدِ توزيعِ مسوَّدَةِ النصِّ من أجلِ المشاركةِ في مناقشتِهِ مِن قِبَل أهلِ الجامعة، حتّى شنَّ أعضاءُ الرابطةِ هجوماً شرساً علينا. المغزى أنَّ ما قيل في اتِّفاق الطائف عن الموضوع كان مجرَّدُ نصّ.
5. إعادةُ النظـرِ فـي المنـاهجِ وتطويرِها بمـا يُعزِّزُ الانتِمـاءَ والانصـهارَ الـوطنِيَّيْن، والانفتـاحَ الرّوحـيّ والثقـافيّ، وتوحيدَ الكتابِ في مادَّتَي التاريخِ والتربية الوطنيَّة. أُعيدَ النظرُ في المناهجِ كما نعلمُ، وصدر كتابُ التربيةِ الوطنيَّةِ الموحَّد، لكنْ من غيرِ الضَّروريّ السؤالُ اليومَ عمّا حلّ بالمجتمعِ اللبنانيِّ في موضوعِ الانتماءِ والانصهارِ الوطنيَّيْن، ولا عن الِانفتاح الرّوحيّ والثقافيّ في لبنان بعد الطائف، ولا عن كتابِ التاريخ الموحَّد. الطلّاب ما زالوا يدرسون في كتبِ مناهجِ السبعينيّات.
الملاحظة الرابعة: إنَّ هناك هامشاً للوزراءِ وللقادةِ التربويين في إحداثِ تغييراتٍ موضعيَّةٍ بغضِّ النظرِ عن الخطِّ السياسيِّ للحكومة. الأمثلةُ على ذلك كانت في إنشاءِ المركزِ التربويِّ للبحوثِ والإنماء، وفي إطلاق ورشةِ تعديلِ المناهج في التسعينِيّات، وفي إصدارِ قانونِ التعليمِ العالي في العام 2014.
الملاحظة الخامسة: إنَّ هناك أثراً للجهات الخارجيَّةِ في بعض التغيُّرات: مثلَ قوانينِ التعليمِ الإلزاميّ، وتبنّي نظام إل إم دي (LMD)، ونظام معهد الدكتوراه في الجامعة اللُّبنانيَّة. لكنَّ إنشاءَ معاهدَ للدكتوراه داخل الجامعة اللُّبنانيَّة كان تقليداً أعمى ومعكوس للنموذج الفرنسيّ. يقوم نظامُ معاهدِ الدكتوراه هناك على قاعدتين: 1) معاهدُ الدكتوراه متخصِّصةٌ في حقولٍ معرفيَّةٍ محدَّدةٍ وضيِّقةِ أحيانًا، و2) هي نقطة التقاءٍ بين جامعاتٍ عدَّة، مِن أجل تكوين كتلةٍ حَرِجَةٍ في هذا الاختصاص على المستوى الوطنيّ. أمّا عندنا فأنشئت المعاهد في جامعة واحدة وضم كل منها خليطا من الاختصاصات.

{أسهلُ النماذِجِ الَّتي تُظهِرُ أثرَ التّغييرِ السياسيّ في التّغييرِ التربويّ، هو نموذجُ الدّولِ الاِشتراكيَّة}

الملاحظة السادسةُ: إنَّ تحركاتِ الطلّابِ والهيئةِ التعليميَّةِ كان لها دورٌ حاسِمٌ في إحداثِ إصلاحاتٍ مهمَّةٍ في فترة ما قبلَ الحربِ (خصوصًا في الجامعةِ اللُّبنانيَّة). أمّا ما بعد الطائف فقد اختفى هذه الدور، أوَّلاً مع زوال الاتِّحاد الوطنيّ لطلاب الجامعةِ اللُّبنانيَّة، ثمَّ مع تحوُّلِ الهيئةِ التنفيذِيَّةِ إلى أداةٍ في يدِ الأحزابِ المسيطرةِ على الحكومةِ ابتداءً من العام 1998.
الملاحظة السابعة: ان إصدار القوانين والقواعد الناظمة في حقل التربية والتعليم العالي، كانت وتيرته في تراجع مستمر، فالحوكمة السياسية تفضل العملَ في الكواليس واختراعَ قاعدةٍ لكل قضية على حِدة.

