مشهد من _الإيرلندي_ (2019) (موقع الفيلم) ثقافة و فنون صورة أميركا في “إيرلندي” الإيطالي سكورسيزي by admin 12 November، 2025 written by admin 12 November، 2025 53 بين حياة المجرمين الصغار وضخامة الأحداث التي تصنع تاريخ العالم الجديد اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب قد يحدث في بعض الأحيان للمرء وهو يستعيد في ذاكرته بعض المشاهد/ المفاتيح من فيلم “الإيرلندي” للمخرج مارتن سكورسيزي، أن تتوه به الذاكرة فتحل صورة هذا الأخير محل صورة بطل فيلمه روبرت دي نيرو وهو يلعب دور فرانك شيهان، عضو عصابات المافيا وهو جالس بكل هدوء واتزان في غرفة مخصصة له في المأوى الذي انتهت حاله إليه بعد تلك الساعات الثلاث والنصف التي يستغرقها عرض الفيلم. وهي على أية فترة زمنية تصور لنا نحو نصف قرن من تاريخ شخصية شيهان. وليس من الصعب تصور السبب الذي يجعل ذلك التبادل ممكناً، غير أنه ليس السبب الوحيد. وذلك على رغم أن ليس ثمة في الفيلم، من الناحية المبدئية، ما يتعلق بحياة سكورسيزي في الفيلم. ثم أن دي نيرو يلعب في الفيلم دور شيهان الإيرلندي الأصل، لكن سكورسيزي إيطالي الأصل. وشيهان قاتل بالأجرة، وسكورسيزي ليس قاتلاً بالأجرة أو من دون أجرة. صحيح أنه قتل كثراً في نحو دزينتين من أفلام حققها حتى الآن، ولكن ذلك كان تمثيلاً في تمثيل. أما شيهان فقتل أكثر من ذلك بكثير قتلاً حقيقياً لأن تلك كانت مهنته حتى وإن قال له مستأجره باهتمام “لقد قيل لي أنك تطلي جدران البيوت” فوافقه القاتل الفتي حينها على أن تلك هي مهنته بالنظر إلى أن تلك العبارة ليست أكثر من تورية لحقيقة المهنة التي يمارسها شيهان. ويبقى هنا أن الخلط في ذهنية شخص ما بين سكورسيزي وروبرت دي نيرو، والدور الذي يلعبه هذا الأخير في الفيلم، إنما يتأتى من تلك الذاتية المدهشة التي اعتاد ذاك الذي يلقب الآن بأكبر سينمائي أميركي حي، أن يسبغها على سينماه، بحيث أتى “الإيرلندي” أشبه بوصية سينمائية يريد أن يتركها لنا مارتن سكورسيزي في فيلم كان يفترضه الأخير بين أفلامه. مارتن سكورسيزي: استحواذ ما (الموسوعة البريطانية) سيرة وعدة أبطال والحقيقة أننا في حديثنا عن فيلم مثل “الإيرلندي” يجدر بنا قبل أي شيء آخر أن نبدأ من العنوان. فهنا وعلى عكس ما يحدث عادة مع مثل هذا النوع من العناوين حيث يكون العنوان تعريفياً، يبدو لنا العنوان هنا نوعاً من فعل استثناء. وهو في هذا يخص سينما سكورسيزي نفسه. فإذا كان من المعتاد لديه أن يكون أبطاله إيطاليي الأصل – مع استثناء هام هو بطل بل معظم شخصيات “عصابات نيويورك” – من هنا تبرز مجموعة الممثلين الذين اعتادوا العمل في أفلام هذا النيويوركي ابن “ليتل إيتالي”، والذين يبرز قدر كبير من التماهي بينهم وبين مخرجهم الذي سرعان ما يضحي صديقهم، بل يشركهم معه في بطولة أفلام لا تكون شخصياتها الأساسية من ذوي الأصول الإيطالية. وهذا ليس أمراً هامشياً هنا بالتأكيد. ومن هنا، حين يعنون سكورسيزي فيلمه، “الإيرلندي”، يحدد منذ البداية كونه غير إيطالي، حتى وإن كان سينضم سريعاً إلى المافيا الإيطالية المتأمركة. بوستر فيلم “الإيرلندي” (موقع الفيلم) هاجس المافيا الإيطالية لأن “الإيرلندي” هو أيضاً، وبخاصة ومرة أخرى عن المافيا الإيطالية وما فرانك شيهان سوى دخيل