لوحة تراثية تمثل قيس وليلى (متحف باكو) ثقافة و فنون شوقي بزيع يروي غواية العشق في حياة المبدعين by admin 5 September، 2025 written by admin 5 September، 2025 113 لا يقارب القصص من زاوية الصواب والخطأ ولا يحاكم العشاق أخلاقياً بل يطرح أسئلة إشكالية اندبندنت عربية / سارة النمس في كتابه الجديد “المبدعون عشاقاً”، يقدم الشاعر شوقي بزيع لقرائه مقاربة أدبية عشقية تتمثل في كتاب عن قصص حب لم تكتمل في حياة المبدعين. يبدو توقيت صدور هذا الكتاب عن دار المدى مناسباً، إذ جاء في زمن عصيب نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى الحب، زمن أفسدته الحروب والأوبئة وطغت عليه النزعة المادية للإنسان حتى فقد الحب قيمته وطقوسه وأضحى سريعاً، باهتاً ومبتذلاً، ينطفئ ويخبو بالسرعة التي اشتعل بها. ويظل موضوع الحب مثيراً للاهتمام في الأدب والسينما والعلوم الإنسانية، لا سيما حين يتعلق بمبدعين تركوا إرثاً أدبياً وفكرياً خالداً، وظلت حياتهم الخاصة محل فضول القراء في سيرهم الذاتية ورسائلهم المتبادلة. اختار شوقي بزيع في هذا الكتاب الإضاءة على قصص عشق لم تكتمل، معبراً عن ذلك في العنوان الفرعي: “فتنة اللاممتلك وسحر المنادى الغائب”، وهو عنوان يختلف عن كتابه الأول ويضعه في سياق معاكس “زواج المبدعين، ثراء المتخيل وفقر الواقع” في إشارة واضحة إلى أن ما تحمله علاقة الزواج التقليدية من أعباء قاتلة للإبداع، يمكن لحب لم يكتمل أن ينقذه ويحييه. فهو وصفهم في مقدمته بالذين عثروا على ضالتهم خارج الأقفاص الضيقة للمؤسسات، ورأوا في الحب والوله العاطفي، لا في الصكوك والمواثيق المكتوبة، ما يكفل لعلاقتهم بالآخر المعشوق المشروعية الأخلاقية التي تحتاج إليها”. الكتاب الجديد (دار المدى) وينوه بزيع إلى أنه لا يقارب القصص من زاوية الصواب والخطأ، ولن يحاكم المبدعين أخلاقياً، لأن لكل علاقة ظروفها وخلفياتها ومسرحها الخاص، وهو ليس معنياً بتقديم أجوبة يقينية حول الحب وإشكالياته بقدر ما هو معني بطرح أسئلة عن علاقة العشق بالإبداع. بين القص والتحليل والتأمل يبدو كتاب “المبدعون عشاقاً” في طريقة سرده أقرب إلى مجموعة قصصية كتبت بأسلوب بحثي، غير أن ما يتميز هو لغته الرفيعة وانسيابيتها الشاعرية، والنفس القصصي الذي يضبط إيقاع الحكاية فيجعلها ممتعة ومشوقة للقراءة. في كل فصل، يتبع شوقي بزيع نسقاً موحداً إذ يبدأ بميلاد المبدع ونبذة عامة عن طفولته وعلاقاته السابقة ومنجزه الإبداعي، ثم يغوص في قصة الحب الرئيسة. ومع أن هذا الإطار يتكرر من حيث التشابه البنيوي، فإن كل حكاية تحتفظ بخصوصيتها، بحكم تبدل الظروف ومسارات الحياة، وهو ما يضفي عنصر تجديد مستمر، ويثير فضول القارئ في شأن الثنائي التالي، وكأنه يعبر سلسلة من الأبواب المتعاقبة، يغلق أحدها ليفتح آخر على وجوه وزمن وأمكنة جديدة. ولعل أقوى ما يُغري في القراءة، هو ذلك التنوع الواسع في الحكايات بين شعراء وروائيين ومفكرين وفلاسفة، وبين شخصيات عربية وأخرى عالمية، بين من عاش أهوال الحربين العالميتين، ومن عاش في القرن الـ19 أو قبله بكثير. يمضي شوقي بزيع في تتبع هذه الحكايات حتى يصل إلى الأندلس وعصر الحكم الأموي، ثم يعود إلى أساطير الحب العربية الأولى مثل قصة ليلى وقيس بن الملوح وجميل وبثينة. ويتجاوز هذا التنوع حدود الأزمنة ليشمل تعدد لغات الحب نفسه، من العذري والأفلاطوني إلى الشاعري والغريزي وصولاً إلى الفكري والفلسفي. وهكذا تكتب كل قصة بصمتها المتجددة التي تحمي الكتاب من الرتابة والتكرار. الشاعر شوقي بزيع (صفحة الشاعر – فيسبوك) يعود ذلك إلى براعة بزيع الذي يجدل الحكايات مثل ضفيرة من أفكار متسلسلة ومتشابكة وتعليقات لافتة، تشرك المتلقي في التساؤل. لا يكتفي بسرد سيرة المبدع وقصة حبه مع بطلة الحكاية بمعزل عن تاريخه العاطفي السابق، بل