ثقافة و فنون شكسبير بين الصحوة والهوية: هل يحتاج إرثه إلى إعادة تأهيل؟ by admin 5 أبريل، 2025 written by admin 5 أبريل، 2025 9 إعادة قراءة شكسبير من منظور “اجتثاث الاستعمار” من مؤلفاته فكرة لا تستقيم لسبب جوهري، فقد أصبح انتقاده أشبه بهواية وطنية، تكشف عن سوء فهم عميق لطبيعة شكسبير الحقيقية، سواء ككاتب أو كفنان اندبندنت عربية / روبرت ماكرام روبرت ماكرم مؤلف كتاب “شكسبيري: عن الحياة واللغة في أوقات الاضطراب” الصادر عن منشورات “بيكادور” لا شك أن هناك أمراً “فاسداً في مملكة الدنمارك” على حد تعبير شكسبير، عندما تبرز إحدى الصحف الشعبية البريطانية عنواناً صادماً بالبنط العريض على صفحتها الأولى “الصحوة وجولييت”. لكن ما الذي يجري بالضبط؟ في الظاهر، يتعلق الأمر برفض “تحذيرات المحتوى الحساس” في مسرح غلوب، لكن هذا الهجوم الإعلامي يأتي في سياق أوسع وأشد سخونة من الجدل الدائر حول إرث شكسبير. على مدى أعوام يتصاعد صوت المطالبين بإعادة النظر في المناهج التعليمية والدعوة إلى “تدريس شكسبير بصورة مختلفة”. أو كما قال أحد المعلمين بتعبير مراوغ، فإن الهدف هو “تعليم الطلاب، من خلال الأدب، كيفية تحدي الوضع الراهن”. وخلال هذا الأسبوع، أعلنت مؤسسة الموروث الثقافي لـشكسبير -وهي مؤسسة بحثية وترويجية ذات مقاصد نبيلة- عن نيتها “إزالة الطابع الاستعماري عن مجموعات متحفها”، رداً على الادعاءات بأن إرث الكاتب المسرحي يعزز “تفوق العرق الأبيض“. يبدو الأمر وكأنه المعركة الأخيرة لحركة “اليقظة”. مواجهة فكرية بين المدافعين المحافظين عن تقاليد أدبية مقدسة، أولئك الذين يسخرون من هذه الانتقادات بوصفها “هراء صرفاً”، وبين من يعدون شكسبير رمزاً “عالمياً” ينبغي تفكيكه، بقيادة هيلين هوبكنز من جامعة برمنغهام، التي أعدت أحدث تقرير حول إزالة الطابع الاستعماري عن إرثه. كل هذا، كما كان سيعبر عنه الشاعر نفسه، هو “جليد ساخن وثلوج غريبة وعجيبة”. دعوني أركز على الممارسة أولاً ثم أقدم تفسيراً لها. وكان شكسبير نفسه سينظر إلى هذا الجدل بتعبير مليء بالتشكك، مع قليل من الدهشة. فبصفته أشهر وأعظم كاتب مسرحي في إنجلترا في عهد إليزابيث الأولى، كان بعيداً من الانشغال التام بالأحداث الجارية، وبخاصة من منظور معايير القرن الـ21، إذ لم يكن مشغولاً بجوائز الكتب أو المهرجانات الأدبية أو غيرها. لكن هذا لا يعني أنه كان شخصاً متهاوناً. كان كل يوم من حياته العملية، وهو راشد، مكرساً إما لإدارة مسرح “ذا غلوب”، أو كتابة مسرحيتين أو أكثر خلال العام، إلى جانب أعماله الشعرية مثل “السوناتات المحلاة” التي كان يهديها إلى رعاته من الأرستقراطيين وأبناء العائلات الملكية. ومع ذلك، لم يبدأ شكسبير في إيلاء اهتمام كبير لإصدارات أعماله المطبوعة إلا عندما دخل العقد الثاني من مسيرته الأدبية. وقد كانت هذه الطبعات الأولية المعروفة باسم الـ”كواترو”، متأخرة في تعريفها لـ”ويليام شكسبير”. وكما ذكر ستيفن غرينبلات، مؤلف كتاب “ويل في العالم”، فإن شكسبير كان يكتب دائماً “كما لو أنه كان يعتقد بوجود أشياء في الحياة أكثر إثارة للاهتمام (أو في الأقل أكثر دراماتيكية) من كتابة المسرحيات”. لا يمكننا بأية حال من