بأقلامهمعربي عبد الرَّحمن بسيسو : قَبْوٌ وَقُبَّة (5) by admin 8 August، 2019 written by admin 8 August، 2019 260 “الْعَربُ يَقْبَعُونَ فِي دَيَامِيْس أَقْبِيَةٍ مُعْتِمَةٍ بِلَا قَرارْ، وَعَلى مُثَقَّفِيهِم الْحَقِيقِيِّينَ، الْمُنتْتَمِينَ الأَوْفِيَاءْ، وَاجِبُ جَعْلِهَا قِبَابَاً مُنِيْرة” (5) عُقْمُ السُّلْطَةِ وَخُصُوبَةُ الْمَعْرِفَة ” لَيْسَ لِسُلْطَةٍ تَنْتَمِي، عَنْ حَقٍّ، إِلَى الْحَيَاةِ، وتَوَدُّ أَنْ تَكُونَ لَائِقَةً بِالْإِنْسَانِ، إِلَّا أَنْ تَتَأَسَّسَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ الخَالِصَةِ الْحَقَّةِ، وإِلَّا أَنْ تَفْتَحَ جَمِيْع الأَبْوَابِ وَالنَّوافِذِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى إِثْرَاءِ هَذِهِ المعْرِفَةِ وتَجْدِيدِهَا، وبَثِّهَا فِي النَّاسِ.” يَبْدُو أنَّ للتَّمييز المفهوميِّ الدَّقيق بَيْنَ “الْمَعْرِفَة” و”الْجَهْل ” أَنْ يُؤَسِّسَ لإِعْمَالِ القَواعِدِ المنهجِيَّةِ العِلْمِيَّةِ اللَّازمةِ لتحلِيلِ ظَواهرَ مُجْتَمَعِيَّةٍ كالأُصُولِيَّةِ، والتَّطرُّفِ، والْعُنْصُرِيَّةِ، والإِرْهَابِ، القَائِمَةِ جَمِيْعَاً، كَمَا قَدْ بَاتَ مَعْلُومَاً ومُؤَكَّدَاً مِنَ الْوُجْهَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ الخَالِصَةِ، عَلَى الأُسْطُورَةِ، وَالْخُرَافَةِ، وتَقْدِيسِ الْوَهَمِ، وَإلْغَاءِ الْعَقْلِ، وَذَلِكَ عَلَى نَحْوٍّ يُؤَسِّسُ إدْرَاكُهُ إِلَى فَهْمِ هَذِهِ الظَّواهِر وأَشْبَاهِهَا ونَظَائِرِهَا، عُمْقَاً وامْتِدَادَاً، عَبْرَ إدْرَاك مُسَبِّبَاتَهَا الْفِعْلِيَّة المُتَجذِّرة فِي الْوَاقِع المُجْتَمَعِيِّ، أَوْ تِلْكَ الَّتِي تُحَفِّزُ عَلَى إِعَادَةِ إِنْتَاجِهَا، وَتَوسِيعِ حُضُورِهَا، وتَعْزِيزِ فَاعِلِيَّتِهَا فِي هَذَا الْوَاقِعِ، مِنْ خَلَال التَّوغُّلِ فِي نَسِيْجِهِ، وَمَلْءِ هَيَاكِلِهِ الثَّقَافِيَّةِ الفَارِغَةِ بِمُعْتَقَدَاتٍ وآراءَ وتَصَوُّراتٍ وَمَنْظُومَاتِ قِيَمٍ تَتَأَسَّسُ عَلَى الْوَهَم والْجَهْل وافْتِعَال الْقَدَاسَة وَتَغْيِّيبِ الْعَقْلِ. وَذَلكَ بُغْيَةَ التَّمَكنُّ مِنْ تَسْيِيدِ أَصْحَابِ الْجَهْلِ القَاطِنينَ دَيَامِيَسَ الْجَشَعِ والتَّوحُّش والْعَتْمَة: صُنَّاعَاً، ومُروِّجينَ، وأَشْيَاعاً، ليَكُونُوا سُلْطَةً استبداديَّةً مُطْلَقةً تُهَيْمِنُ عَلَى النَّاسِ، وَعَلَى حَيَاة النَّاسِ، عَبْرَ آيدْيُولُوجِيَّاتٍ زَائِفَةٍ تُغَلِقُ مَنَافِذَ المْعْرفةِ الإنْسَانِيَّةِ الْحَقَّةِ، فَتَحْتَجزُ مُمْكِنَاتِ الْمُسْتَقبَلِ الإِنْسَانيِّ، ولَا تُنْتجُ إلَّا واقَعِاً قَاتِمَاً يُرادُ تَأْبِيدُه ليُفْضِي بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ مِنَ النَّاسِ، إِلى مَصَائِرَ غَائِمَةٍ، ومَآلاتٍ سَوْدَاء. وَلَئنْ كَانَتِ العَلَاقَةُ الْحَيَوِيَّةُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْكَوْنِ؛ أَيْ عَلَاقَتَهُ بكلِّ مَا هُوَ خَارجٌ عَنْهُ مِنِ أَشْيَاءَ وكَائِنَاتٍ وظَواهِرَ وَقُوىً بِمَنْ فِيْهَا الْإِنْسَانُ الْآخَرُ، وَهِيَ العَلَاقَة الْمَحْكُومَةُ بالاتِّصَالِ التَّفَاعُلِيِّ الْمُباَشِر، وبِخُلاصاتِ التَّجَاربِ العِلْمِيَّةِ المُحَقَّقَّةِ، والْقَائِمَة، أَسَاسَاً، عَلَى الاسْتِقْراء والاسْتِنْبَاط كَمَبْدَأَينِ مُعْتَمَدَينِ فِي جَمِيْع مَنَاهِجِ العُلُومِ الرَّاسِخَة والمُتَطوِّرة والمُتَعَدِّدة الاتِّجَاهَاتِ والْحُقُول والْمَجاَلَاتِ، هِيَ، دَائِمَاً وأَبَدَاً، المصدرُ المَوثُوقُ فِيْهِ لِأَيِّ مَعْلُومَاتٍ أَوْ مَعَارفَ يُمْكِنُ الوُثُوق فِيْهَا، والاسْتِنَادُ إِلَيْهَا فِي بَلْورة الرُّؤى، وتَحْدِيدِ المَوَاقِفِ، والتِقَاطِ الْخَيَارات، وانْتِهَاجِ السُّبلِ، واتِّخَاذ مَا يَلْزَمُ مِنْ أَفْعَالٍ وتَصَرُّفَاتٍ تَنْدَرجُ في إطارِ أَنْمَاطِ سُلُوكٍ تَسْتَوجِبُهَا مُقْتَضَياتُ إِحْيَاءِ الْحَيَاةِ الْحَقَّةِ، فَإِنَّ نَقِيضَ ذَلِكَ كُلِّه إِنَّمَا يَتَمثَّلُ فِي إِقَامَةِ العَلَاقَةِ التَّفَاعُلِيَّةِ، لَيْسَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْكَوْنِ وَالْإِنْسَانِ الْآخَرِ في واقِعٍ مُتَعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا بَيْنَ الْإِنْسَانِ الْجَاهِلِ والخُرافاتِ الهُلَامِيَّة وَالْوَهْم المُنْعَكِسَان فِي تَهْويمَاتٍ تُشَكِّلُ وَعْيَاً غَيْرَ واعٍ، وَذَلِكَ عَلَى نحوٍّ يُلغي الواقِعَ، ولَا يُمكِّنُ هّذَا الْإِنْسَانَ مِنَ الْوُجُودِ الْفِعْلِيِّ فِي الْوُجُودِ، إذْ يَقْذِفُ بِه إِلى أَغْوارِ دَيامِيسِ واقِعٍ حَلَزُونِيٍّ مُتَخَيَّلٍ، ويُغْرِقُهُ في مُستنقعاتِ وَهْمٍ آسَنٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ إِلَّا فِي مُخَيِّلَتِهِ الْوَاهِمَةِ الْمَسْكُونَةِ، كما عَقْلِهِ، بالْهُلام، والَّتِي تَتَكّفَّلُ بإغلاقِ أَبْوَابِ الْحَيَاةِ الْإِنْسَانِيَّة، فَتَكْبَحُ إِمْكَانِيَّةَ تَشَكُّل الْإِنْسَانِ فِي صَيْرُورَةِ مَسَارَاتِهَا الَّتِي تُكْسِبُهُ هُوِيَّةً مُتَحَوِّلةَ تَتَوخَّى الوُصُولَ، ذَاتَ لَحْظَةٍ قَادِمةٍ، أَوْ فِي زَمَنٍ أَوْ عَصْرٍ آتِيَانِ، إِلَى مَا هِيَ جَدِيرَةُ بِهِ مِنْ كَمَالٍ لا يَزِيدُهُ الْكَمَالُ الَّذِي تُدركُهُ إِلَّا نَقْصَاً، فَلا تَرَاهُ مُكْتَمِلاً أَبَدَاً، وَلَا تُدْرِكُ كَمَالَهَا النِّهَائيَّ إلَّا باعْتِبَاره صَيْرُورَةً دَائِمَةً لا تَنْتَهي، ولا تَتَنَاهَى! هَكَذَا لا تَقْتَرِنُ الْمَعْرِفَةُ إِلَّا بِالْوَاقِعِ الْفِعْلِيِّ ولَا تَتَأَسَّسُ إلَّا عَلَى تَشْخِيصِهِ وتَحْلِيْلِهِ بُغيَةَ إِدْرَاكِهِ، مُتِيْحَةً لِلْإِنْسَانِ فُرْصَةَ أَنْ يُحِيلَ نَفْسَهُ، إِحَالةً مَوضُوعِيَّةً فِي هَذا الْوَاقِع الْفِعْلِيِّ المُتَعَيَّن، وِفْقَ مَا يَتَوَافَرُ عَلَيْهِ، كَذَاتٍ إِنْسَانِيَّةٍ، مِنْ مَعَارِفَ وَقُدُرَاتٍ وَمَهَارَاتٍ تُؤَهِّلُهُ لِفِعْلِ ذَلِكَ، وَلِمُوَاصَلَةِ السَّعْيِّ اللَّاهبِ إِلَى، والخَطْوِ الْوَاثقِ صَوبَ، تَحْقِيْقِ مَا يَتُوْقُ إِلَيْهِ مِنْ هُويَّةٍ لِذَاتٍ إِنْسَانيَّةٍ تَبْحَثُ عَنْ كَمَالِهَا الْوُجُوديِّ الْمُحْتَمَل، وَمِنْ دَوْرٍ فِي الْحَيَاة يَتَوخَّى إثراءَها وإغْنَاءَهَا لِجَعْلها مَجَالاً وُجُودِيَّاً حَيَويَّاً يَلِيْق الْعَيْشُ فِيْهِ بِالْإِنْسَانِ الْحَقِّ الْمَسْكُونِ بِتَطَلُّعٍ لاهبٍ إِلَى إِدراكِ وَاقِع آخَر؛ والذَّهَابِ الدَّائمِ صَوبَ مُسْتَقْبَلٍ بَهِيٍّ تَتَوسَّعُ فِي مَدَارَاته فَضَاءَاتُ الْحُرِّيَّة الْإِنْسَانِيَّة، وَفِي رِحَابَهِ يَعْلُو شَأْنُ كُلِّ حُقُوق النَّاسِ الَّتِي هِيَ حُقُوقٌ لكلِّ النَّاس بِمَا يُؤسِّسُ لِتَعزيزِ رُسُوخِ الْقِيَم الْإِنْسَانِيَّة النَّبِيلَةِ العَالِيَةِ فِي مَنْظُومةٍ وعيٍّ فرديٍّ وجَمعيٍّ تَسْتَطِيعُ، وحْدَهَا، أَنْ تَضْفُرَ الْبَشَريَّة بِأَسْرِهَا فِي إِهَابٍ واحِدٍ مِنَ السُّمُوِّ الْإنْسَانِيِّ الَّذي يَفْتَحُ أُفِقَ تَشَكُّلِ الْإِنْسَانِ الْإِنْسَانِ، وَيُمَكِّنُ الْبَشَرِيَّةَ مِنْ الشُّروعِ في إِدْرَاكِ إِنْسَانِيَّتِهَا! ولعلَّنا