ثانياً: التجاربُ العالمِيَّةُ
أسهلُ النماذِجِ الَّتي تُظهِرُ أثرَ التغييرِ السياسيّ في التغييرِ التربويّ، هو نموذجُ الدولِ الاِشتراكيَّة، ودولِ ما بعدَ الاستعمارِ في آسيا وأفريقيا عموماً وفي المنطقةِ العربيَّةِ خصوصاً. وقد شهِدَتْ هذهِ المنطقةُ أيضاً انقلاباتٍ عروبيَّةَ الطابعِ انعكسَتْ بقوَّةٍ على القطاعِ التربويّ. ولدينا أمثلةٌ غنيَّةٌ من دول المشرقِ العربيّ كما في مصر والعراق وسوريا، ومن أفريقيا كما في تونس والجزائر وغيرِها.
كان لهذا النموذجِ دورٌ تقدُّمِيٌّ حاسمٌ في مراحلَ تاريخيَّةٍ معيَّنة، في بلدانٍ كان فيها التعليمُ مفتَقَداً أصلاً، أو محصوراً بالنُّخَبِ الاجتماعيَّة. في مصر مثلاً، وبعدَ ثورةِ 23 يوليو في العام 1952، أخذت الدولةُ على عاتقِها تأمينَ التعليمِ للجميع في مراحلِ التعليمِ العامِّ والعالي، وقدَّمتْه بصورةٍ مجّانيَّة، بل كفلَت العملَ لخِرّيجي الجامعات. يُحدِثُ هذا النموذجُ في مراحلِهِ الأولى نقلةً نوعيَّةً على مستوياتٍ عدَّة: يُوفِّر الحِراكَ الاجتماعيَّ لأبناءِ الطبقاتِ الدنيا، ويُغذّي أجهزةَ الدولةِ بدمٍ جديد، ويُوسِّع سوقَ العملِ عموماً. هذا فضلاً عن أنَّه يُسهِم في تكوينِ رأسِ المالِ البشريِّ والهُويَّةِ الوطنيَّة.
لكنَّ هذا النموذجَ المركزيَّ النزعةِ يتحوَّلُ مع الوقتِ إلى آلةٍ ضخمة، لا يُمكِن إدارتُها إلّا بطريقةٍ بيروقراطيَّةٍ وتعسُّفِيَّة، فيفرضُ علاقةً امتثالِيَّة. تبدأ هذه العلاقةِ بين الوزارةِ والمؤسَّساتِ التعليميَّةِ وتنتقل إلى علاقةِ مديرِ المدرسةِ بالمعلِّمين وتصلُ إلى إدارةِ الصفِّ وعلاقةِ المعلِّمينَ بالطلبَة. وفي ظلِّ الخوفِ المتنامي لأهلِ الحكمِ مِن أيِّ تغييرٍ يتصلَّبُ النظامُ ويُصبحُ غيرَ مؤاتٍ للتغيُّراتِ المحلِّيَّةِ والعالميَّة. الخوف هو مصدر الشمولية كما تقول حنا أرنت (Hannah Arendt). ومع زيادةِ البونِ بين المواردِ والمتطلِّبات، تنحدرُ النوعيَّةُ وتتحوَّلُ العموميَّةُ في الإتاحة، إلى عموميَّةٍ في الرداءَة. بل إنَّ الإصلاحَ فيه يُصبحُ كاريكاتوريّاً، بل تخريبيّاً أحياناً، عندما تُقرِّرُ الحكومةُ إجراءَ تغييراتٍ متسرِّعةٍ في النظام مبنِيَّةٍ على تقديراتٍ سطحيَّة واعتباطية. ديناميَّةُ هذا النموذجِ تقوم على التغييرِ التعسُّفِيِّ مِن فوق.
الدولُ الأوروبيَّةُ مرَّت في مراحلَ أولى من تاريخِها الحديثِ بهذا النوعِ من الإصلاح. لكنَّ التحوُّلَ إلى نظامٍ سياسيٍّ ديمقراطيّ، وتوافرَ المواردِ الاقتصاديَّةِ التي راكمتْها خلال الفترةِ الاستعماريَّةِ مكَّناها من إحداث إصلاحاتٍ تدريجيَّةٍ وموزَّعةٍ في موضوعاتِها وفي مصدر إطلاقِها.
