امرأة تمر أمام جدارية تصور سيمون بوليفار محرر فنزويلا مع العلم الوطني الفنزويلي وعبارة "يحيا الوطن" (أ ف ب) X FILEعرب وعالم سيمون بوليفار… الليبرتادور يعود من جديد by admin 8 January، 2026 written by admin 8 January، 2026 78 كيف بات إرثه حاضراً في أميركا اللاتينية حتى اليوم؟ وما راهنية تأثيره في فنزويلا؟ اندبندنت عربية في الـ29 من يناير (كانون الثاني) من عام 2019، كان الرئيس الفنزويلي المنتخب، نيكولاس مادورو، يقف ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس لولاية جديدة في البلاد. لاحقاً عقد مادورو مؤتمراً صحافياً مع وسائل الإعلام الأجنبية في قصر “ميرافلوريس” الرئاسي في كاركاس، إذ عرضت صورة لبطل الاستقلال الفنزويلي سيمون بوليفار في العاصمة الفنزويلية، وكأن القصد أن يكون هذا الرمز الأشهر حاضراً بقوة في تلك اللحظات المهمة والحاسمة، لا سيما أن الولايات المتحدة، كانت رفضت الانتخابات الأخيرة، بعد أن استبعد مادورو المعارضين لحكمه. في اليوم التالي بدأ التساؤل، هل يعيش مادورو لحظة سيمون بوليفار من جديد؟ كثيرون في داخل فنزويلا، وحولها في دول أميركا اللاتينية، اعتبروا أن حاكم فنزويلا، نائب هوغو تشافيز والأمين على إرثه، يبدو وكأنه يكرر تحدي سيمون بوليفار قبل 200 عام للقوى الإمبريالية التي كانت تتحكم في مصائر الأميركيين الجنوبيين. كانت إسبانيا في ذلك الوقت، هي الإمبراطورية المهيمنة على مقدرات اللاتينوس دفعة واحدة، فيما اليوم وإن اختلف المشهد من حيث غياب الاحتلال العسكري إلا أن الولايات المتحدة، باتت تستخدم أدوات هيمنة أخرى، ذلك أنه بمجرد انتهاء المؤتمر الصحافي، أوفت وزارة الخزانة الأميركية بوعدها بممارسة مزيد من الضغوط على كل من له صلة بالحزب الاشتراكي الموحد الحاكم. أقرب علاقة عاطفية طويلة الأمد تربطه بمانويلا ساينز، الزوجة الأكوادورية لطبيب بريطاني (مواقع التواصل) لم تكن هذه هي العقوبات الأولى التي يخضع لها كل من يعمل في قطاع الفنزويلي، لكنها ربما كانت الأشد قسوة، إذ شملت السفر إلى الولايات المتحدة، وتحويل الأموال عبر المؤسسات المالية الأميركية. اليوم وبعد ستة أعوام، أضحى مادورو سجيناً لدى الولايات المتحدة، لكن يظل وراءه في عموم القارة اللاتينية، تساؤل حول الرمز الأشهر سيمون بوليفار، وهل لا يزال له إرث في القارة برمتها بصورة عامة، وفي فنزويلا بنوع خاص؟ وما ملامح ومعالم ذلك الإرث، وهل له أن يتصدى ويتحدى الولايات المتحدة كما جرى الحال قبل نحو 200 عام مع إسبانيا؟ وقبل أي شيء “من هو سيمون بوليفار بادئ ذي بدء؟”