نُلاحُظُ، في زمَنِنَا الْمَصْبُوِغِ بِسُخَامِ الرَّأسِمَاليَّةِ المُتَوحِّشة الْجَشِعة، والعُنْصِرية السَّوْدَاءِ، والتَّطَرُّفِ الْمَقِيتِ، والْاسْتِبْدَادِ الْوَحْشِيِّ، والإِرْهَابَ الْأَعْمَى، وَالآيدْيُولُوجِيَّاتِ الْمُقنَّعة بالْأَسَاطِيرِ والدِّينِ، أَنَّ الِإنْسَانَ الإنْسَانَ الَّذِي يَنشُدهُ الُوجُودُ، والَّذي نَنَشُدهُ كبشرٍ يَسْعُونَ إِلى الشُّرُوعِ في إِدْراكِ إِنْسَانِيَّتِهِم أَوْ إِلى اسْتِعَادَةِ ما قدْ أَدْرُكوهُ مِنْهَا وَفَقَدُوهُ، أَوْ أُفْقِدُوهُ، آخِذٌ فِي التَّلاشِي، ورُبَّمَا لَمْ يَعُدْ مَوجُوداً مِنْهُ فِي مَدَاراتِ الْوُجُودِ الْمنظُورةِ إِلَّا أَقَلِّيةٌ تَكَادُ تَتَّسِمُ بِالنُّدْرَة، جَرَّاءَ تَضَافُرِ أَسْبَابٍ عَدِيْدَةٍ لَيْسَ أَقَلَّهَا أَنَّ الْمَبَادِئَ وَالْقِيَمَ وَالْحُرِّيَّاتِ والْحُقُوق الْإِنْسَانِيَّة لَمْ تُحْتَرَمْ بِمَا يَكْفِي، وَلَمْ يُلْتَزَمُ بِهَا مِنْ قِبَلِ مَنْ يِتَوجَّبُ عَلَيهِمُ التِزَامُهَا مِنْ دُولٍ وحُكُوماتٍ وكَيَانَاتٍ مُجْتَمَعِيَّة وهَيَاكِلَ سِيَاسِيَّةٍ، وغَيْرِهَا، فَلَمْ تُتَحْ ممارَسَتَهَا، بُحُرِّيَّةٍ، للنَّاسِ، وَلَمْ يُلْتَزَمُ بِمُرَاعَاةِ تَطْبِيقِهَا وَضَمَانِ التَّمَتُّع بِهَا مِنْ قِبَلِ النَّاسِ جَمِيعَاً مِنْ غَيْر تَمْيِيزٍ من أيِّ نَوعٍ، أَوْ إقْصَاءٍ، أَوْ تَهْمِيشٍ لِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ، ومَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ السُّلُطَاتِ القَابِضَةَ عَلَى مَصَائِرِ الْمُجْتَمَعَاتِ البَشَريَّة والنَّاسِ، فِي الأَعَمِ الأَغْلَبِ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَالَّتِي تَعْتَبِرُ نَفْسَهَا، زُوْرَاً، المُنْتِجَ الأَوْحَدَ لِلْمَعْرِفَةِ، لَمْ تَرَ مَصْلَحَةً لَهَا فِي فِعْل ذَلِكَ، فَلَم تَنْهَضْ بإحْدَاثِهِ، وَإنِّمَا بَذَلَتْ جُلَّ جَهْدِهَا للحَيلُولة دُونَ حُدُوثِهِ كي لا يُفْضِي إِلَى فَكِّ قَبْضَتِهَا! وَيَبْدُو جَلِيَّاً، فِي زمَنِنَا الظَّلَامِيِّ المُتَوَحِّشِ هَذَا، أَّنَّ الْقَابِضِين عَلَى حَيَاة الْعَالَمِ، وَالْمُتَحَكِّمينَ بِمُقَدَّرَاتِهِ ومَصَائِرِ قَاطِنِيهِ، مِنْ قُوَىً وطَبَقَاتٍ وتَحَالُفَاتٍ مَصْلَحيَّة يَحْكُمُهَا الْجَشَعُ الرَّأْسِماليٍّ المُتَوَحِّشِ، وَتَأْبِيدِ الاسْتِغْلَالِ والاسْتِبْدَادِ الضَّارِيينِ، لَا يَتَقَاعَسُونَ عَنْ إِنْفَاذِ حُقُوق الإنْسَانِ وحُرِّيَّاتِهِ الأساسيَّة بِوصْفِهَا حُقُوقَاً وحُرِّيَّاتٍ أَصِيْلَةً ومُتَأَصِّلَةً فِي طَبِيعَةِ الإنْسَانْ، فَحَسْبُ، وإنَّمَا يُمْعِنُونُ في انْتِهَاكِ هَذِهِ الحُقُوقِ والحُرِّيَّاتِ بِمَا يَسْتَجيِبُ لِمصَالِحِهِمْ، فِيْمَا هُمْ يُبَالِغُونِ فِي إِيْلَائِهَا أقْصَى دَرَجاتٍ الاهْتِمَامِ اللَّفْظِيِّ الْمُخَاتِلِ؛ إِذْ يُمْعِنُونُ فِي تَوظِيفِها تَوظِيفَاً آيْدُيُولُوجِيَّاً سِيَاسيَّاً، إعْلَامِيَّاً، وإِعْلَانِيَّاً، وذلكَ عَلَى نَحْوٍ لا يَسْتَوجِبُ الْالْتِزَامَ الْفِعْلِيِّ بإنْفَاذِّهَا مِنْ قِبَلهم، بِقَدْرِ مَا يَسْتَوجِبُ إِيْغَالِهِمْ فِي إِحَاطَتِها بأَفْضَلِ الخَدَمَاتِ البَلاغِيَّة واللَّفْظِيةِ الَّتي تُجَرِّدُهَا من قيمتها المَعْرفيَّة الحَقَّة، وتَجْعَلُ مِنْهَا سُيُوفاً مُسَلَّطَةَ عَلَى رِقَابِ الْمَحْرُومينَ مِنْها، أَصْلاً، من النَّاسِ، أو مِطْيَةً تُرْكَبُ، عِنْدَ الْمُقتضى، لِشَنِّ الحُرُوبِ والغَزَواتِ بِاسْتِعْمَال القُوَّةِ العَارِيةِ إلَّا مِنِ التَّوَحُّشِ والغَشَامَة، وذلك لِفَرضِ الاحْتِلَالاتِ، مُتَنَوِّعة الأَشْكَالِ والأنماط، تَكْرِيْسَاً لِلْهَيْمَنَةِ المُطْلَقَةِ على مَنَابِعِ ثَرواتِ العَالَمِ لِتَحْقِيقِ غَايَةَ الاسْتِفْرَادِ الاسْتِئثاريِّ بامْتِلاكِهَا واسْتِغْلَالِهَا مِنْ قِبَلِ مَالِكِي تَلْكَ القُوَى المُتَوحِّشَةِ الغَاشِمَة! وَبَيْنَمَا تَقْتَرِن الْمَعْرِفَةُ الخَالِصَةُ الحَقَّةُ بِالْعَقْلِ فَاتِحَةً أَمَامَ الْإِنْسَانِ والْحَيَاةِ، عَلَى المُسْتَوَى التَّصوُّريِّ القَابِل للتَّعَيُّنِ الْفِعْلِيّ في الواَقِع القَائِمِ والمُمكنِ، الْمَزِيدَ مِنَ الْآفَاق والفَضَاءَات الرَّحْبَةِ ذَاتِ الْقِبَابِ الْمُنِيرَةِ، فَإِنَّ الْجَهْلَ لَا يَقْتَرِنُ بِشَيءٍ إِلَّا بِالْهُلامِ والْوَهْمِ، لِيُؤَسِّسَ لانْبِثَاقِ الظَّواهِرِ الَّتِي لَا تَتَأَسَّسُ إِلَّا عَلَى تَضَافُرِ مُكوِّناتِ هَذَا الثَّالُوثِ: هُلامٌ؛ وَوَهْمٌ؛ وجَهْلٌ عَمِيمٌ، مُغْلِقَاً، بِذلكَ، كُلَّ الْمَنَافِذِ المُفْضِيَةِ إِلَى إِدْرَاكِ آفَاقٍ أَوْ فَضَاءَاتٍ أَوْ قِبَابٍ مُنِيرَةٍ، ومُشْرِعَاً، فِي المُقَابِلِ، أَبْوابَ مَهَاويٍّ آيدْيُولُوجِيَّةٍ عَمْيَاءَ تُشْرعُ، بِدَوْرِهَا، فُوَّهَاتِ كُلِّ الحُفَرِ والخَنَادِقِ والْأَنْفَاقِ والْأَقْبِيَةِ الْمُعْتِمَة، وتَفْتَحُ مَهَاوِيهَا الجَحِيْمِيِّةِ على تَكْرِيسِ هَيْمَنَةِ شَرَائِعَ الْغَابِ والكُهُوفِ السَّودَاءِ، تِلْكَ المُسْتَغْنِيَةِ لَيْسَ عَنِ الْحَيَاة الإنسانيَّةِ الحُرَّةِ الْكَرِيمَة فَحسب، بَلْ عَنْ وُجُودِ الْإِنْسَانِ فِي تَجَلٍّ وُجُودِيٍّ يَلِيْق بِمَا هُوَ كَامنٌ فِيْهِ مِنْ سُمُوٍّ ونُبْلٍ وجَمَالْ. وَمَا تِلْكَ إلَّا شَرائعٌ عَشَّشَ الْوَهْمُ فِي مِخْيَال مُعْتَنِقِيها النُّكُوصِيِّ المُهَوَّشِ، والْهُلام في عُقُولِهمِ المُؤَجَّلَةِ الْوُجُود، والجَهُلُ في ثَنَايَا كَيَانَاتهم الفَارِغَة وأَطْوَائِهَا الْجَوْفَاء؛ فَأنْتَجَ شَبَكَاتِ عَنَاكِبَ مِنْ أُصُوليَّةٍ مُتَحَجِّرَةٍ، وتَطَرُّفٍ أَهْوجَ، وعُنْصُريةٍ مَقِيْتَةٍ، وَجَشَعٍ رَأْسِمَاليٍّ استْعْماريٍّ مُتَوَحِّشٍ، واسْتِبْدادٍ ظَلاميٍّ، وإرْهَابٍ أَعْمَى. فَهَلْ لِلْإِنْسَانِ، إِزَاءَ ذَلِكَ كُلِّه، أَنْ يَكُفَّ عَنِ اسْتْمراءِ الْمُرَاوحَةِ مَا بَيْنَ مَعْرِفَةٍ وَجَهْلٍ؟ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ هُوِيَّةَ إِنْسَانِيَّةً لَائِقَةً بِهِ وَهُو بِهَا جَدِيرٌ؟ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْفُضَ الذَّهَاب إِلَى هُوِيَّةٍ تَأْخُذُهُ إِلَى نَقِيضِهِ الْفَادِحِ: الْوَحشْ؟! وَهَلْ لِلنَّاسِ جَمِيعَاً أَنْ يُدْرِكُوا، مرَّة وَإِلَى الْأَبَدْ، أَنْ مَا يَأْتِي مِنْ سُلُطَاتِ التَّمَثُّلاتِ الرَّمْزِيَّةِ الفَجَّةِ، وَمَتَاهَاتِ الْغَيبِ الزَّائِفَة، وَقُوى الاسْتِبْدَاد والعَمَاءِ، أَيَّاً مَا كَانَتْ ماهِيَّةُ هَذِهِ السُّلُطَاتِ والْمَتَاهَاتِ والقُوَى، أو كانتْ تَوَجُّهَاتُهَا، ومَجالاتُ اخْتِصَاصِهَا، وآيدْيُولُوجِيَّاتُهَا، وَأَنْمَاطُ اسِتِبْدَادِهَا، وَعَمَاهَا، مِنْ مُعْتَقَدَاتٍ، وَعَقَائِدَ، وَمَعَارِفَ، وَمَعْلُومَاتٍ، وشَرائِعَ، وأفْكَارٍ، وتَصْرِيحَاتٍ، وبيَانَاتٍ، وَأَخْبَارٍ وأقْوالٍ، ومَنْشُورَاتٍ، وَغَيرَ ذلك، إِنَّمَا هُوَ زَائِفٌ، مُضَلِّلٌ، مُخَادعٌ، مُراوُغ، مُخَاتِلٌ ومَحْضُ رَطَانَةٍ خَاوِيةٍ إلَّا مِنْ مَنْطَوَيَاتِ مَقَاصِدِهَا الاسْتِلَابِيَّة الاسْتِئْثَارِيَّة الْمُتَوَحِّشِةِ، ومَا ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّهَا