بأقلامهمعربي عبد الرَّحمن بسيسو : قَبْوٌ وَقُبَّة (4) by admin 31 July، 2019 written by admin 31 July، 2019 210 “الْعَربُ يَقْبَعُونَ فِي دَيَامِيْس أَقْبِيَةٍ مُعْتِمَةٍ بِلَا قَرارْ، وَعَلى مُثَقَّفِيهِم الْحَقِيقِيِّينَ، الْمُنتْتَمِينَ الأَوْفِيَاءْ، وَاجِبُ جَعْلِهَا قِبَابَاً مُنِيْرة” (4) لَا إِمَامَ سِوَى الْعَقْل “مَا العَقْلُ إِلَّا مَنْبَعُ الطَّاقَةِ التَّنْوِيرِيَّة ومَصْدَرُهَا الأَوَّلُ. إِنَّهُ مَجَالٌ حَيَويٌّ مَفْتُوحَةٌ رِحَابُهُ لِاحْتِضَانِ تَكوُّنِ فِكْرٍ إِنْسَانيٍّ تَكَامليٍّ يَتَأَسَّسُ عَلَى إِقَامَةِ التَّواشُج العَمِيقِ بَيْنَ أَشْواقِ الرُّوحِ والمبادئِ الْعَقْلِيَّة الْإِنْسَانِيَّة الْفِطْريَّة الجَوْهَرِيَّة، والخِبْرَة الْإِنْسَانِيَّة العَمَلِيَّة الْمَفْتُوحَة عَلَى التَّجدُّد الدَّائِمِ، وَعَلَى الازْدِهَارِ المَعْرِفيِّ المُتَنَوِّعِ المَسَارَات، والسِّيَاقات، والأَنْسَاقْ.” هَلْ لِإنْسَانٍ يُعْمِلُ عَقْلهَ فِي قراءة القُرْآنِ الكَرِيْمِ، كَنَصٍّ سماويٍّ مَفْتُوحٍ، أنْ لَا يَجِدَ نَفْسهُ مَدْعُوَّاً إِلَى مُواصلة إِعْمَال هَذَا الْعَقْل؟! وَهَلْ لإِعْمَال الْعَقْل الَّذي يدعو إِلَيْهِ القُرْآنُ، ويُلِحُّ بِكَثَافةٍ عاليةٍ عَلَيْهِ، أنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قِرَاءَةٍ جَدِيدةٍ فِي قِرَاءَةٍ قَدِيمَةٍ لِلنَّصِّ القُرْآنيِّ، أَصَوتيَّةً كانَتْ أَمْ تأويليةً، أَوْ حَتَّى جَدِيدَةً ولكنَّها مُمْكِنَةٌ بالاسْتِنَاد إلى قَوَاعدَ ومَعَايِيرَ تمَّ وضْعُهَا، مُنْذُ مَا يَربُو على ألفِ عامٍ ونيِّفٍ، وتمَّ إِكْسَابُهَا، مُذْ ذَاكَ، سِمَاتِ الثَّباتِ والرُّسوخ الأَبْديِّ، أَمْ أَنَّ لإعْمَالِ العَقْلِ، بِقْدْرِ مَا قَدْ آنَ لَهُ، أَنْ يَشْمُلَّ كُلَّ حيِّزٍ، ومَجَالٍ، وَمَسْأَلةٍ، وشَأْنٍ حَيَاتِيٍّ عَمَلِيٍّ، أَوْ فَلْسِفيٍّ تَأَمُّليٍّ لَا قُيُودَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ حُدُوداً أَوْ ضِفَاف؟! مَعْ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ القُرْآن، يَبْدَأُ الْإِنْسَانُ فِي تَقْلِيبِ صَفَحَات كِتَابٍ كَونيٍّ يَحُثُّ عَلَى تَفْعِيل السَّمَعِ والبَصَرِ والبَصِيرةِ، بَلْ وجَمِيع الحَواس والمَلَكَات والطَّاقات الْإِنْسَانِيَّة المُدْرِكَة، وَفِي صُلْبِ صُلْبِهَا، جَمِيعَاً، العَقْلُ الْإنْسَانِيّ، كإِطَارٍ جَامِعٍ ومِصْفَاةِ مُعْطياتٍ ومَعْلُوماتٍ عَديدَةِ المَصَادرِ ومُتَنَوِّعَتِها. وما أنْ يَشرعُ إنْسَانٌ يُعْمِلُ عَقْلهُ فِي قراءة النَّصِّ القُرآنيِّ على هذا النَّحوِ، حتَّى يَجِدَ نَفْسهُ مُلْزَماً بتَفَحُّصِ جَمِيْع مَجَالَاتِ الْحَيَاة الْإِنْسَانِيَّة، وشَتَّى مُقَوِّمات أَنْظِمَةِ الْوُجُود: تَأَمُّلاً، وتَدَبُّراً، وتَعَقُّلاً، وتَحْلِيلاً، واسْتِيعَابَاً، وإدْرَاكَاً، وفَهْمَاً، وَذَلِكَ بِمَا يستجيبُ إِلَى مُعْطَياتِ تَراكُم الخبرة الْإِنْسَانِيَّة العَمَلِيَّة، وتطوُّر الْعِلْم، ونُمُو الْمَعْرِفَة، وصَيرورة الْحَيَاة. فَمَا العَقْلُ، وِفْقَ تَجَلِّيَاتِهِ المَفْهُومِيَّةِ المُؤصَّلةِ فِي القرآنِ الكَريم وفي تّبصُّراتِ الفَلاسِفَة المُتنَوِّرين، والموضَّحَةِ، بإسْهَابٍ وتَبَصُّرٍ عَقْلانيٍّ مُتأنِّ وحَصِيفٍ، فِي كُلِّ مَا بُنِيَ، بِتَفَحُّصٍ عَقْلِيٍّ ومَنْطِقِيٍّ عَمِيقٍ، عَلَى سُورٍ من سُوره وآياتٍ من آيَاتِهِ، مِنْ كتابات لُغَويَّةٍ، وبلاغيَّةٍ، وفِقْهِيَّةٍ، وكلاميَّةٍ، وتَبَصُّراتٍ فَلْسَفِيَّةٍ عقليَّة وإشراقيَّة، إِلَّا مَنْبَعُ الطَّاقَةِ التَّنْوِيرِيَّة ومَصْدَرُهَا الأَوَّلُ، لِأَنَّهُ مَجَالٌ حَيَويٌّ مَفْتُوحَةٌ رِحَابُهُ لِاحْتِضَانِ تَكوُّنِ فِكْرٍ إِنْسَانيٍّ تَكَامليٍّ يَتَأَسَّسُ عَلَى إِقَامَةِ التَّواشُج العَمِيقِ مَا بَيْنَ أَشْواقِ الرُّوحِ والمبادئِ الْعَقْلِيَّة الْإِنْسَانِيَّة الْفِطْريَّة الجَوْهَرِيَّة، والخِبْرَة الْإِنْسَانِيَّة العَمَلِيَّة الْمَفْتُوحَة عَلَى التَّجدُّد الدَّائِمِ، وَعَلَى الازْدِهَارِ المَعْرِفيِّ المُتَنَوِّعِ المَسَارَات، والسِّيَاقات، والأَنْسَاقْ. وَلَعَلَّ السَّببَ الجَذْرِيَّ الكَامِنَ وَرَاءَ اعتبار الْإِسْلَام آخر الرِّسالات السَّمَاوِيَّة؛ أَيْ آخر رسِالةٍ تَبْعَثُهَا السَّمَاءُ إِلَى الْأَرْضِ، أَوْ يَلْتَقِطُهُا الإنْسَانُ مِنْ وحْيِهَا، واعتبار نبيِّ الْإِسْلَام محمد عَلَيْهِ السَّلام خَاتَم الأَنْبِيَاء والرُّسُل، إِنَّمَا يعودُ إِلَى حَقِيقَةٍ مُؤَدَّاهَا أنَّ الْإِسْلَام قَدْ أوْدَعَ فِي القُرْآنِ أَنْوَارَ السَّمَاءِ، وضَمَّنَهُ مَنْظُومَاتِ الْقِيَم والفَضَائِلِ السَّامِيَة، جَاعِلاً من الْعَقْل الْإنْسَانِيّ، الَّذي دَعَا الْبَشَرَ جميعاً إِلَى إعْمَاله، بِمَثَابَةِ نَبِيٍّ أَوْ رسُولٍ يَتَعَهَّدُ بإِطْلاقِ الطَّاقات الْإِنْسَانِيَّة التَّنْوِيرِيَّة الكَامِنَة فِي أَعْمَاقه كَيْ يُمَكِّنَ الْإِنْسَانَ مِنْ حَمْلِ الأمَانَة الَّتِي اخْتَارَ هُوَ، بِكَامِلِ حُرِّيَّتِه وَبِمِلْءِ إِرَادَتِهِ، حَمْلَهَا، وَمِنْ أَدَاءِ مَا كَلَّفَتْهُ بِهِ نَفْسهُ والسَّمَاءُ، وَمُتَابَعَة تَجْسِيدِ تَجَلِّيَاتِ رِسَالَتِهِمَا المُشْتَركَةِ، السَّامِيَة والْمُلْتَحِمَة، فِي الْوُجُود، وَذَلِكَ عَبْرَ تَكَفُّلِهِ، أَيْ الْعَقْلَ النَّبيَّ، بِإِيْجَادِ أَنْجَعِ الطُّرقِ للتَّعَامُلِ الصَّائِبِ مَعْ كُلِّ ظرفٍ أَوْ شَرطٍ حَيَاتِيٍّ، أَوْ تَأَمُّليٍّ تَبَصُّريٍّ، جَدِيدْ. وَفِي هَذَا الضَّوء، تَتَجَلَّى دَلَالَةُ الخُلاصَةِ الَّتِي تَقُول إِنَّ “العَقْلَ حُجَّةُ الخَالِقِ عَلَى خَلْقِه”، وإِنَّهُ هُوَ الحَيِّزُ الْوَاسِعُ الَّذي فِيْهِ تتجلَّى الْحُرِّيَّة الْإِنْسَانِيَّة وتَعْمُقُ وتَتَّسِعُ مَسْكُونةً، دَائِمَاً وأبداً، بِحَقِّ الاختيار وتقرير المصير. وَفِي هَذَا الضَّوء أيضاً، تَتَبَدَّى مَدْلُولَات مَا تَنْطَوي عَلَيْهِ أَبْيَاتٌ شِعْرِيَّةٌ تَأَمُّلِيَّةٌ نطقها، قَبْلَ مَا يَرْبُو عَلَى أَلفٍ مَنَ الأَعْوامِ، الشَّاعرُ الفَيْلَسُوفُ أَبي العَلاء المَعَرِّي، مُكَثَّفَاً مَغْزَاها العَمِيقِ فِي مَقْولَتِهِ الشَّهِيرةِ “لَا أَمَامَ سِوَى الْعَقْلُ” الَّتِي تضمَّنها أَحَدُ هَذِهِ الأَبْيَات، وَالَّتِي أَعَادَ الشَّاعِرُ والفَيْلَسُوف المُسْلِمُ مُحَمَّد إِقْبَال التَّذكير بِفَحْوَاهَا قبل حوالي قرنٍ من الزَّمَان، وَذَلِكَ فِي سِيَاق تَوَاصُلٍ وَثِيقٍ مَعْ مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي القُرْآن من دعَوةٍ التَقَطَهَا، وَأَجَلَّهَا، والْتَزَمَ بِهَا، مُفسِّرُون وقَارئُون ومُفَكِّرون مُسْلِمُونَ عَديدُون عَلَى مَدارِ القُرُون! وَفِي ضَوْء هَذَا المَعْنَى، المُؤصَّل عقلياً، ومنطقياً، ومعرفياً: عملياً، وعلميَّاً، وروحانيَّاً أيضاً، وَفِي سياق إدْرَاك مغزى الالتزام الصَّارم بتلبية الدَّعوة القُرْآنية الْأُولَى، الواردة فِي الآية المُنَزَّلة الْأُولَى، إِلَى الْقِرَاءَة: “إِقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقْ”، والدَّعوة القُرْآنية المُتكرِّرة إِلَى تحكيم الْعَقْلِ وإِعْمَالِهِ، نُدْركُ مَا كَانَ قَدْ أَبْدَاهُ الفُقَهاءُ، والفَلاسِفَةُ، والمُفَكِّرونَ، والمُبْدِعُونَ، والمُفَسِّرُونَ، والبَلاغِيُّونَ، والعُلَمَاءُ، والمُثَقَّفونَ، وأَصْحَابُ الرَّايِّ، المُسْتَنِيرُون جَمِيعاً، مُنْذُ إِكْمَالِ الدِّين وإِتْمَام النِّعْمَة