يدرج في كل مرة اقتباسات من القصائد، الحوارات أو الرسائل، تستحضر روح العاشق الغائب وتكمل السرد بصوته. وأحياناً، يتدخل الكاتب بتعليقات أو أسئلة كما في حديثه عن العقاد وهو يستعيد عدد مؤلفاته التي فاقت المئة، متسائلاً كيف اتسعت حياته لإنجاز هذا الكم من المصنفات، وأي وقت كان يقتطعه للاهتمام بالمرأة والحب. مقاربات سيكولوجية يتضح منذ الصفحات الأولى تأثر الشاعر شوقي بزيع بثقافة علم النفس، فهو يركز بإلحاح على مرحلة الطفولة لكل مبدع باعتبارها الجذر التأسيسي للعيش والبوصلة الأصلية لتحديد وجهة سير الحياة برمتها. يبرز ذلك في حديثه عن أناييس نن حين يقول: “قد يكون التخلي المفاجئ لوالد أناييس عن عائلته وتركها للمجهول هو الجرح المؤسس لتعاسة الطفلة التي عبرت فيما بعد عن مأساتها المبكرة بالقول إنها كانت ممسوسة بحالة مرعبة من الوعي الذاتي”. وعلى النحو نفسه يفسر تعلق الشاعر اللبناني إلياس أبو شبكة بليلى العظم وهي امرأة متزوجة، بقوله، “ما كان يهمه البحث عن الطاقة الخلاقة التي تمده بأسباب الكتابة، والتي يوفرها له نوعان من العلاقات يتصل أولهما بلذة المعصية، وثانيهما بمجازفة الخيانة التي تربط حدود الخطر بحدود الابداع”. وعند الحديث عن الكاتب ميخائيل نعيمة، يربط نزوعه إلى العفة والطهرانية بخوفه المتأصل من فكرة الخطيئة والدنس الجسدي، وهو خوف رسخته البيئة المحافظة والتعاليم اللاهوتية الأرثوذكسية. وبعد أن يسرد علاقاته العاطفية المتعددة، يعود شوقي بزيع متسائلاً: “من حقنا أن نتساءل عما إذا كانت الصدف وحدها هي التي جعلت علاقاته العاطفية محصورة بنساء متزوجات أم أن دوافع وأسباباً شخصية وبسيكولوجية عميقة تقف وراء ذلك؟”. يتعرض شوقي بزيع في سير المبدعين أيضاً لعلاقاتهم العائلية، اضطرابها مع أحد الوالدين، أو واقع اليُتم، الفقر أو التعنيف، ويبين أثر ذلك في خيارات الحب والارتباط والخيانة. هكذا يبني الكاتب مقاربة تمزج بين الميكانيزمات النفسية والتفاعلات الذهنية التي تشكل علاقاتهم العاطفية، مما منح العمل بعداً سيكولوجياً بارزاً يجعلنا نتأمل حكايات الحب من منظور تحليلي، يبدأ من جذور تكوين المبدع العاشق، وصولاً إلى ما تؤول إليه العلاقة بمحبوبته. وهو بذلك يجعل بعض الخيارات مفهومة ومبررة إذا ما نظرنا إلى الوضع النفسي المعقد للمبدع وحاجاته العاطفية، إضافة إلى تركيبة الطرف الآخر الذي قد لا يقل تعقيداً عنه. لا يكتفي بزيع بالمقاربة النفسية لشخصيات المبدعين من أجل التوصل إلى الفهم الدقيق لطبيعة العلاقة، ولكنه يقيم الاعتبار لكل الظروف المحيطة بها، كما فعل في تناوله قصة ولادة بنت المستكفي مع ابن زيدون، مؤكداً أن أي مقاربة معمقة للعلاقة بين ولادة وابن زيدون يصعب أن تتم في إطار التكوين النفسي والسلوكي للطرفين فحسب، بل لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار الخلفية السياسية والاجتماعية والثقافية لتلك العلاقة الفريدة التي أسهم في تعقيدها مسرحها المأزوم على صعيد الزمان والمكان والجغرافيا الرجراجة. مع انتهاء حكايات الحب وموت أصحابها، تبقى بعض القصص غامضة ومبتورة، بلا تفاصيل كاملة أو شهادات كافية. مع ذلك تلهمنا فكرة الكتاب عموماً بضرورة العودة إلى الحب كقبلة للإبداع ومعنى للحياة في عالم يفقد جدواه يوماً بعد يوم. يختتم كتاب “المبدعون عشاقاً” هذه الرحلات العاطفية عبر العالم بأجمل قصص الحب العربية تتخللها أبيات وقصائد، في محاولة لأن يظل الحب نوراً يهتدي به العشاق والقراء. المزيد عن: المبدعونالعشاقكتابالغوايةالأخلاقشاعرجو قصصيالصوابالخطأ 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الطفلة الفلسطينية المستغيثة هند تهز “البندقية” next post بعد حظر طلاء الأظافر في بعض الدول، ما البديل الآمن؟ You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026