عليها أتى من خارجها، لكنه شارك ودائماً بوصفه أداة تنفيذ صغيرة، في نشاطاتها وجرائمها التي لعبت دوراً كبيراً في التاريخ الأميركي، بما في ذلك المساهمة في تسليح القوات الكوبية المعارضة لكاسترو والتي قامت بغزوة خليج الخنازير الفاشلة. ولكن أيضاً في تلك الجريمة التي هزت الولايات المتحدة عبر “قتل” هوفا الزعيم النقابي الملهم لجيل أو أكثر من قيادات اتحادات سائقي الشاحنات والذي كان يعتبر حينها من أكثر سياسيي “الظل” نفوذاً في التاريخ الأميركي الحديث. صحيح أن مقتل هوفا يبقى واحداً من أكثر الألغاز في التاريخ الإجرامي الأميركي غموضاً، لكن حضوره في الفيلم (حيث يلعب دوره بروعة، الإيطالي الأصل هو الآخر آل باتشينو الذي يفاجأ المرء بأنه يلعب للمرة الأولى تحت إدارة سكورسيزي بعدما كان يعتقد أنه جزء من العائلة السكورسيزية). مهما يكن فإن باتشينو يبدو هنا جزءاً أساسياً من العائلة ما يعيدنا إلى تماهي سكورسيزي مع فيلم ليس هو أكثر من مخرج فيه. لكنه كدأبه دائماً هو مخرجه الذي يستحوذ عليه بالكامل حتى وإن كان الفيلم مقتبساً عن حكاية فرانك شيهان، كما كتبها محاميه ريتشارد برنت الذي لا يظهر في الفيلم، لكن طيفه منتشر فيه من أوله إلى آخره حاضراً خفياً من خلال ما يبدو دائماً وكأن شيهان يوجه الكلام إليه محملاً إياه وصيته التي في صلب لعبة سكورسيزي الحاذقة ستبدو وكأنها وصية سكورسيزي نفسه. ما يعيدنا إلى ما انطلقنا منه أول هذا الكلام. الصغار في تاريخ الكبار في الحقيقة إن الكتاب الذي اقتبسه ستيفن زيليان لفيلم سكورسيزي والذي يحمل أصلاً عنوان “قيل لي أنك تطلي البيوت”، يروي حكاية شيهان من دون أن يجعل منه بطلاً استثنائياً أو حتى مجرماً ذا شأن. فهو في نهاية الأمر مجرد قاتل صغير تدرج من سائق شاحنة لحوم إلى رجل يحمل مسدسات ويعمل في خدمة من ينقده أجره. ومن هنا كانت الخيانة بالنسبة إليه مجرد قاعدة من قواعد العمل. والتكتم قاعدة أخرى. وتبدية الواجب حتى على الحياة العائلية قاعدة ثالثة. وهكذا حتى في “اعترافات” شيهان، أمام محاميه، لا نجده يكشف أسراراً ولا حتى يبدي ندماً. لقد عاش وانتهى في المأوى رجل ظل لا يهتم بما يفعل أو بمن يقتل. أما نحن فإننا على سبيل المثال، لن نفهم أبداً لماذا كان روبرت كنيدي يكرهه. ومنذا الذي قتل هوفا. وما إذا كان هوفا قد قتل حقاً. بل سيبدو لنا في نهاية الأمر أنطولوجيا المشهد الأخير في الفيلم، وهو على أية حال المشهد الافتتاحي نفسه حيث بعدما في الافتتاحي انطلقنا مع شيهان نسبر تاريخه وحياته، ها نحن هنا في المشهد الختامي نتلقى وصيته، وبواسطة توجيهه الخطاب إلى محاميه غير المرئي الذي إذ يغادر الغرفة وقد أذنت حياة شيهان بالنهاية، يترك “بطلنا” جالساً ولا نراه إلا من فتحة الباب صامتاً راضياً مستسلماً. لقد انتهت حياة عادية مضت في عالم الكبار وتاريخ الحضارة التي صنعت أيضاً من الإجرام والخيانات واللحظات الحلوة والمرة. المزيد عن: مارتن سكورسيزيفيلم الإيرلنديروبرت دي نيروالمافيا الإيطاليةآل باتشينو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post التصوف: رحلة الروح عبر الأديان والتاريخ next post استعادة اسئلة الفيلسوف كارل بوبر عن القيم المهددة You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026