. في غرناطة الجديدة كانت البدايات ولد سيمون بوليفار في الـ24 من يوليو (تموز) عام 1783، في منطقة “غرناطة الجديدة”، القائمة في قلب كاراكاس، لأحد النبلاء الفنزويليين من أصل إسباني، في كنف من الثراء والجاه، إذ توفي والده، وهو في الثالثة من عمره، ولحقته أمه بعده بستة أعوام، فتولى عمه إدارة ميراثه ووفر له معلمين. كان من بين هؤلاء سيمون رودريغيز، الذي كان له أثر عميق ودائم فيه . لم يكن رودريغيز معلماً اعتيادياً، بل تلميذاً للمفكر الفرنسي الكبير جان جاك روسو صاحب نظرية العقد الاجتماعي، ولاحقاً سيكون المعلم فتحاً كبيراً وأصيلاً في تفكير الفتى الفنزويلي، لا سيما أنه سيقوده إلى عالم الفكر الليبرالي في القرن الـ18. في سن الـ16، سيرسله عمه إلى أوروبا بهدف إكمال تعليمه، إذ سيقدر له أن يمضي ثلاثة أعوام في إسبانيا، وهناك طرق كيوبيد قلبه، فتزوج من ابنة أحد النبلاء الإسبان، وعاد معها لكاراكاس. غير أن القدر سيكون له بالمرصاد، ليحرمه من عروسه الشابة التي قضت بمرض الحمى الصفراء بعد أقل من عام على زواجهما. على أن تلك التجربة الصعبة، ربما وفرت له مزيداً من الوقت ليكرسه للنضال السياسي، ففي عام 1804 عندما اقترب نابليون الأول من ذروة مسيرته، عاد بوليفار لأوروبا، لكن لباريس هذه المرة، وتحت إشراف صديقه ومعلمه رودريغيز، إذ انغمس في كتابات المفكرين العقلانيين الأوروبيين مثل جون لوك وتوماس هوبز وجورج لويس لوكلير وكونت دي بوفون، إضافة إلى فولتير ومونتسكيو. وكان للأخيرين التأثير الأكبر في حياته السياسية، لكن فولتير أثر في فلسفته الحياتية. في باريس التقى بالعالم الألماني ألكسندر فون هومبولت، وكان قد عاد لتوه من رحلة عبر أميركا اللاتينية، وأخبر بوليفار باعتقاده أن المستعمرات الإسبانية هناك مستعدة للاستقلال .وربما من هنا ولدت في ذهن سيمون بوليفار فكرة تحرير بلاده، وفي رحلة إلى روما مع رودريغيز، وبينما كانا يقفان على مرتفعات مونتي ساكرو، قطع على نفسه عهداً بتحرير بلاده . صورتان في قلب البرلمان الفنزويلي لبوليفار وشافيز (أ ف ب) أثرت تجربة أخرى في فكره، فقد شاهد الأداء الاستثنائي الذي كلل بتتويج نابليون إمبراطوراً للفرنسيين عام 1804. تراوح رد فعل بوليفار على التتويج بين الإعجاب بإنجازات رجل واحد والاشمئزاز من خيانة نابليون لمبادئ الثورة الفرنسية. كانت الرغبة في المجد إحدى السمات الدائمة في شخصية بوليفار، ولا شك أن نابليون قد حفزها. ومع ذلك، كان مثال نابليون بمثابة تحذير أخذه بوليفار على محمل الجد . بدعم من الوطنيين في غرناطة الجديدة، سيقود بوليفار قوة استكشافية لاستعادة فنزويلا. وفي حملة عسكرية واسعة، هزم الملكيين الإسبان في ست معارك حاسمة، وفي السادس من أغسطس (آب) عام 1913، دخل كاركاس، ومنح لقب المحرر وتولى الحكم، إلا أن حرب الاستقلال كانت في بدايتها . بوليفار وحلم أميركا الموحدة في الداخل الأوروبي، اختمر في ذهن سيمون بوليفار حلم مخملي عن أميركا اللاتينية الموحدة، وهذا ما عمل على تحقيقه في الفترة ما بين الـ22 من يونيو (حزيران) والـ15 من يوليو عام 1826، حين دعا الجمهوريات الإسبانية الأميركية الناشئة إلى اجتماع في بنما. كان هذا الاجتماع أشبه