الأحوال تجاهل الهيمنة المطلقة لشكسبير كشاعر وكاتب مسرحي. فحتى بن جونسون، منافسه الأكثر اجتهاداً، اضطر للاعتراف عند نشر أول إصدار كامل لأعمال شكسبير خلال عام 1623 بأن معاصره العظيم كان “روح العصر”. “شكسبير تعهد بالولاء لمهنته وفنه، ولن يحنث أبداً بهذا العهد” (غيتي) وخلال وقت لاحق، سيكون الشاعر الفيكتوري الكبير ماثيو أرنولد هو من أعلن قائلاً “الآخرون يخضعون للتساؤلات، أما أنت فحر”. لكن عذراً، في “مؤسسة الموروث الثقافي لـشكسبير”، فإنه ليس كذلك. وهذا ما يجب علينا ملاحظته، إنه ليس أمراً جديداً بل متكرر كثيراً. وتيمناً بما تقوله شخصية كاليبان في مسرحية “العاصفة”، فقد تعرض شكسبير لـ”الحصار والتقييد من قبل وكان دائماً عرضة لتقلبات الزمن”. كانت الـ200 عام الأولى بعد وفاة شكسبير مليئة بمحاولات متتالية للتدخل في إرثه الأدبي، أولاها مع الثورة البيوريتانية التي حاربت أعماله وحظرتها، تلتها أجيال أخرى من المحافظين الأخلاقيين الذين رأوا في أعماله فظاظة مبتذلة يجب تنقيحها. ومن حيث المزاج، إن لم يكن من حيث الجوهر، فالتوجهات الأخيرة لحركة الصحوة التي تدافع عنها جامعة برمنغهام ستجد نقاط نقاش مشتركة كثيرة مع الكاتب المسرحي الإيرلندي ناهوم تيت الذي اشتهر بابتكار نهاية سعيدة لمسرحية “الملك لير”، إذ تتزوج كورديليا من إدغار. ولم يكن تيت وحده في ذلك، إذ قام الشاعر الرسمي للملك جون درايدن بتقديم نسخة الجزيرة المسحورة كمسرحية كوميدية من مسرحية العاصفة. وفي هذا السياق، يقتصر منظور “المنادين بإزالة الملامح الاستعمارية” على رؤية هذه المسرحيات من زاوية ضيقة. ومن المؤكد أن بعض تعليقاتهم غير المرتبطة بالواقع ستثير غضب الطبقات الوسطى في إنجلترا. ولكن بالنسبة للبروفيسور جيمس شابيرو، الكاتب الأميركي صاحب الدراسات الأكثر مبيعاً حول شكسبير، فإن هذه الفترات التي تشهد تغييرات في طريقة فهمنا لأعمال شكسبير تمثل فرصة مهمة لتجديد وتحديث هذه الأعمال بما يتناسب والعصر الحالي. ويقول “يتم الاحتفاء بـشكسبير، وما يحدث الآن مثير. نحن الآن في فترة أصبحت مسألة العرق مهمة… بالنسبة لأولئك الذين يشتكون ويتألمون من التركيز الحالي، أقول لهم انتظروا 10 أعوام”. وفي الواقع، تناولت مسارح لندن بالفعل بعض القضايا التي يثيرها من يعرفون بـ”المنادين بإزالة الاستعمار” من قبل مخرجين شباب مبتكرين. فخلال عام 2024 شهدت النسخة التي قدمت على خشبة مسرح دونمار من مسرحية “ماكبث” بيع كامل التذاكر، إذ تألقت الممثلة السوداء كوش جمبو في دور “ليدي ماكبث”، مع توزيع الأدوار بصورة تتجاوز التمييز العرقي. كما أن مسرح “ذا غلوب” لا يفوت أبداً فرصة لإعادة تفسير أعمال شكسبير وإعادة تشكيلها من خلال منظور تقدمي. لكن بالنظر إلى مكانة شكسبير الموقرة أمام الجماهير في الصين واليابان والشرق الأوسط وأميركا الشمالية والجنوبية ومعظم أوروبا، يصبح من الصعب عدم استنتاج أن هناك نبرة محزنة من “ضيق الأفق الإنجليزي” في بعض حجج هؤلاء المنادين بإزالة الاستعمار. وعلاوة على ذلك، فإن قيود سياسات الهوية التي تفرض على بعض إنتاجات مؤسسة شكسبير الملكية أو المسرح الوطني، تتجاهل مدى تقدير الجماهير غير الإنجليزية لبعض