في النموذجِ الأوروبيِّ كما في النموذجِ الانكلوسكسوني لا يوجد إصلاحٌ شامل، بل إصلاحاتٌ جزئيَّةٌ وموضِعِيَّة ومتضافرة. وهناك فروقٌ بين الدول، في مدى سلاسة حدوثِ الإصلاحاتِ وتكاملِها واندماجِها. ويقدم النموذجِ الفرنسيِّ مثالاً على قلَّة السلاسةِ وتراكبِ الأنظمةِ الجديدةِ والقديمة، بسبب مركزيَّةِ النظام التربويّ. وفي كلِّ مرَّةٍ تزور فيها فرنسا يجب أنْ تبذُلَ جهداً لكي تكتشِفَ أنَّ النظامَ الذي تعرفُهُ اختفى مع اسمِهِ وحلَّ محلَّه تباعاً شيءٌ آخر، بخلافِ الإصلاحاتِ في النظام الانكلوسكسوني والنظُّمِ اللامركزيَّة عموماً.
وتُظهِر الدراساتُ المقارنةُ التي أُجرِيَت حول العلاقةِ بين الإصلاح السياسي والإصلاح التربويّ ما يلي:
1. إنَّ السياسةَ ليست خلفيَّةً محايدةً للإصلاحِ التربويّ، بل هي جزءٌ من عمليَّةِ صنعِ القرارِ وتنفيذِ السياسات.
2. هناك فرقٌ بين السياسةِ بمعنى Politics والسياسةِ بمعنى Policy ، الأولى حزبية الطابع والثانية تتعلق بأجندة الشأن العام. لذلك فإنَّ طرحَ أجندةٍ تغييريَّةٍ أو إصلاحيَّةٍ قد يكون مصدرُها القِوى السياسيَّة، لكنْ قد يكونُ مصدرُها قوىً اجتماعيَّةً تفرضُ نفسَها على أهلِ السياسة. لذلك فإنَّ مَن يُطالِبُ بالإصلاحِ عليهِ أنْ يُبلوِرَ أجندةً في هذا الصددِ ويسعى إلى تكوينِ قِوى ضغطٍ لتبنّيها على مستوى الحكومة.
3. إن الإصلاحَ التربويَّ لا يحدث في فراغ؛ بل يتداخلُ مع ديناميّاتِ الحكم، والهياكلِ الحزبيَّة، وأدوارِ الجهاتِ الفاعلةِ غيرِ الحكوميَّة وملامح القيادات في المواقع التربوية كافة.
ثالثاً: الإصلاحُ التربويُّ والإرثُ السياسيُّ في لبنان
نحنُ اليومَ في لبنانَ أمامَ الواقعةِ التالية: ثمَّةَ حكومةٌ جديدةٌ تكوَّنت بصورةٍ مفاجئةٍ وتختلف عن الحكوماتِ التي تمَّ تشكيلُها منذ اتِّفاق الطائف. تلك الحكوماتُ كانت خليطاً متقلِّباً في توازنِهِ بين النظام السوريِّ ورئيسِ الحكومة. وكان الوزراءُ يتَّبعون بالتالي قوى سياسيَّةً نافذة. وقد حلَّ حزبُ اللهِ محلَّ النظامِ السوريِّ في فرضِ المعادلات، حتّى تشكيلِ الحكومةِ الحاليَّة.

{أصبحت الدولةُ كتشكيلٍ قانونيٍّ سلطةً شكليَّة أمّا النفوذُ فهو في غيرِ مكان، وله مرجعيّاتُهُ}

والمهمُّ في هذا الموضوعِ هو أنَّ القِوى المشاركةَ في الحكومةِ لم تكنْ سابقاً سوى تعبيرٍ بيانيٍّ عن واقعةٍ أعمقَ بكثير. سأُسمّيها المجتمعَ السياسيَّ العميق. وهذا يشملُ النقاباتِ والبلديّاتِ والمؤسَّساتِ التربويَّةَ الرسميَّةَ والخاصَّةَ والشركاتِ والمصارفَ وكلَّ ما يخطر في البال من وحداتٍ تُشكِّلُ عصبَ المجتمع. بما في ذلك إداراتُ الدولةِ طبعاً، من رؤوسِها ومجالسِها إلى أدنى قواعدِها. وأصبحت الدولةُ كتشكيلٍ قانونيٍّ سلطةً شكليَّة. أمّا النفوذُ فهو في غيرِ مكان، وله مرجعيّاتُهُ. ولو أخذنا وزارةَ التربية كمثالٍ نستطيعُ أنْ نُعيدَ وجودَ هذا وذاك مِن القياديّين والإداريّين إلى عهد أحدِ وزراء التربية والتعليم العالي وهؤلاء يندرجون في ثلاثِ موجاتٍ: الموجةُ العونيَّة، والموجةُ الحريريَّةُ، والموجةُ الجنبلاطيَّة.
