Saturday, March 7, 2026
Saturday, March 7, 2026
Home » عالم سيزان الذي يولد بشكل مستمر

عالم سيزان الذي يولد بشكل مستمر

by admin

 

الرسام الفرنسي وشكوكه كما استكشفها الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو-بونتي

اندبندنت عربية / لؤي عبد الإله كاتب

على رغم وفاته المبكرة بالسكتة القلبية عام 1961، عن سن الـ53، فإن ما تركه الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو-بونتي من إرث فكري لا يزال موضع تأثير في حقول عديدة جديدة بما فيها الفلسفة النسوية وفلسفة العقل والعلم الإدراكي، وفلسفة الطبيعة والفلسفة السياسة، وفلسفة الفن وفلسفة اللغة وأنطولوجيا الفينومونولوغيا (الظاهراتية).

يعد ميرلو-بونتي من أهم المفكرين الفرنسيين الذين برزوا بعد الحرب العالمية الثانية، وأفضل مساهمة له كانت في مجالات فلسفة الفن والتأريخ واللغة والطبيعة والسياسة.

وقد لعب دوراً أساساً في نشر بذور المنهج الفينومونولوغي الذي أسسه في بداية القرن الماضي الفيلسوف الألماني أدموند هوسرل، وسعى لتحقيق دمجه في علم نفس الجشطلت والتحليل النفسي والماركسية ولسانيات فرديناند ساوسور.

وإذا كانت الفينومونولوغيا (الظاهراتية) تؤكد أهمية التجربة الذاتية في المعرفة الموضوعية وعدم الفصل ما بين الذات والموضوع فإن ميرلو، بونتي أضاف الجسد كجزء من الذات أي إن العقل، الجسد يشكلان وحدة أمام الموضوع الخارج عنهما.

قال سيزان للرسام والكاتب الفرنسي إميل برنارد: “الآن أنا أعرف أن على المرء ألا يرسم سوى الأشياء فوق الطاولة” (موسوعة الفن الكلاسيكي)

جوهر المعنى والإدراك

في مقتطفات من دراسته اللاحقة عن الرسام الفرنسي بول سيزان (1839-1906) تنعكس منهجية المفكر ميرلو-بونتي في إضاءتها لعنصرين ظلا موضع اهتمامه طوال حياته: جوهر المعنى والإدراك.

وتكمن أهمية الرسام سيزان للفيلسوف الفرنسي بونتي في كونه فتح الباب للرسامين بابلو بيكاسو وجورج براك للخروج عن مسار الفن التشكيلي بابتكارهما للفن التكعيبي منذ أوائل القرن الـ20، وهذا ما آل إلى انفتاح واسع في طرائق التعبير الفني بعيداً من الأسلوب الذي ظل يحاول تقليد العالم الخارجي بشكل أو بآخر.

لعل التغيير الذي حققه سيزان في ميدان الفن التشكيلي يشبه كثيراً ذلك التغيير الجوهري الذي تحقق في الموسيقى الكلاسيكية على يد بيتهوفن، إذ أصبحت منذ أوائل القرن التاسع وسيلة للتعبير عن ميادين المشاعر والأفكار التي تدور في روح الموسيقار نفسه باستخدام بناء موسيقي مخالف لما كان سائد قبله.

وفي كتابه “المعنى واللامعنى” خصص بونتي فصلاً عن سيزان عنونه بـ”شكوك سيزان” نقرأ جزءاً مترجماً منه نستكشف من خلال تحليله الملامح الجوهرية لثورته الكوبرنيكية في مجال الفن التشكيلي بشكل عام والرسم بشكل خاص:

عبقرية سيزان التي تجعل من التشكيل الفني للوحة ككل يظهر للجميع، من دون أن تكون التحريفات المنظورية مرئية في حد ذاتها (موسوعة الفن الكلاسيكي)

عن الشعور والفكرة

كان سيزان راغبا في العودة إلى رسم الأشياء المادية من دون التخلي عن جماليات الفنان الانطباعي الذي يأخذ الطبيعة موديلاً، لذلك كانت رسومه تحمل المفارقة التالية: من جانب، كان ينقل الواقع على لوحاته من دون التخلي عن السطح الذي يمنح متعة حسية للعين، ومن دون رسم أي خط كفافي يطوق اللون، ومن دون ترتيب منظوري أو صوري للأشياء في اللوحة. هذا ما دعاه الرسام والكاتب إميل برنارد انتحار سيزان: التوجه نحو الواقع بينما هو يحرم نفسه من الوسائل التي تساعده على التعبير عن هذا الواقع فنياً، فالأكواب والصحون على المائدة يجب أن تظهر للعين، من جانب واحد، بيضاوية، لكن رسوم سيزان تظهر جانبي هذه الأجسام كأنها مضخمة وممطوطة.

لم يفكر سيزان بأن عليه أن يختار بين الشعور والفكرة، بين النظام والفوضى. فهو لم يكن يريد أن يفصل بين الأشياء المستقرة التي نراها والطريقة التي يتم بواسطتها حرف هذه الأشياء، حرفا قوياً، من حيث الكيفية التي تظهر بها أمامنا، لذلك أراد أن يصور المادة مثلما تظهر كشكل، ولادة النظام من خلال التنظيم العفوي. فهو يقيم تمايزاً أولياً ليس بين “الأحاسيس” و”الإدراك” لكن بالأحرى بين التنظيم العفوي للأشياء التي ندركها والتنظيم البشري للأفكار والعلوم. نحن نرى الأشياء، نحن نقبل بها، نحن متجذرون فيها، وهي مع “الطبيعة” تشكل الأرضية التي نبني عليها علومنا. أراد سيزان أن يرسم ذلك العالم الأصلي، لذلك تبدو لوحاته كأنها تظهر الطبيعة بشكلها النقي، بينما تسعى الصور الفوتوغرافية لنفس المناظر أن توحي بعمل الإنسان ووسائل راحته وحضوره الوشيك.

ببقائه مخلصاً لهذا الظاهرة عبر بحوثه حول المنظور، اكتشف سيزان ما توصل إليه علماء النفس في الفترة الأخيرة: المنظور الحي الذي نلاحظه حقاً هو ليس منظوراً هندسياً أو فوتوغرافياً. فالأشياء القريبة منا تبدو أصغر، وتلك البعيدة نراها أكبر مما تظهر عليه في الصورة الفوتوغرافية.

إنها عبقرية سيزان التي تجعل من التشكيل الفني للوحة ككل يظهر للجميع، من دون أن تكون التحريفات المنظورية مرئية في حد ذاتها، بل بالأحرى تسهم هذه التحريفات، مثلما في الرؤية الطبيعية، في طبع ظهور النظام الذي يحكم الجسم المرئي أثناء ظهوره وتنظيم نفسه أمام أعيننا. بالطريقة نفسها، تكون تقاطيع الجسم المرئي المتخيل كخط يحيط بالجسم وينتمي لا إلى العالم المرئي بل إلى الهندسة. فإذا حدد المرء شكل تفاحة بخط مستمر، فإنه في هذه الحالة يكون قد جعل الشيء يتلبس شكلاً، بينما التقاطيع هي بالأحرى الخط الخيالي الذي نحوه تتراجع جوانب التفاحة إلى الخلف لتشكل عمق الجسم. لذلك يجب أن يكون الخط الكفافي ناجماً عن الألوان إذا كان يجب تمثيل العالم بكثافته الحقيقية، فالعالم هو كتلة من دون فجوات، نظام من الألوان عبره يكون المنظور المتراجع والخطوط الكفافية والزوايا والمنحنيات منقوشة فوقه كأنها خطوط القوة، والتركيب الفراغي يبدأ بالتذبذب مع تشكيله.

الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو-بونتي (غيتي)

