منطق تقسيم العالم إلى معسكرات في الخطاب الغربي، حيث لا يُرى "الجلاد الحقيقي" إلا في الغرب، لا يستطيع استيعاب أن نظاماً إسلامياً قد يكون طاغيةً أيضاً (غيتي) عرب وعالم شبنم ناسيمي تكتب عن: في الغرب نظرة إلى المتظاهرين الإيرانيين سلبية ومؤامراتية by admin 19 January، 2026 written by admin 19 January، 2026 51 بينما يخاطر الإيرانيون، ولا سيما النساء، بكل شيء من أجل الحرية، يتشبّث كثيرون في الغرب بنظريات المؤامرة ويختارون التشكيك بدل التضامن ويعيدون إنتاج لغة النظام الذي يزعمون أنهم يعارضونه اندبندنت عربية / شبنم ناسيمي شبنم ناسيمي هي الشريكة المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشبكة “أصدقاء النساء الأفغانيات” التي تضم أكثر من 70 منظمة مجتمع مدني تقودها نساء أفغانيات. أول ما يفعله الليبراليون الغربيون ومن يقدّمون أنفسهم بوصفهم “تقدميين” عندما ينهض الناس في إيران للاحتجاج ليس أن يسألوا عمّا يريدونه، بل أن يسألوا: من يقف “خلفهم”؟ وقبل أن تُعرَف حتى أسماء القتلى، وقبل أن يُحصى عدد المعتقلين، تبدأ نظريات المؤامرة: “مدعومون من الصهاينة”. “مدعومون من الولايات المتحدة”. “عملية لوكالة الاستخبارات المركزية”. إنها أسهل طريقة لنزع الشرعية عن أي حركة قبل أن يصغي إليها أحد أصلاً. لقد تعبت من هذا – تعبٌ يأتي من مشاهدة أناس في المنطقة يقاتلون من أجل كرامتهم، ليُصادَر هذا النضال لاحقاً على يد “تقدميين” غربيين يتعاملون مع حياتنا كحواشٍ في نصوصهم الأيديولوجية: وما يزيد المشهد إيلاماً أن النساء يتصدرن، مرة أخرى، واجهة هذه الشجاعة. فالنساء والفتيات الإيرانيات يواجهن نظاماً شيّد جهازاً كاملاً لإخضاع أجسادهن وأصواتهن وخياراتهن. والاحتجاج هنا يتطلب نوعاً خاصاً من الجرأة، لأن عقاب الدولة ليس مجرّداً، بل شخصياً، ومباشراً، وفورياً، وقاتلاً. إن كنت في الغرب وتعيش بأمان وراحة، وتتمتع بحرية الاحتجاج والنشر والتجمع وانتقاد حكومتك من دون أن تختفي في سجن، فعليك أن تحذر من الغطرسة الكامنة في إخبار الإيرانيين بماهية حركتهم “الحقيقية”. هذه الغطرسة ليست محايدة وإنما لها عواقب. فهي تتجاهل أناساً يواجهون دولة استبدادية، وتمنح النظام بالضبط اللغة التي يستخدمها لتبرير القمع: عملاء أجانب، مؤامرات أجنبية، أيادٍ خارجية. أعرف هذا الموقف جيداً لأنني عشته – كامرأة من أفغانستان تتحدث عن “طالبان”. الأشخاص أنفسهم الذين يقلّلون اليوم من شأن الإيرانيين ويصفونهم بأنهم أدوات، كانوا يصفون الأفغان أيضاً بالأدوات. والأشخاص أنفسهم الذين يهمسون اليوم بعبارة “حرب نفسية لتغيير النظام” كانوا، قبل وقت غير بعيد، يهنئون أنفسهم لأنهم وقفوا في “الجانب الصحيح من التاريخ” حين غادر “الناتو” أفغانستان، وكأن نهاية الوجود الغربي تعني تلقائياً بداية العدالة. في يونيو (حزيران) 2022، دُعيت للتحدث في مهرجان “هاي” Hay Festival ضمن حلقة نقاش حول ما إذا كان ينبغي على الغرب أن يغادر أفغانستان. وكان أحد المشاركين الآخرين من حركة “أوقفوا الحرب”، وقاطعني مرات عدة بينما كنت أحاول شرح ما تعنيه عودة “طالبان” على المستوى الإنساني: محو النساء من الحياة العامة، إقصاء الفتيات من المدارس، استهداف الصحافيين، تفكيك المجتمع المدني، وعيش الناس تحت معرفة دائمة بأن كلمة واحدة خاطئة قد تدمّر حياتهم. وكان يصرّ، مرة تلو الأخرى، على أن عودة “طالبان” هي في جوهرها أمر جيد لأن “الناتو” غادر. رجل غربي يقاطع امرأة أفغانية، ويخبرها بما “تحتاجه” بلادها، بثقة شخص لم يكن تعليم أخته يوماً على المحك. شبنم ناسيمي في أفغانستان (شبنم ناسيمي) في لحظة ما، فقدت أعصابي وطلبت منه أن يصمت. قلت له أن يتوقف عن إخبار الأفغان بما تحتاجه أفغانستان. وقلت العبارة التي لا تزال الأهم: إن هذا النوع بالضبط من التعليق هو ما يساعد الطغاة على اكتساب الشرعية، لأنه يعيد تأطير كارثتنا بوصفها انتصاراً أيديولوجياً لكم. هذا بالضبط ما أراه اليوم يتكرر مع إيران. منطق تقسيم العالم إلى معسكرات في الخطاب الغربي – حيث لا يُرى “الجلاد الحقيقي” إلا في الغرب – لا يستطيع استيعاب أن نظاماً إسلامياً قد يكون طاغيةً أيضاً. ويغدو، عاطفياً وسياسياً، اتهام واشنطن أسهل من تسمية العنف الذي