هذا هو الإرثُ الذي تُواجِهُهُ الحكومةُ الحاليَّة: إنَّها تتمتَّعُ بالسلطةِ أكثرَ ممّا تتمتَّعُ بالنفوذِ لكي تُطبِّقَ الأجندةَ التي أعلنتها. وهناك فرقٌ بين السلطةِ (بالمعنى الشكليِّ القانونيّ) (authority) والنفوذ (power). هذا النفوذُ ما زال موجوداً في الدولة، تمارسه القوى السابقة نفسها وتُجسِّده الكتلُ المكوِّنَةُ لمجلسِ النوّابِ ورئيسِهِ.
في وزارةِ التربية تحديداً الإرثُ المذكورُ ربّما يكونُ أثقلَ ممّا في أيِّ وزارةٍ أخرى.
وزارةُ التربية والتعليمِ العالي تُشبِهُ وزارةَ الدفاعِ من حيث حجمِ الجهاز فقط. لكنَّ حَوكمةَ الجهازِ العسكريِّ حافظت على سِياجٍ نسبي وضعَهُ الجيشُ اللبنانيُّ تُجاهَ الحكومةِ ووزراءِ الدِّفاع، خلال الخمسين سنة الماضية، بخلافِ القطاعِ التربويِّ الذي تحكَّمَ باللِّعْبِ فيه معظم الوزراءُ الذين تعاقبوا على سدَّة الوزارة.
هذه نقطة. النقطةُ الثانيةُ والأهمُّ تتعلَّقُ بالحقلِ الَّذي تعملُ فيه الوزارة. هذا الحقلُ يتكوَّنُ من صنفيْن من الفاعلين.
هناك أوَّلاً المؤسَّساتُ المستقِلَّةُ قانوناً أو فعليّاً عن الوزير والوزارة. في القطاعِ الخاصِّ هناك جامعاتٌ ومدارسُ فرديَّةٌ أو كتلٌ يضمُّ كلٌّ منها عدداً كبيراً من الجامعاتِ والمدارس. وفي القطاعِ العامِّ تتمتَّعُ الجامعةُ اللُّبنانيَّةُ بالاستقلاليَّة، ودورُ الوزيرِ هو الوصايةُ أيْ صلةُ وصلٍ بين الجامعةِ ومجلس الوزراء.
وهناك ثانياً المنظَّماتُ الشريكةُ في الحياةِ التربويَّة، مِن روابطَ معلِّمين وأساتذةٍ جامعيّين ولجانِ أهلٍ وبلديّاتٍ لها كلمة. وهذه المنظَّماتُ فاعلةٌ في القطاعين العامِّ والخاصِّ على السواء.
من الناحيةِ الشكليَّةِ يُجسِّدُ الدستورُ والقوانينُ استقلاليَّةَ المؤسَّساتِ المذكورةِ وحريَّةَ المنظَّماتِ المنخرطةِ في الحياةِ التربويَّة. لكنْ من ناحيةِ النفوذِ يخضع معظمُ هذه المؤسَّساتِ والمنظَّماتِ لأجنداتٍ سياسيَّة. وأيُّ أفكارٍ إصلاحيَّةٍ أيْ ذاتُ مغزىً يتعلَّقُ بالشأنِ العامِّ ومصلحةِ الطلبة، التي هي المصلحة العليا في أيِّ إصلاح، تتكفل القوى النافذةَ بتعطيلها، خطابيّاً أو فعليّاً.