رِطَانةٌ آيدْيُولُوجِيَّةٌ مُؤَسَّسةٌ، أَصْلَاً وَابْتِدَاءً، عَلَى وَهْمٍ وَجَهْلٍ وزيفٍ وتَزْيِيفٍ وعُقْمٍ وتَغْيِّيبِ عَقْلٍ، وهُلَامٍ، ولَا يُتَوخَّى مِنْ إِنتْاجِهَا وإعْمَالِهَا، في تَضَافُرٍ ضَارٍ وشَرسٍ بين كُلِّ العَنَاصِرِ المُكوِّنةِ لَهَا والغَاياتِ المُرتَجاةِ مِنْ تَعْمِيمِهَا وَفَرْضِهَا، بِوسَائلَ وَأَسَالِيبَ شَتَّى، على النَّاس، سِوَى تَأْبِيد وُجُودِ سُلْطَةِ السُّلطةِ المُسْتَبِدَّةِ، الْمَسْكُونةِ بالحَاجَةِ إلى إِشْبَاع جَشَعٍ لَا يُشْبَعُ، والنَّاهِضَةِ عَلَى آيدْيُولُوجِيَّةٍ عَقِيْمَةٍ سَوْدَاءَ، واسْتِبْدادٍ أَعْمَى، وإرهَابٍ أَقْصَى، والَّتِي لَا يَتَحَقَّقُ لَهَا وُجُودٌ حَقِيقِيُّ في الْوُجودِ إِنْ هِيَ أَرْخَتْ يَدَهَا عنْ أيٍّ مِنْ مَصَادرِ وُجُودِهَا ومَنَابِعِهِ، أوْ كَفَّتْ عَنِ تَوْظِيفِهِ، أو تَراخَتْ عَنْ إعْمَالِ مَا يَسْتَوجِبُهُ أَوْ يَقْتَضِيهِ، مِنَ اسْتِبْدَادٍ وإرْهَابٍ وَعُنْفٍ! لَا تَأْتِي الْمَعْرِفَةُ الحَقِيقِيَّةُ، الْمَعْرِفَةُ الخَالِصَةُ، الْخَصْبَةُ الْوَلَّادةُ؛ الْمَوُثُوقُ فِيْهَا والجَدِيرَةُ بِاسْمِهَا، لَا تَأْتِيَ مِنَ السُّلْطَةِ الْمُسْتَبِدَّة، ولَا تَأْتِيَ مِنْ أَيٍّ مِنَ القُوَى الْمُهَيمِنَةِ ذَاتِ الْمَصَالِحِ والسُّلْطَةِ وَالسَّطْوَةِ. وَلَا يَنْبَغِي لِلْمَعْرِفَةِ أَنْ تَتَأَسَّسَ عَلَى تَصَوُّرَاتِ هَذِهِ السُّلُطاتِ والقُوَى، أَوْ تُسْتَقى مِنْ مُسْتَنْقَعَاتِهَا، أَوْ تُؤْخَذَ عَمَّنْ يَعْمَلُ، مَأْجُوراً، لِصَالحِ أَيٍّ مِنْهُا. ولِهَذَهِ الخُلَاصَةِ أَنْ تَصْدُقَ عَلَى شَتَّى السُّلُطَاتِ الْمُستبدَّة، وعلى جَمِيعِ قُوَى الْهَيْمَنَة المُطْلقةِ الَّتي تَزْعُمُ لِنَفْسِهَا قبْضَاً عَلَى حَقِيقَةٍ مِنْ أَيِّ نَوعٍ أَوْ لَونٍ، أَيَّاً مَا كَانَتْ مَاهِيَّةُ أَيٍّ مِنْ هِذِه السُّلُطات والقُوى، ومَهْمَا تَفَاوتَتْ دَرَجَاتُ هَيْمَنَتهِ، أَوْ تَنوَّعَتْ مَجَالاتُ اخْتِصَاصِ سُلْطَتِهِ، أَوْ تَفَرَّعتْ أَحْيَاز سَطْوَتِهِ، أو تَبَايَنْتْ مُسْتَويَاتِ حُضُورِهِ، أو تَغَايَرتْ أَنْمَاطُ مُمَارَسَةِ أَشْكَالَ عُنْفِهِ الْواقِعيِّ المَادِّيِّ الْمَلْمُوس، والَرَّمزيِّ المُبْهَمِ ذي الأبْعَادِ السِّياسِيَّة والاجْتِمَاعِيَّةِ والاقْتِصَاديَّةِ والثَّقافِيَّة الَّتي