تمارسه الجمهورية الإسلامية ضد شعبها. لذلك يلجؤون إلى التهمة الجاهزة التي تقوم بكل العمل: “مدعوم من الخارج”. هذا ليس تحليلاً؛ إنه تخلّ عن المسؤولية. طريقة لادّعاء العمق والنباهة من دون الحاجة إلى الشعور بالمسؤولية. الجزء الأكثر إهانة هو الاتهام الذي يتبع أي مطالبة بالحرية: أنك لا بد أن تكون مؤيداً للتدخل الأميركي. فإذا أراد الإيرانيون حقوقهم، وإذا أراد الأفغان رحيل “طالبان”، يُقال لهم إنهم يهتفون للقنابل والاحتلال والإمبريالية – وكأنهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الخضوع بصمت للطغيان المحلي، أو دعوة الجيوش الغربية. هذه ثنائية زائفة تفرض الوصاية على إنسانيتنا. وهي تقوم على افتراض استعماري عميق: أن شعوب المنطقة لا يمكنها أن ترغب في الحرية بشروطها الخاصة. وأن خيالنا السياسي مستعار. وأن ثوراتنا ليست لنا أبداً. دعوني أقولها بوضوح: الرغبة في العيش تحت دولة لا تضربك، ولا تراقبك، ولا تتحكم بجسدك، ولا تكمّم فمك، ولا تسحق مستقبلك، ليست “موالاة لأميركا”. إنها انحياز للإنسان. يمكنك أن تعارض النزعة العسكرية الغربية وأن تعارض، في الوقت نفسه، الاستبداد المحلي. أما إذا عجزت عن الجمع بين الأمرين، فما لديك ليس موقفاً مبدئياً؛ هو أشبه بتشجيع رياضي لفريق ضد آخر. ونعم، هناك نفاق يجب تسميته. كثير من الناشطين الغربيين يجدون سهولة في التحدث بوضوح أخلاقي عن غزة، لأن الجلاد هناك ينسجم مع القصة التي يعرفون كيف يروونها: استعمار، احتلال، حصار. وعندما كانت غزة تُقصف، وقفتُ مع الأرواح البريئة. تكلمتُ. شاركتُ. حاولتُ أن أقدّم دعماً بما استطعت، لأن التضامن لا يفترض أن يكون انتقائياً. لكن الآن، حين يخرج الإيرانيون إلى الشوارع ويخاطرون بكل شيء في مواجهة دولة استبدادية، أرى صمتاً. بل أرى ما هو أسوأ: أرى أناساً ينقلبون عليهم، ويدّعون أنهم يتقاضون أموالاً من الولايات المتحدة أو إسرائيل – وكأن الشجاعة تحتاج إلى تمويل كي تكون حقيقية. عندما يكون الجلاد نظاماً إسلامياً يقمع شعبه – في إيران أو تحت حكم “طالبان” في أفغانستان – يتبخر الوضوح. يصبح الغضب مشروطاً. ويغدو التضامن انتقائياً. وتتبدل اللغة من “تحرّر” إلى “المسألة معقدة”؟. بل إن بعضهم ينزلق إلى الدفاع عن النظام بوصفه “مناهضاً للإمبريالية”، وكأن مناهضة الإمبريالية درع سحرية يمكن أن تبرر السجون، والإعدامات، وشرطة الأخلاق، والإذلال المنهجي للنساء. إذا لم نُسمّ الأمور بمسمياتها، فلن يبقى الضرر حبيس النقاشات الافتراضية. في كل مرة تقلّل فيها أصوات غربية من شأن المتظاهرين الإيرانيين بوصفهم وكلاء للخارج، فإنها تساعد على عزلهم. وتساعد على تأكيد رواية النظام المفضلة بأن القمع هو دفاع عن النفس. وتخلق بيئة يستطيع فيها الطغاة أن يقولوا – بكل صفاقة – إن كل من يطالب بالكرامة هو عميل للعدو. ثوراتنا ليست بالوكالة عنكم. ليست صنيعة أميركية. وليست مشاريع غربية. إنها ثوراتنا نحن – متجذرة في حزننا، وشجاعتنا، وإنهاكنا، وإصرارنا على حياة تستحق أن تُعاش. لا يحق لكم مصادرتها ثم إعادتها إلينا مرفقة بنظرية. ولا يحق لكم أن تخبرونا بما نحتاجه إليه. © The Independent المزيد عن: إيرانالمظاهرات الإيرانيةالاستبدادنظريات المؤامرةطالبانالاحتجاجات الإيرانية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الولايات المتحدة.. دولة ولدت من حرب أهلية وقوتها حربان عالميتان next post المهمة الصعبة لتفكيك شبكة “الإخوان” المالية You may also like علي بردى يكتب عن: ترمب يتوعد كوبا بعد... 7 March، 2026 أكراد إيران على الجانب العراقي.. ماذا يريدون؟ ومم... 7 March، 2026 (7 أيام من الحرب.) . تسلسل زمني لضربات... 7 March، 2026 “لغز البديل الرابع”.. خطة إيران للصمود في حرب... 7 March، 2026 بلوشستان إيران: الجغرافيا الاستراتيجية وصراع الهوية 7 March، 2026 إسرائيل تستغل حرب إيران لتغيير الوضع في القدس... 7 March، 2026 مصادر كردية: ننسق مع قوى خارجية لدعمنا في... 7 March، 2026 “اتصالات زائفة” باللبنانيين في زمن الحرب وإخلاءات بالجملة 7 March، 2026 لماذا تهاجم الولايات المتحدة إيران؟ 7 March، 2026 الأكراد في إيران: تنظيماتهم وحراكهم السياسي والعسكري 7 March، 2026