بحلم، عرف باسم المؤتمر الأمفكتيوني. بدا واضحاً وقتها أن لدى بوليفار رؤية لإنشاء اتحاد لشعوب أميركا اللاتينية، من المكسيك إلى تشيلي والأرجنتين. في هذا الاجتماع حضر ممثلون عن كولومبيا، التي كانت تضم بنما وفنزويلا والإكوادور والمكسيك وبيرو وجمهورية أميركا الوسطى الاتحادية، ولأهمية الحدث، أرسلت بريطانيا العظمى مراقباً، وهولندا مراقباً آخر، بصفة شخصية . كانت فكرة بوليفار تتمحور حول تعزيز التعاون بين الجمهوريات الجديدة، وتجاوز الدمار والموت اللذين خلفهما الكفاح من أجل الاستقلال. كانت الدول الجديدة مهددة بإدارات جديدة عديمة الخبرة، وفوضى داخلية وغزوات محتملة من قوى الاستبداد الأوروبية، وجشع الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة على وجه الخصوص. سعى برنامج عمل المؤتمر إلى تعزيز استقلال الدول الجديدة، بما في ذلك جوانب الأمن الداخلي وعدم التدخل والمساواة القانونية بين جميع أفراد الأمة، وإقامة علاقات بين الدول من خلال مؤتمر دائم للمفوضين، فضلاً عن ضمان الإصلاح الاجتماعي على أساس الحرية والسلام. على أنه من متناقضات القدر، أن يكون مؤتمر بنما العظيم بمثابة تتويج لحلم بوليفار الأسمى، وفي الوقت عينه بداية لفشله في آن واحد، إذ كان من المفترض أن يؤسس هذا التجمع الكبير أمة عظيمة ستلعب بحكم عدد سكانها وثرواتها الطبيعية، دوراً رائداً في العالم. إلا أن الرؤية الثاقبة للمحرر بوليفار، قوبلت بقصر نظر الأوليغارشيات الإقليمية لكبار ملاك الأراضي والتجار الخاضعين لسيطرة الرأسماليين الأجانب. لم تكلل الاتفاقات التي سعى إليها بوليفار في هذا التجمع بالنجاح لأسباب عديدة، منها حداثة عهد الجمهوريات الجديدة، وضعف استقرارها الاقتصادي ومشكلات الحدود. وعلى رغم ذلك، ركز المحرر على إنشاء اتحاد الإنديز الذي شمل في ذلك الوقت كولومبيا وبيرو وبوليفيا، لمواجهة السياسة الإمبريالية للولايات المتحدة والطبقات الحاكمة. على أن قراءات جددة لبوليفار اليوم، من القائمين على دول أميركا اللاتينية، تظهر لنا قراءات نقدية حول شخصه ومسيرته الطويلة، بما فيها من مثالب، على رغم ما حققه من انتصارات تبدو ظاهرة على السطح، فماذا عن ذلك؟ مثالب خفية لمحرر أميركا اللاتينية هل يمكن القطع بأن سيمون بوليفار هو المحرر الوحيد لدول أميركا اللاتينية وبنوع خاص فنزويلا؟ بالقطع لم يكن الجنرال الوطني الوحيد الذي كان لديه جيش في الميدان في فنزويلا في الأعوام المضطربة بين عامي 1813 و1819. كان هناك عدد من الآخرين، بما في ذلك سانتياغوا مارينيو وخوسيه أنطونيو بايز وماويل بيار . وعلى رغم أن هدفهم كان واحداً، الاستقلال عن إسبانيا، لم يكن هؤلاء الجنرالات على وفاق دائم، بل كادوا أن يندلع بينهم حرب في بعض الأحيان. ولم يلتزم معظم الجنرالات بنهج بوليفار إلا في عام 1817، عندما أمر باعتقال بيار ومحاكمته وإعدامه بتهمة العصيان. هل خان بوليفار أحد أعظم الوطنيين في فنزويلا؟ حدث هذا بالفعل عندما حاول فرانشيسكو دي ميراندا، وهو فنزويلي ارتقى إلى رتبة جنرال في الثورة الفرنسية، إطلاق حركة استقلال في وطنه عام 1806، لكنه فشل فشلاً ذريعاً. بعد ذلك، عمل بلا كلل لتحقيق استقلال أميركا اللاتينية، وساعد في تأسيس الجمهورية الفنزويلية الأولى. إلا أن الإسبان دمروا الجمهورية، وفي أيامها الأخيرة، دب الخلاف بين ميراندا والشاب سيمون بوليفار. ومع انهيار الجمهورية، سلم بوليفار ميراندا إلى الإسبان، الذين زجوا به في السجن حتى وفاته بعد بضعة أعوام، ولعل خيانته لميراندا هي أكبر وصمة عار في سجل بوليفار الثوري . جزئية أخرى تعد من مثالب حياة بوليفار، تلك المتعلقة بالمساحة الواقعة بين ليبراليته وديكتاتوريته، فعلى رغم أنه كان من أشد المدافعين عن الاستقلال عن ملك إسبانيا، كان يملك نزعة استبدادية. في قرارة نفسه كان مؤمن بالديمقراطية كنهج سياسي، لكن على جانب آخر، شعر أن دول أميركا اللاتينية المحررة حديثاً لم تكن مستعدة لها تماماً. منظر لشقة متضررة تضم صورة لمحرر فنزويلا سيمون بوليفار في ولاية لا غوايرا بفنزويلا (أ ف ب) كان يعتقد أن هناك حاجة إلى قيادة حازمة لبضع أعوام ريثما تهدأ الأمور، وقد طبق معتقداته خلال فترة رئاسته لغران كولومبيا (كولومبيا العظمى)، متخذاً من مواقع السلطة المطلقة مقراً له، إلا أن ذلك جعله مكروهاً بشدة. ولا تخلو حياته العاطفية من سقطات أخلاقية، ذلك أنه بعد وفاة زوجته الشابة، لم يحاول أن يسعى مرة جديدة إلى تكوين أسرة، بل فضل عوضاً عن ذلك العلاقات العاطفية العابرة أو النزوات الشهوانية، ومن هنا عرفه كثير من المؤرخين بأنه كان زير نساء. كانت أقرب علاقة عاطفية طويلة الأمد تربطه بمانويلا ساينز، الزوجة الأكوادورية لطبيب بريطاني، لكنه تركها أثناء حملته الانتخابية، كما كان على علاقة بعشيقات أخريات عدة في الوقت نفسه. وأنقذت ساينز حياته ذات ليلة في بوغوتا بمساعدته في الفرار من بعض القتلة، الذين أرسلهم أعداؤه للفتك به . لكن على الجانب الآخر هناك وجه مضيء جداً لبوليفار. عن بوليفار القائد العسكري الفذ يعيد الفنزويليون بنوع خاص، وعموم اللاتينوس، اليوم، قراءة بعض من أهم ملامح ومعالم سيمون بوليفار، وفي مقدمها المفارقة القيمة بين ظروف نشأته وولادته من جهة، وبين توجهاته الحيانية من جهة ثانية. انحدر بوليفار من إحدى أغنى العائلات في فنزويلا، وقد حظي بتربية مرفهة، وتعليم ممتاز. وفي شبابه سافر إلى أوروبا، كما كان شائعاً بين أمثاله. في الواقع، كان بوليفار على وشك خسارة الكثير عندما مزقت حركة الاستقلال النظام الاجتماعي القائم. ومع ذلك، انضم إلى القضية الوطنية مبكراً، ولم يعط أحداً أي سبب للتشكيك في التزامه، على رغم أن الثمن كان عالياً وغالياً، فقد خسر هو وعائلته جزءاً كبيراً من ثروتهم في الحروب . يحسب لبوليفار كذلك، أنه فيما كان