والرِّضى بالإِسْلَام دِيْنَاً حَتَّى هَذِهِ اللَّحظة من لحَظَات الْحَيَاة الْمَفْتُوحَة عَلَى الْحَيَاة، مِنْ تَبَصُّراتٍ ورُؤَىً تفاعُلِيَّة تَكَاملِيَّة تَصِلُ السَّمَاوَاتِ بالْأُروضِ، والقُلَوبَ بِالْعُقْولِ، والْأَرْواحَ بالْأَجسَادِ، لِتُدْركَ المُتَسَامي عَبْرَ تَجَلِّيَاتِهِ الْعَمَلِيَّة، وتَعَيُّناتِهِ الحَيَّة المُتَجَدِّدة، وتَأْثِيرَهُ الْفَاعِل فِي الْوَاقِع الْحَيِّ، نَاسِجَةً، عبْرَ هَذَا الإِدْرَاكِ المُتَنَامِي، أَوَاصِرَ التَّواشُجِ التَّفَاعُليِّ بَيْنَ الْفِكْرِ وَالْوَاقِعِ؛ إذْ لَيْسَ لِهَذِهِ التَّبَصُّراتِ وَالرُّؤَى أنْ تُعَزَّزُ صِدْقِيَّةِ مَا يَتَوَصَّلُ إِلَيْهِ الْفِكْرُ الْإنْسَانِيُّ من اسْتِنْتَاجَاتٍ عَقْلِيَّة مَنْطِقِيَّة وخُلَاصَاتٍ مَعْرِفِيَّةٍ، إِلَّا عَبْرَ التَّيَقُنِ من انْسَجَامهِ الْكُلِّيِّ مع جَوْهَرِ الأَمَانَةِ الْوُجُوديَّة الَّتِي عُرِضَتْ عَلَى الْإِنْسَان فَحَمَلَهَا، ومَعْ مَغْزَى الْحَيَاة ومَعَانِيهَا الكُلِّيَّة، ومَعِ الْمَقَاصِد العُلْيَا لِلْوُجُود الْإنْسَانِيّ الْحَقِّ، الْفَاعِل والخَلَّاق، فِي شَتَّى مَدَارَات الْوُجُودْ. وَإِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّوقُّفَ عَنِ الْقِرَاءَة وَإِعْمَال الْعَقْل: تأملاً مُتَبَصِّراً فِي كِتَابِ الْكَوْن، وسَفَراً اسْتِشْرافِيَّاً مُتَوَاصِلاً فِي فَضَاءَات الْوُجُود، وجَوْسَاً اسْتِكْشَافِيَّاً تَحْلِيلِيَّاً فِي شَتَّى مَسَارَات الْحَيَاة وَشُؤُونِهَا، لَيْسَ إِلَّا تَخَلِّيَاً غَيْرَ حَمِيدٍ عَنِ الأَمَانَةِ الَّتِي “حَمَلَهَا الْإِنْسَانُ”، وهُوَ، بالتَّالِي، تَنَكُّرٌ لَا يُسَوِّغُه عَقلٌ سَويٌّ للأَشْواق الْإِنْسَانِيَّة، وللرِّسَالَاتِ السَّمَاوِيَّةِ الْوُجُوديَّة الَّتِي تَمَّتْ، وأُكْمِلَتْ، وكُثِّفَتْ، وخُتِمَتْ، بِرِسَالَةِ الْإِسْلَامْ، لِيُتَابِعُ العَقْلُ فَتْحَهَا عَلَى صَيْرُورَة وُجُودِيَّةٍ لَا تَنْتَهِي، ولَا تَتَنَاهَى. وَمِنَ الْحَقِّ أَنَّ التَّوقُّفَ عَنِ الْقِرَاءَةِ النَّقْدِيَّة المُتَفَحِّصَةِ ذَاتِ الطَّبِيعَة الْإبْدَاعِيَّة المُنْتِجَة، والإصْرارَ عَلَى إهْمَالِ الْمَنْطِقِ، والْإِلْحَاحَ العَنِيدَ عَلَى تَغْييبِ إِعْمَالِ الْعَقْلِ، قَدْ تَضَافَرَ لِيُفْضِى، ضِمْنَ مَا قَدْ أَفْضَى إِلَيْهِ، وبِسَبَبِ مَا قَدْ أَنْتَجَهُ مِنْ خُمُولٍ وجُمُودٍ واسْتِلْقَاءٍ مُتَرَاخٍ عَلَى حَوَائِطِ العَجْزِ الْمَهِيض، وَمِن تَخَلٍّ مَقِيتٍ عَنْ مَنْظُومَاتِ الْقِيَمِ وَالْأَشْوَاقِ وَالرُّؤَى الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ النَّبِيلَةِ، إِلَى تَخَلُّفِ الشُّعُوبِ والْأُمَم الَّتِي اسْتَبْدَلَت التَّخْييلَ التَّوَهُّميَّ بِالْخَيَالِ الخَلَّاقِ والْعَقْلِ المُتَفَحِّصِ الحَصِيفِ، فَلَجَأتْ إِلَى السِّحْرِ والشَّعْوذة وَالْخُرَافَة والْكَهَانَةِ، واصْطَنَعَتْ لِنَفْسِهَا آيدْيُولُوجِيَّاتٍ تَخْيِيلِيَّةً وأَقْنِعَةً ظَلَامِيَّةً تُجَافي الْعَقْل وتَسْتَبْعِدُ الْمَنْطِقَ، فَتَنْأَى بِنَفْسِهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ إِنْسَانِيَّةً بِأَيِّ تَصَوُّرٍ، أَوْ زَعْمٍ، أَوْ حَالْ. وَلَيْسَ لِهَذِهِ الحقيقة الدَّيْمَاسِيَّةِ الْحَالِكَةِ الَّتِي تَزِيدُهَا الْأَدِلَّةُ وَالْبَرَاهِينُ الْمُتَكَاثِرَة سُطُوعاً عَلَى سُطُوعٍ، إِلَّا أنْ تُؤكِّدَ حَقِيقَةَ أنْ لَيْسَ من سَبِيلِ أَمَامَ أَيْ كينونةٍ وجُوديّةٍ: كائناً بشريَّاً فرداً، أَوْ جَمَاعةً بَشَرِيَّةً، أَوْ شَعْبَاً، أَوْ أمَّةً أَوْ مِلَّةً، أَوْ غَيْر ذَلِكَ، لطلبِ الْحَيَاةِ الحُرَّةِ الْكَرِيمَة، ولِلْخَطْوِ الْوَاثِقِ صَوْبَ مُسْتَقْبَلٍ إنْسَانِيٍّ أَفْضَلَ وَأَكْرمَ وأَعْلَى وأَسْمَى؛ مُسْتَقْبَلٍ تُحَقِّقُ فِي رِحَابِهِ وُجُودَاً حَقِيقِيَّاً مُتَعَيَّناً لِذَاتِهَا المُدْرَكَةِ مِنْ قِبَلِ ذَاتِهَا كَذَاتٍ مُبْدِعةٍ، فَاعِلةٍ فِي الحَيَاةِ وخَلّاقةٍ فِي الْوُجُود، إِلَّا أَنْ تُنْهِضَ سَعْيَهَا، فِي الْبِدْءِ ومَعْ كُلِّ بِدْءٍ جَديدٍ، عَلَى تَوَاشُجٍ مُتَوَاصِلٍ بَيْنَ إِطْلَاقِ الخَيَالِ اللَّاقِطِ الوَلَّادِ، والْإِبْدَاعِ الْخَلَّاقِ، وَإِعْمَالِ الْعَقْلْ. وَإِلَى ذَلِكَ، لَنْ يَكُون بِمَقْدُور أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ أَنْ تَنْهَضَ مِنْ كَبْوَةٍ طَال أَمَدُهَا وأَسْرفَتْ في الوُجُودِ فَبَدتْ طَبيعيَّةً ومَأَلُوفَةً إِلَى حَدٍّ أَعْجَزَ الأَبْصَارَ عَنْ رُؤْيَتِهَا، وأَبْعَدَ البَصَائِرَ عَنْ تَأَمُّلِهَا لإِيجادِ مَخْرجٍ مِنْ عتمةِ دَيَامِيسِهَا الْحَالكةِ، كَمَا لَنْ يَكَونَ بِمَقْدورِ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ أَنْ تُغَادِرَ قَبْوَاً مُعْتِمَاً مَسَخَتْ عُفُونَتُهُ اللَّزِجَةُ كَيْنُونَتَهَا فَأَحَالَتْهَا إِلَى كَيْنُونَةٍ مُؤَجَّلةِ الْوُجُودِ تَتَّكِئُ، غَافِيَةً