يُضافُ إلى الإرثِ السياسيِّ الإرثُ الاقتصادِيّ، المُتمثّلُ في الانهيار الماليّ، وما تركه على الميزانية العامة للدولة وعلى مداخيلِ اللُّبنانيّين، وفي طليعتهم هنا العاملون في القطاع التربويّ. كيف يعمل هؤلاء ويقومون بواجباتهم المقرَّرة وهم يتناولون رواتبَ تُساوي عُشرَ ما كانت عليه قبل العام 2019. هذا الإرثُ يُحدِثُ اضطراباً في الأجندةِ التربويَّةِ من جهةٍ ويُغذّي مقاومةَ المعنيّين لأيِّ تدابيرَ إصلاحيَّةٍ قبلَ توفيرِ الحمايةِ الاقتصاديَّة لهم. وبما أنَّ المنظَّماتِ الناشطةَ في الحقل التربويِّ ذاتُ أجنداتٍ سياسيَّةٍ في مواجهةِ الحكومة الحاليَّة، فإنَّ القضايا المعيشية تصبح مطية لمهاجمة أي فكرة إصلاحية.
رابِعاً: الحَوكمَةُ الاِنتِقاليَّةُ
ها نحنُ الآنَ في مرحلةٍ انتقاليَّةٍ بين زمنِ نفوذِ الجماعاتِ السياسيَّةِ داخلَ الدولةِ وفي مفاصلِ النسيجِ الاجتماعيّ كافَّةً وزمن محتمَلٍ أو مأمولٍ لدولةٍ تنتقل فيه من السلطةِ الشكليَّةِ إلى النفوذ.
في هذه المرحلةِ الِانتقاليَّةِ تجدُ الحكومةُ الحاليَّةُ نفسَها في حالةِ نِزاعٍ مع الإرثِ الذي تكلَّمنا عليهِ، وهي غيرُ قادرةٍ على إجراءِ إصلاحاتٍ كما تشتهي. وعمرُها محدودٌ. وهي كما أصبح معروفاً قد أنجزت ما أنجزتْهُ خلال السنةِ المنصرمَة. وهي إنجازاتٌ متفاوتةٌ بين الوزارات.
المرحلةُ الِانتقاليَّةُ تشمل الحكومةَ المقبلةَ، التي يفترض أن تكونَ شبيهةً بصورةٍ من الصُّوَرِ بالحكومةِ الحاليَّة. أقصد أنَّ الحكومةَ الحاليَّةَ هي جزءٌ من مرحلةٍ انتقاليَّةٍ تمتدُّ على خمسِ سنواتٍ على الأقلّ. الوقتُ الضروريُّ لكي ننتقِلَ إلى الجمهوريَّةِ الثالثة. أما إذا تألَّفت الحكومة القادمة على النمطِ السابق فإنَّ فكرةَ “المرحلةِ الانتقاليَّة” تُصبِحُ لاغيةً.

{مستوى التعلُّمِ في التعليم تدهور بشكلٍ كبيرٍ خلال العقودِ الأخيرة، وهذا ما بيَّنته الِاختباراتُ الدوليَّةُ في التعليم العامّ}

فكرةُ المرحلةِ الِانتقاليَّةِ تعني الاعترافَ بما مضى والتعاملَ معه والتحضيرَ لتجاوُزِهِ بصورةٍ سلِسَة، عن طريقِ القبولِ التدريجيّ بقواعدَ جديدة. وهي تعني حَوكمَةً انتقاليَّة، تقومُ على تساكُنٍ وتفاعُلٍ بين القواعدِ السابقةِ التي فرضَها النفوذُ السياسيُّ والقواعدِ المطلوبةِ لنفوذِ الدولة، بالمعنى الحديث، حيث في الجمهوريَّةِ الثالثةِ تستقلُّ الإدارةُ العامَّةُ والمؤسَّساتُ التربويَّةُ عن العمل السياسيّ. وتعملُ بحسبِ القواعدِ والمبادئ المعروفةِ عالميّاً لكلٍّ منها.
على هذا الأساسِ أُقدِّمُ تصوُّراً مكوَّناً من رزمتيْنِ، متَتابعينَ عَبرَ الزمن، لِما يُفترَضُ أنْ يحصلَ في القطاع التربويّ في هذه المرحلة الانتقالية.
الرزمةُ الأولى تشملُ حَوكمَةً للوزارةِ وللمؤسَّساتِ التربويَّةِ موجَّهةً نحو الجَوْدةِ ونحو حكمِ القانونِ وثقافةِ القانون. وهذا أمرٌ يُمكِن التفاهمُ عليه وتأمينُ مقبوليَّتِهِ.