الاستعمار الإسباني يضيق الخناق على المستعمرات اللاتينية، ويمنعها من التجارة فيما بينها، ويقمع روح المبادرة، وتذهب الضرائب الباهظة التي يفرضها على اللاتينوس تذهب بالكامل إلى إسبانيا، كان يقوم بتمويل حركات الاستقلال كافة في القارة، من ثروة عائلته التي تكاد تكون استنفدت في سبيل القضية . وعلى رغم من عدم امتلاكه أي تدريب عسكري رسمي، أثبت بوليفار أنه قائد عسكري فذ قادر على طرد الإسبان من أميركا اللاتينية .وظهر كقائد عسكري بارع، يعرف متى يقدم على الأخطار ومتى يحجم. ففي عام 1813، بينما كانت القوات الإسبانية في فنزويلا تحاصره، شن هو وجيشه هجوماً خاطفاً، واستولوا على مدينة كاركاس الاستراتيجية قبل أن يدرك الإسبان حتى رحيله، وفي عام 1819، قاد جيشه عبر جبال الإنديز المتجمدة، وهاجم الإسبان في غرناطة الجديدة على حين غرة، واستولى على بوغوتا بسرعة فائقة لدرجة أن نائب الملك الإسباني هرب وترك وراءه أموالاً طائلة . وخلال عام 1824، زحف بجيشه عبر طقس عاصف لمهاجمة الإسبان في مرتفعات بيرو، وقد فوجئ الإسبان برؤيته وجيشه الجرار لدرجة أنهم فروا عائدين لكوسكو بعد معركة جونين، وقد أثمرت مغامرات بوليفار، التي بدت ضرباً من ضروب الجنون لضباطه، عن انتصارات كبيرة. واشتهر بوليفار بلقب جورج واشنطن أميركا الجنوبية، فقد تشاركا في أصول ثرية، وشغف بالحرية، ومهارة في فنون الحرب. ومع ذلك خاض بوليفار معارك لمدة ضعف مدة معارك واشنطن، وعلى مساحة أوسع. أدرك بوليفار مبكراً أن المجتمعات الخارجة من رحم الاستعمار لا يمكنها أن تنتقل تلقائياً من خانة الاستعباد السياسي لمراتب الدمقرطة الكبرى (أ ف ب) وما بين المثالب والمزايا يعن لنا أن نتساءل هل يمكن لإرث سيمون بوليفار أن يموت في القارة اللاتينية التي تواجه اليوم من جديد تحديدات الاستقلال بصورة معاصرة ومختلفة عن الاحتلال العسكري، وفي فنزويلا مسقط رأسه بنوع خاص؟ ربما نجد أفضل جواب لعلامة الاستفهام المتقدمة ضمن إحدى أهم أوراق بوليفار التاريخية، والمعروفة برسالة جاميكا. أميركا اللاتينية وراهنية رسالة جاميكا رسالة جاميكا هي وثيقة تاريخية كتبها سيمون بوليفار عام 1815، وذلك أثناء منفاه في جاميكا، وهي بمثابة بيان حول حركة استقلال أميركا اللاتينية ضد الحكم الإسباني، إذ لخص فيها الظلم التاريخي، وناقش مستقبل القارة وتطلعاته لجمهورية أميركية موحدة، معبراً عن إحباطه من الانقسامات، لكنه ظل متفائلاً بالحرية . في رسالة جاميكا أيضاً استعرض بوليفار الفظائع التي ارتكبها المستعمرون الإسبان ضد السكان الأصليين وأميركي أميركا اللاتينية. كما شرح صعوبة النضال من أجل التحرر، وتعدد الجبهات والفضل الموقت لبعض الثورات، كما طرح رؤيته لمستقبل القارة داعياً إلى الوحدة، ومناقشاً الحاجة إلى حكومات تتماشى مع الظروف المحلية، ورفض السياسات التجارية الإسبانية القمعية . ووضمن الرسالة عينها أكد ضرورة وحدة دول أميركا اللاتينية، وعبر عن إيمانه بإمكانات القارة وقدرتها على تحقيق عظمتها. لماذا يعيد اللاتينوس اليوم قراءة وثيقة جاميكا كإرث مهم للغاية لسيمون بوليفار؟ الشاهد أنه حين كتب الثائر الفنزويلي الشاب عام 1815 هذه الرسالة، ولم يكن في واقع الحال يسعى إلى تدوين مرافعة تاريخية ضد الاستعمار الإسباني فحسب، بل بطريقة استباقية استشرافية كان يرسم خريطة مبكرة لأزمات الدولة اللاتينية الحديثة، واليوم وبعد نحو قرنين من الزمان تبدو الرسالة وكأنها كتبت لتفسير واقع سياسي مأزوم يمتد من فنزويلا إلى بيرو، ومن المكسيك إلى تشيلي. يتساءل الفنزويليون اليوم، لا سيما في ضوء عملية الاختطاف التي جرت لرئيسهم نيكولاس مادورو “هل كان السبب الرئيس فيما حدث هو إخفاقات الدولة الوطنية الفنزويلية، مما أعطى فرصة لإدارة ترمب لتجد كعب أخيل الذي تبحث عنه منذ زمان وزمانين؟”. لعل من يقدر له قراءة رسالة جاميكا بعناية وتؤدة، يلمح كيف حذر بوضوح من أن الاستقلال السياسي إذا لم يترافق مع بناء دولة قوية ومؤسسات راسخة، سيقود حكماً إلى الفوضى أو الاستبداد. والشاهد أنه حال تطبيق ما فيه الرسالة على واقع حال فنزويلا اليوم، يبدو من الطبيعي أن يحدث الخلل الكبير، الذي يعقبه انهيار الدولة من جراء التسييس لمناحي الحياة كافة، إذ إن السياسة لا تحل محل الاقتصاد، والأمن لا يصلح الفساد، والريعية لا تشد عصب التجارة، فيما الاستقطاب لا يقود إلى حياة حزبية سليمة. ولد سيمون بوليفار في الـ24 من يوليو عام 1783 في منطقة “غرناطة الجديدة”، القائمة في قلب كاراكاس (أ ف ب) وبالنظر إلى دولة أخرى مثل بيرو، يجد المرء أن ما أشار إليه بوليفار حول تغيير الحكومات بصورة سريعة، يتحقق بالفعل في صورة شلل المؤسسات، مما يقود إلى عدم الاستقرار المزمن . وفي القلب من الرسالة عينها، يبدو جلياً أن هشاشة الدولة أمام الجريمة المنظمة، يفتح الباب واسعاً أمام مفهوم الدولة الرخوة، ويتيح المجال للتدخلات الخارجية، سواء كانت سياسية أم تالياً عسكرية، بالضبط كما تجري المقادير الآن في المكسيك وأميركا الوسطى. بوليفار وإرث الديمقراطية الهشة ولعله في مقدم النقاط التي تدفع الفنزويليين اليوم للتوقف في ميادين بوليفار المنتشرة في أرجاء البلاد كافة، لا لالتقاط الصور الفوتوغرافية، بل لتمثل سيرة رجل، تلك الموصولة بالمسيرة الديمقراطية، تلك الذريعة التي تنفذ منها واشنطن اليوم إلى قلب البلاد والعباد . أدرك بوليفار مبكراً أن المجتمعات الخارجة من رحم الاستعمار، من الهشاشة والضعف بمكان أنها لا يمكنها أن تنتقل تلقائياً من خانة الاستعباد السياسي إلى مراتب الدمقرطة الكبرى، ذلك أنه يبدو من الحتمي أن تمر بمرحلة خطرة بين التحرر والفوضى . أطلق بوليفار على تجارب الدمقرطة التي تعيشها معظم دول أميركا اللاتينية اليوم، التي مرت بها فنزويلا قبل أعوام، وأعادت إنتاج مادورو من