بين اللمس والنظر

لم يحاول سيزان استخدام اللون لخلق أحاسيس لمسية تمنح شكلاً وعمقاً. هذه الفروق بين اللمس والنظر غير معروفة في الإدراك الحسي الأصلي. إنه فقط بفضل علم جسم الإنسان بدأنا نميز بين حواسنا. إذ لم يعد اكتشاف الجسم الحي أو رسمه على أساس خصائص الحواس، بل بالأحرى يقدم نفسه لنا منذ البدء كمركز منه تشع الخصائص. نحن لا نرى نعومة الأجسام وهشاشتها وصلابتها وعمقها فحسب، بل إن سيزان ادعى أننا نرى حتى رائحتها. فإذا كان الرسام يريد التعبير عن العالم، فإن ترتيب ألوانه يجب أن يحمل معه ذلك الكل غير القابل على الانقسام، وفي حال عدم تحقق ذلك فإن اللوحة ستلمح فقط بالأشياء من دون أن تظهر وحدتها المهيبة، الوجود الذي هو الذروة التي لا يمكن تجاوزها، والتي بالنسبة إلينا ما يعنيه الواقع. لذلك كان على كل ضربة فرشاة أن تحقق شروطاً لا متناهية. كان سيزان يمضي ساعات من التفكير قبل أن يوجه ضربة فرشاة معينة، وبحسب ما قاله برنارد، كل ضربة يجب أن “تحوي الهواء والضوء والشيء المرئي والتشكيل والشخصية والخط الكفافي والأسلوب.” فالتعبير عما هو موجود مهمة لا متناهية.

في رواية “جلد الحزن” يصف بلزاك سماط طاولة أبيض كأنه طبقة خفيفة من ثلج سقط تواً، وفوقه تتصاعد الأشياء بشكل متناسق ومتوجة بثنيات بيضاء. قال سيزان للرسام والكاتب الفرنسي إميل برنارد: “خلال كل فترة شبابي حاولت أن أرسم ذلك السماط المكون من ثلج متساقط حديثاً…الآن أنا أعرف أن على المرء ألا يرسم سوى الأشياء فوق الطاولة وهي تنمو بشكل متناسق مع الثنيات البيضاء. إذا تمكنت من رسم الثنيات فأنا أكون قد وصلت إلى هدفي. هل تدرك ذلك؟ لكنني إذا خلقت توازناً حقيقياً وظللت أشيائي وثنياتي مثلما هي في الطبيعة فآنذاك ستكون التيجان والثلج وكل العناصر الجميلة هناك أيضاً”.

اوحة “لاعبو الورق” لبول سيزان (موسوعة الفن الكلاسيكي)

عالم بلا عاطفة

نحن نعيش وسط الأشياء التي خلقها الإنسان، بين الأدوات، وفي البيوت والشوارع والمدن وفي غالب الوقت نحن لا نراها إلا من خلال نشاط الإنسان التي يضعها للاستعمال. نحن نصبح معتادين أكثر على التفكير بأن كل ما هو موجود ضروري وغير قابل للتزعزع. لكن لوحة سيزان تعلق كل عادات التفكير هذه لتكشف الأساس غير البشري للطبيعة التي فرض الإنسان نفسه عليها. لذلك تبدو شخصيات سيزان غريبة كأنما ينظر إليها من جنس آخر. بل حتى الطبيعة نفسها منزوعة عنها تلك الصفات التي تجعلها جاهزة للمشاركة الروحية، فليس هناك ريح في المشهد الطبيعي، ولا حركة هناك في بحيرة آنيسي، وتلك الأشياء المجمدة تتردد في حركتها كأنها في بدء تكون العالم. إنه عالم غريب لا يشعر المرء فيه بالراحة وخال من تلك العاطفة المسرفة. فإذا نظر المرء إلى لوحات رسامين آخرين بعد مشاهدته بعض أعمال سيزان فإنه سيشعر بالاسترخاء مثل عودة الحوار بعد فترة حداد، لكن ذلك لا يمكن أن يحققه إلا إنسان قادر على رؤية كهذه تخترق جذر الأشياء القائمة تحت سطح الوضع البشري المفروض.

أفضل تجسيد لهذه الرؤية تصريح إميل برنارد بأن سيزان لا يرى الفنان الواقعي إلا قرداً مقلداً، لذلك فهو معاكس للحقيقة تماماً، وبإمكان المرء أن يرى كيف أن سيزان كان قادراً على إعادة إحياء التعريف الكلاسيكي للفن بأنه إنسان مضاف إلى الطبيعة.

الرسام يعيد إمساك وتحويل ما سيظل لولاه مغلقاً داخل وعي كل إنسان، إلى أشياء مرئية: ذبذبة المظاهر التي هي مهد الأشياء. هناك عاطفة واحدة ممكنة لهذا الرسام، الشعور بالرغبة، وهناك غنائية واحدة، إنها الولادة المستمرة للوجود.

المزيد عن: الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو-بونتي الرسام الفرنسي بول سيزان بابلو بيكاسو الفن التشكيلي

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00