يُتَعَمَّدُ إخْفَاؤهَا خَلفَ أَقْنِعَةٍ مُتَراكِبة! وإلَى ذِلِكَ، لَيْسَ لِسُلْطَةٍ تَنْتَمِي، عَنْ حَقٍّ، إِلَى الْحَيَاةِ، وتَوَدُّ أَنْ تَكُونَ لَائِقَةً بِالْإِنْسَانِ، إِلَّا أَنْ تَتَأَسَّسَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ الخَالِصَةِ الْحَقَّةِ، وإِلَّا أَنْ تَفْتَحَ جَمِيْع الأَبْوَابِ وَالنَّوافِذِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى إِثْرَاءِ هَذِهِ المعْرِفَةِ وتَجْدِيدِهَا، ومُتَابَعَة بَثِّهَا فِي النَّاسِ وتَمِكِيْنِهِم مِنَ تَقَاسُمِ كُلِّ ما تأتي بهِ مِنْ جَديدٍ، وذلك كَيْ تَتَمَكَّنَ، بِدَعْمِ النَّاسِ ومُشَاركَتِهم الْفَرْدِيَّة والْجَمْعِيَّة الفَاعِلَةِ الْخَلَّاقَةِ، مِنْ مُتَابَعَةِ الْعَمَلِ الدَّؤُوب عَلَى تَحْقِيقِ غَايَاتِهَا السَّامِيَةِ الَّتِي تَتَكثَّفُ مَقَاصِدُهَا، دَائِمَاً وأَبَدَاً وَفِي تَرابُطٍ وَثِيقٍ لا تَنْفَصِمُ عُراهُ، فِي إِعْمَارِ الْوُجُودِ، وإثْراءِ الْحَيَاة، والإعْلَاء مِنْ شَأْنِ الإِنْسَانِيَّة، وَإِسْعَادِ النَّاسِ، وفَتْحِ دُرُوبِ الْمُسْتَقَبَلِ، النَّدِيِّ الْوَضَّاءِ، أَمَامَ خُطَى الْأجْيَالِ الْإنْسَانِيَّةِ الآتيةِ مِنَ الْمُسْتَقْبَل. عبد الرَّحمن بسيسو 64 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post غضب يتفاقم في إيران.. إين اختفت الـ14 مليار دولار؟ next post Family, communities react as hunt for B.C. suspects comes to an end You may also like دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 March، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 March، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 March، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 March، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 March، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 March، 2026 غسان شربل يكتب عن: زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات 2 March، 2026 كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: نهاية كابوس في... 1 March، 2026 حازم صاغية يكتب عن: نندم… لكنْ ماذا بعد... 1 March، 2026 مايكل هيرتسوغ يكتب عن: حرب محتملة مع إيران:... 28 February، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