إنتاجاتنا، لأنها تجسد الروح الإنجليزية الأصيلة. وكان الشاعر الأميركي-البريطاني ويستان هيو أتش أودن يصرح بأن مهمة كتابنا تكمن في “التواصل مع الموتى”، من أجل الدخول في حوار مع الماضي الإبداعي. وقد تواصل شكسبير شخصياً مع سبنسر ومارلو، وتبعهم ميلتون وجونسون وبوب وكيتس وكوليردج، وكانوا جميعهم مأخوذين بشغف لا متناه تجاه شكسبير، وهو اتجاه مستمر حتى يومنا هذا. وبمجرد توقفنا عن تقدير الحوار مع الماضي، نخاطر بأن نجد أنفسنا في حال موت فكري. وفي رأيي، هناك شيء من حسن النية ولكنه مضلل في مبادرة إزالة الاستعمار هذه، والتي تتعارض جذرياً مع ماهية وطبيعة ويليام شكسبير كفنان. لقد كان رجلاً ذكياً للغاية وكاتباً عبقرياً (وهو أمر لا يتطابق بالضرورة مع تمتع المرء بالذكاء) وكان محظوظاً جداً. وعلى رغم بعض السياسات الخطرة التي أحاطت به، لكنه لم يتعرض أبداً للضرب أو لتهديد حقيقي. وعلاوة على ذلك، لم يكن بوسع أحد أن يطالبه بالتخلي عن ذاته أو خيانتها، إذ لم يكن أحد يعلم حقيقتها، ولم يكن هو يفصح عنها. كان شكسبير دائماً، أستاذاً حكيماً في أسلوب “الغموض الجزئي المتعمد”. عبارة “لا تطلب مني شيئاً” التي قالها إياغو في “عطيل“، تشير إلى انغلاق وعزلة الشاعر الذي لا يرحب بالتدقيق في أفكاره أو مشاعره. وظل مخلصاً لكونه كاتباً وفناناً حقيقياً، لا يتبع نوعاً محدداً من السياسة أو الهوية أو غيرهما، بل كان يتقبل تنوع العالم المحيط به بكل شغف. وكانت روحه كشخص نهم فكرياً تجذب كل شيء حوله، مما جعله شخصاً مغرياً وفاتناً، ذكياً ومركباً وحكيماً، وصارت كتبه خير جليس في الأنام بكل صفحة من صفحاتها. لا شك أن شكسبير كان سيجد هؤلاء الداعين إلى اجتثاث الاستعمار مثيرين للحيرة، فقد كانت موهبته الهائلة جزءاً من ذاته، ولم تكن هذه الذات مرهونة أو مكبلة يوماً. ويبدو أنه منذ وقت مبكر جداً تعهد بالولاء لمهنته وفنه، وظل وفياً لهذا العهد حتى النهاية. لم يكن مضطراً لذلك، لأن التزامه بهدية عقله الثمينة و”خياله” اللامحدود وتدفق أفكاره الحرة جعل منه إنساناً حراً، تماماً بالمفهوم الإنجليزي للكلمة. © The Independent المزيد عن: ويليام شكسبيرالصوابية السياسيةالأدب الإنجليزيوليام شكسبير 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “دون كيشوت” الرواية التي تعود دائما بتفسير جديد next post فرح فاوست: مأساة موهبة درامية لم تنل حقها في هوليوود You may also like باحث صيني يروي “التاريخ الكامل لطريق الحرير” 5 أبريل، 2025 حساسية جديدة ووعود في السينما الاردنية الحديثة 5 أبريل، 2025 “دون كيشوت” الرواية التي تعود دائما بتفسير جديد 5 أبريل، 2025 نظرية المؤامرة تحيك قصة “مدينة الأهرام السرية” 5 أبريل، 2025 الحياة تعود إلى قلب بغداد القديمة عبر “بوابة... 5 أبريل، 2025 “رينالدو” أثمن هدية قدمها هاندل لوطنه بالتبني: إنجلترا 4 أبريل، 2025 مهندسة لبنانية ـ فرنسية تضفي رشاقة عصرية على... 4 أبريل، 2025 أفّاق فرنسي يكتب عن “مقبرة الفيلة” بعد ليفنغستون... 4 أبريل، 2025 أنستاس الكرملي رائد البحث في العربية وأخواتها الساميات 4 أبريل، 2025 مرصد كتب “المجلة”… جولة على أحدث إصدارات دور... 3 أبريل، 2025