جديد، “الديمقراطيات الشكلية”، وفيها نرى مجموعة من المظاهر المثيرة والخطرة معاً. خذ إليك وجود ما يبدو ظاهراً للعيان أنها انتخابات منظمة، لكنها في الواقع تجري برسم عرقي أو إيديولوجي، وربما طائفي، وغالباً ما تتحكم في مساراتها العصابات المنظمة، التي تنتشر في بقاع وأصقاع القارة الجنوبية كافة، مما يجعل الثقة الشعبية في نتائجها منهارة، ولهذا اعتبرت واشنطن أن إعادة انتخاب مادورو عملية مزورة وبالتالي فهو رئيس غير شرعي، وعليه فإن اعتقاله على النحو الذي رآه العالم أمر لا طبيعي فهو مجرد متهم جنائي وليس رئيس دولة له حصانة، بحسب اتفاقات جنيف . ومن النقاط التي تبرز واضحة جداً أمام أعين الفنزويليين وعموم اللاتينوس، فكرة ظهور وصعود قادة شعبويين باسم “الإرادة الشعبية”، وهو غالباً ما يكون فخاً من الفخاخ السياسية الخطرة جداً، إذ تدور الدائرة بين حلقتين كارثيتين، الطاغية والمخلص، بمعنى أنه فيما أولئك الشعبويين يصعدون أحدهم ليصبح في أعين الناس منقذاً ومخلصاً، إذ به يعود بدوره بعد قليل ليضحى طاغية بدوره، وكأن كاتب نوبل المصري نجيب محفوظ، سيستلهم بعد 150 عاماً من رسالة جاميكا، روايته عن الحرافيش في مصر أوائل القرن الـ20. ومن بين النقاط الأكثر إثارة التي تجعل إرث سيمون بوليفار حاضراً وربما حائراً اليوم، تنظيره التقدمي لفكرة الدساتير المنسوخة على الورق فحسب، وغير القادرة على أن تجد لها مكاناً في الواقع، مما يعني أنها عن لحظة بعينها، لن تستطيع ضبط الأمن، ولا توفير السلم المستدام، والأمم من دون الأمن والسلم فراغ مستباح من قوات دلتا فورس على سبيل المثال لا الحصر . لقد أوضحت أزمات بوليفيا ونيكارغوا وفنزويلا أن ما كان يخشاه بوليفار بات واقعاً حياً على الأرض، حيث صناديق الاقتراع الوهمية، من غير مؤسسات حكومية رديف، حامية ومدافعة عن المعنى والمبنى الحقيقيين للعملية الانتخابية، مما يجعل من النتائج تفويضاً للاستبداد، وليس اقتراعاً على الشرعية . أما الكارثة التي تجعل من إرث بوليفار، حديثاً مستحضراً في حاضرات أيامنا، فموصولة بفكرة التشظي الطبقي والمجتمعي، مما يجعل من الدول، قنابل موقوتو قابلة، بل وجاهزة للانفجار في أي وقت وكل وقت . شدد بوليفار في رسالته على أن الاستعمار ترك مجتمعات منقسمة عرقياً وطبقياً، وأن تجاهل هذا الواقع، سيفجر الدولة من الداخل، وهذا الانقسام يتجدد اليوم عبر حركات السكان الأصليين المهمشين، والانفجارات الاجتماعية كما جرى في تشيلي عام 2019، عطفاً على الاحتجاجات الواسعة ضد النخب السياسية والاقتصادية بوليفار والهوية الفنزويلية الوطنية ولعله من نافلة القول، إن إرث سيمون بوليفار، يبدو لامعاً بأكبر وأكثر قدر، في فنزويلا، مع حضوره الساطع كذلك في أرجاء القارة اللاتينية .