فمستوى التعلُّمِ في التعليم تدهور بشكلٍ كبيرٍ خلال العقودِ الأخيرة، وهذا ما بيَّنته الِاختباراتُ الدوليَّةُ في التعليم العامّ. وراءَ ذلك كانت حَوكمةٌ سياسيَّةٌ وغلبةٌ للمصلحةِ التجاريَّةِ (الحَوكمَةُ المُوجَّهةُ نحو السّوق). لنقلْ إنَّ هناك شريحةً واسعةً من المؤسَّساتِ التربويَّةِ أعطت الأولويَّةَ لمصالحَ سياسيَّةٍ وتجاريَّةٍ على حسابِ تعليمِ الطلبة. لكأنَّ هؤلاء موجودونَ من أجلِ إحدى الأجندَتَيْن أو كليهما معاً. من حقِّ الطلّابِ الحصولُ على تعليمٍ جيِّد، وهذا أمرٌ يهمُّ جميعَ الفاعِلينَ التربويّين أكانوا أفراداً، أم أهالي أم منظَّماتٍ مدنيَّةً ومهنيَّةً وسياسيَّة.
الحوكَمةُ المُوجَّهةُ نحو الجودةِ تفرِضُ إصلاحاتٍ في نُظُمِ عملِ المؤسَّساتِ التعليميَّةِ وفي نُظُمِ تعيين المعلِّمينَ والمديرينَ والجهازِ التربويِّ كلِّهِ، بصورة قوانين ومراسيم وقرارات. كما تفرضُ مواكبتَهُم وتطويرَهُم في سُبُلِ التعليمِ نفسِهِ وفي منهاجِهِ وفي طرقِ التقييم. وقد بدأت وزارةُ التربيةِ فعلاً في العمل على ذلك بالتنسيق مع المعنيّين جميعِهِم.
أمّا الحَوكمَةُ المُوجَّهةُ نحو حُكمِ القانونِ وتعميمِ ثقافةِ القانون، فتشمَلُ القانونَ بالمعنى المتداولِ فضلاً عن المعاييرِ ومبادئِ الشفافيَّةِ والمحاسبة، بما يُساعِد على وضعِ حدٍّ للتعسُّفِ والفسادِ في العمليَّةِ التربويَّة.
هذه الرِّزمةُ الأولى من الحَوكمَةِ الِانتقاليَّةِ يُفترَضُ أن تُفضِيَ إلى قلبِ المعادلةِ مِن طلّابٍ موجودين هنا من أجلِ المعلِّمين والإداريين ومَنْ ورائهم مِنَ السياسيّين، إلى أن يكونَ هؤلاءِ موجودينَ مِن أجلِ الطلّاب. ليست زيادةُ الرواتبِ تدبيراً إصلاحيّاً، إنَّها فقط من أجلِ تأمينِ حياةٍ لائِقةٍ للَّذين يُوفِّرونَ الخدمةَ التربويَّة. مقياسُ الإصلاحِ هنا هو الِالتزامُ بالقواعدِ والقوانينِ وبتطويرِ ما هو متخلِّفٌ منه، مِن جهةِ وبرفع مستوى تحصيلِ الطلبةِ من جهةٍ ثانية. وعلى السياسة التربويَّةِ أن تأخذَ بعينِ الاعتبارِ التفاوضَ المستمرَّ مع الهيئاتِ الفاعلةِ في حقلِ التعليم (Group theory) وأن تنخرطَ في هذا التحوُّلِ، ولا بأسَ بأن يتمَّ ذلك بصورةِ تدريجيَّةٍ (incremental theory).
الرِّزمةُ الثانيةُ التي يبدأ العملُ عليها في خطوة ثانيةٍ من المرحلةِ الِانتقاليَّة، أصعبُ من الأولى، ولا يُمكِن التقدُّمُ فيها قبلَ التقدُّمِ في الرِّزمة الأولى. عنوانُها الحَوكَمةُ الموجهة نحو مُناخٍ تربويِّ ركناه الِانفتاحِ الفكري والبيداغوجيّ من جهةٍ، ومن جهةٍ ثانية الاختلاطُ أو التنوُّع الاجتماعيُّ في المؤسَّساتِ التربويَّة، وبخاصَّةٍ في مراحلِ التعليمِ الثانويِّ والعالي.