أو مُسْتَرْخِيَةً، إِلَى جِدَارِ التَّكَلُّسِ القَبْوِيِّ، وتَنْحَكِمُ حَيَاتُهَا الأُفُقِيَّةُ الرَّخْوَةُ إِلَى شُرُوطِ وَاقِع قَاتِمٍ، قَائِمٍ فِي نُفُوسِ النَّاسِ بِقَدْرِ مَا هُوَ قَائِمٌ فِي الْحَيِّز المَكَانيِّ الَّذِي يَشْغَلُونَهُ والَّذي صَيَّره تَقَاعُسُهُم عَنْ الإدراك والفعلِ قَبْواً مُعْتِماً، أَوْ كَهْفَاً بِلَا زَمَنٍ، لَا يَفْرِزُ سِوَى سُمُومِ “مَوتٍ فِي الْحَيَاة” ومَحَارقَ تَعْدِيمٍ لإمْكَانِيَّات الْوُجُود! نَقُولُ، لنْ يَكُونَ بِمَقْدُورِ أُمَّةٍ من الأُمَمِ أنْ تَنْهَضَ مِنْ كَبْوَةٍ مُزمِنَةٍ أو أَنْ تُغَادِرِ قَبْواً ديْمَاسِيَّاً مُتَكَلِّسَاً تَشْغَلُهُ مُنْذُ أَلْفِ عَامٍ، إِلَّا إِنْ شَرَعَتْ فِي تَنْمِيَة عُقُولِ أَبْنَائِهَا كَيْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ أَنَّهَاضِ نَهْضَتِهَا عَبْرَ تَفْعِيلِ عَقْلِهَا التَّفَاعُليِّ الْجَمْعِيِّ النَّامِي، والشُّرُوع فِي إِطْلَاقِ طَاقَاتِهَا التَّغْييرِيَّةِ الخَلَّاقَةِ الْكَفِيلَةِ، وحْدَهَا، بِتَمْكِينِهَا مِنَ الشُّرُوعِ في الْخَطْوِ الْوَاثِقِ صَوْبَ مَنَاراتِ الْقِبَابِ، وَمِنْ بِدْءِ جَنَّةِ السَّمَاء عَلَى الْأَرْض، وَمِن جَعْل هَذِهِ الجَنَّةِ مَجَالاً وُجُودِيَّاً حَيَوِيَّاً، وَوَطَنَاً حَقِيقِيَّاً لإِنْسَانٍ إِنْسَانْ! 158 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post في التايمز: حرب بلا نهاية …لماذا لم يتغلب الأسد على المعارضة المسلحة إلى الآن؟ next post بالأرقام.. هواوي تهزم أبل وسامسونغ رغم القيود You may also like دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 March، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 March، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 March، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 March، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 March، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 March، 2026 غسان شربل يكتب عن: زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات 2 March، 2026 كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: نهاية كابوس في... 1 March، 2026 حازم صاغية يكتب عن: نندم… لكنْ ماذا بعد... 1 March، 2026 مايكل هيرتسوغ يكتب عن: حرب محتملة مع إيران:... 28 February، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