أما السبب، فلأن بوليفار يمثل في الوجدان الفنزويلي ما هو أكثر من مجرد “ليبرتادو” أو “محرك الاستقلال التاريخي” الساعي إلى استقلال قارة من ربقة الإسبان . يبقى بوليفار الركيزة الأساسية الوطنية والشخصية التي لا يجرؤ أحد على المساس بقدسيتها، على رغم الانقسام السياسي الحاد الذي تعيشه البلاد .لقد تحول في فنزويلا من شخصية تاريخية إلى ما يشبه الرمز الديني، أي أنه انتقال من دائرة النسبي إلى ساحة المطلق، ومن المدنس إلى المقدس إن جاز التعبير، فلا تخلو مدينة أو قرية من “ساحة بوليفار” ويعد تمثاله في هذه الساحات مكاناً مقدساً. وهكذا كان بوليفار لا يزال في أعين النخب السياسية اللاتينية الحاكمة رمزاً للعزة والسيادة، كما بقي محل للتبجيل الشعبي بالمطلق، إذ ينظر إليه المواطنون العاديون “كأب للأمة”، وهناك نوع من العاطفة المتوارثة التي تجعل الفنزويليين يشعرون بصلة قرابة مع الليبارتادو. وقد وصل التبجيل لجهة سيمون بوليفار إلى حد تغيير الاسم الرسمي للدولة في عام 1999 ليصبح “جمهورية فنزويلا البوليفارية”، مما يعكس تغلغل اسمه في صلب هيكل الدولة. تبدو فنزويلا ومنذ وقت طويل منقسمة روحها في داخلها، وذاتها منشقة بين أكثر من اتجاه، حيث التسارع والتنازع قائمان بصورة أدت بصورة واضحة إلى ضعف شديد في عمق مؤسسات الدولة، وربما انعكس بنوع خاص على التيار العسكري هناك . لكن على رغم هذا كله، لا يزال سيمون بوليفار وحتى الساعة، الحاضنة الفنزويلية المشتركة الوحيدة، التي تمثل المظلة المتبقية في البلاد، حيث الحكومة تراه رمزاً ثورياً في مواجهة تيارات الإمبريالية التي تمثلها الولايات المتحدة، بينما المعارضة تراه رمزاً للجمهورية الرافضة للديكتاتورية واختطاف السلطة، كما كانت الاتهامات توجه لمادورو، أما الشعب فيعتبره أباً له وصاحب الإرث الوطني الأخير، مما يعني أن سيمون بوليفار لا يزال الخيط الرفيع الذي لا يزال يربط نسيج مجتمع ممزق سياسياً. المزيد عن: فنزويلا أوروبا فرنسا نابليون بونابرت سيمون بوليفار أميركا اللاتينية بيرو كولومبيا نيكولاس مادورو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post هل عاد الإرهاب؟ سؤال “عملية القصرين” التونسية next post فنزويلا: 100 قتيل في الهجوم الأميركي بينهم مدنيون You may also like علي بردى يكتب عن: ترمب يتوعد كوبا بعد... 7 March، 2026 أكراد إيران على الجانب العراقي.. ماذا يريدون؟ ومم... 7 March، 2026 (7 أيام من الحرب.) . تسلسل زمني لضربات... 7 March، 2026 “لغز البديل الرابع”.. خطة إيران للصمود في حرب... 7 March، 2026 بلوشستان إيران: الجغرافيا الاستراتيجية وصراع الهوية 7 March، 2026 إسرائيل تستغل حرب إيران لتغيير الوضع في القدس... 7 March، 2026 مصادر كردية: ننسق مع قوى خارجية لدعمنا في... 7 March، 2026 “اتصالات زائفة” باللبنانيين في زمن الحرب وإخلاءات بالجملة 7 March، 2026 لماذا تهاجم الولايات المتحدة إيران؟ 7 March، 2026 الأكراد في إيران: تنظيماتهم وحراكهم السياسي والعسكري 7 March، 2026