لقد أدَّت الحَوكمةُ السياسيَّةُ إلى تكوينِ مُناخاتٍ فكريَّةٍ واجتماعيَّةٍ وثقافيَّةٍ مغلقَة. بل إلى تكوينِ عقولٍ مغلقة. وهذه العقولُ المغلَقةُ هي موئلُ التعصُّبِ والصراع. المناهجُ المقرَّرةُ (السطحيَّة) أسهمت في التنشئةِ الِاجتماعيَّةِ على هذا النحو، والمناهجُ الموازيَةُ (أي الشعاراتُ والطقوسُ والأنشطةُ اللاصفيَّةُ والخُطَبُ وغيرُها) أسهمت أيضاً في ذلك. وانخراطُ المديرين والمعلِّمين في ولاءاتٍ للجهاتِ التي عيَّنتهُم أسهمت في ذلك، ومشاركةُ الجهاتِ السياسيَّةِ في توفير الخدماتِ للمؤسَّساتِ أو في إدارتِها مباشرةً أسهمت أيضاً في ذلك. والباحثون الذي يعلكون كلاما سقيما أسهموا في ذلك. هو حِملٌ ثقيلٌ يتطلَّبُ وقتاً أطولَ والتزاماتٍ مهنيَّةً من نوعٍ مختلِف. كيف تكون جامعةٌ أو مدرسةٌ تابعةً لزعيمٍ سياسيّ؟ وكيف تكون مدرسةٌ رسميَّةٌ أو جامعةٌ حكوميَّةٌ تعمل تحت عباءةِ زعيمٍ أو زعماء سياسيين؟

{لا أوهامَ في أنَّ الإصلاحَ السياسيَّ شرطٌ للإصلاحِ التربويّ لكنَّ الإصلاحَ التربويَّ لا يحدثُ مِن تلقاءِ نفسِهِ}

أيُّها السّادة
لا أوهامَ في صعوبةِ الإصلاحِ التربويِّ في لبنان، لكِنَّ التشخيصَ الصحيحَ ضروريٌّ لطرحِ الأسئلةِ وتقديمِ الأجوبةِ المحتمَلَة.
ولا أوهامَ في أنَّ الإصلاحَ السياسيَّ شرطٌ للإصلاحِ التربويّ، لكنَّ الإصلاحَ التربويَّ لا يحدثُ مِن تلقاءِ نفسِهِ، إنَّه يحتاجُ إلى رؤيةٍ وإلى وقتٍ وقدراتٍ مؤسَّسيَّةٍ وإلى انخراطٍ من قِبَل الفاعلين التربويين. وبالمثل فان القيادات التربوية على رأس الوزارة أو في المناصبِ العليا أو في المؤسَّساتِ التربويَّةِ العامَّةِ والخاصَّة، يُمكِن أن تُطلِقَ تغيُّراتٍ ذاتَ دلالة. هذا ما تعلَّمناه من التجربةِ الغنيَّةِ في لبنان، في حلوها ومرِّها.
ولا أوهامَ في أنَّ الإصلاحَ التربويَّ لا يحصلُ عَبْرَ القراراتِ المبنيَّةِ على النوايا الحسنةِ، بل يستند إلى إنتاجِ المعارفِ والبياناتِ والوثائق وإتاحتِها، التوثيق وإنتاجُ المعرفةِ هما من صلبِ أي إصلاح.
ولا أوهامَ في أنَّ التغيرَ التربويَّ عادةً ما يكونُ أبطأَ من التغييرِ السياسيّ. المدرسةُ تتمتَّعُ بما يسميه دوركهايم قوَّةَ الجمود (force d’inertie).
أخيرا، لا أوهام أن الحكومةَ اليوم تواجهُ أمرا هو الأكثرَ إثارة في تعقيدِه. فهي جاءت بدفع خارجي، والخارجُ يدعم الإصلاح. في الوقت نفسه تبدو إسرائيل مصرةً على متابعة الاحتلال وقهرِ اللبنانيين، والخارجُ نفسُه يدعمُها. في هذا الوضع يصبح من السهل على معارضي الحكومة من النظام السابق أن يقولوا إن دعم المعتدي ودعم الإصلاح هما وجهان لعملة واحدة. وهذا وضع ييسر على مستخدمي كلمة العمالة أن يطلقوها على الحكومة ومشاريعها، بدءا برئيسها. وهذا يضع الإصلاحَ ودعاتَه على محكٍ أكبر، محكِ توفير تأطير واحد للموضوعين، جوهره حقوق اللبنانيين الوطنية وحقوقهم المدنية في الآن نفسه.
لا أدري الى أين يتطلع القدرُ اليوم.

 

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00