الأحد, مارس 8, 2026
الأحد, مارس 8, 2026
Home » سر طرابلس اللبنانية… مدينة ساحرة يكتشفها الغرباء قبل أهلها

سر طرابلس اللبنانية… مدينة ساحرة يكتشفها الغرباء قبل أهلها

by admin

 

تحتضن المئات من المواقع الأثرية العائدة لحقبات تاريخية مختلفة

اندبندنت عربية / بشير مصطفى صحافي @albachirmostafa

“إنها مدينة غنية للغاية بالتاريخ والعلاقات الاجتماعية، هنا كل شيء جميل ومثير للمخيلة والحواس” هذا الانطباع الذي خرجت فيه الشابة الجزائرية ناديا، التي تزور للمرة الأولى المدينة القديمة في طرابلس.

تعكس هذه الشهادة تجارب العشرات من السياح العرب والأجانب الذين يزورون عاصمة الشمال اللبناني، مستندين إلى “الدعاية الشخصية” وأسلوب من الفم إلى الأذن. وهذا ما يؤكده السائح الألماني أولاف الذي يقول إنه سمع تحذيرات كثيرة قبل سفره إلى لبنان، إلا أنه وصل إلى البلاد حيث وجد أن الحياة تسير بانسيابية وبصورة طبيعية، معبراً عن سعادته لزيارة طرابلس المليئة بالأبنية التاريخية التي تعود إلى مئات السنين.

وصل أولاف إلى المدينة برفقة صديقة كانت تعمل لدى إحدى المنظمات الأممية المهتمة بشؤون اللاجئين، وكان له الحظ الوافر بتجربة بعض المأكولات الشرقية والحلويات اللذيذة، واكتشاف الأسواق الشعبية وشراء السماق ودبس الرمان.

المتحف الحي وحضارات كثيرة

يحظى الزائر لمدينة طرابلس بفرصة نادرة لاكتشاف مواقع أثرية تعود إلى القرن 13 الميلادي، وهي ما زالت تزخر بالحياة. حيث تجتمع تحت سماء واحدة الحضارات الصليبية والفاطمية والمماليك والعثمانية، وصولاً إلى الحقبة الكولونيالية في مرحلة الاستقلال عن الانتداب الفرنسي. كذلك تمتاز بعشرات الخانات والأسواق الشعبية والمساجد والكنائس والمدارس والكتاتيب، التي لا تزال تقوم بالمهمة نفسها التي كانت عليها قبل قرون من الزمن.

فيما يندمج كما سبق أن ذكرنا مع مظاهر الحداثة التي عرفتها باكراً بفضل موقعها على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.

ميناء طرابلس منتصف القرن 19 (تصوير فرانسيس بيدفورد)

واحدة من أهم المدن التراثية 

تُعد طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني، واحدة من أقدم المدن المأهولة في الحوض الشرقي للمتوسط، وواحدة من المدن القليلة التي حافظت على نبض تاريخها عبر آلاف السنين. فهذه المدينة، التي تعود جذورها إلى القرن الرابع قبل الميلاد، مرت عليها حضارات متعاقبة وكل منهم ترك فيها بصمة واضحة صنعت ملامحها الفريدة حتى اليوم.

وعلى رغم ما مرت به عبر الزمن من حروب وزلازل وصراعات، بقيت طرابلس مدينة نابضة بالحياة والأسواق والعمارة التقليدية، تحتضن ذاكرة تاريخية غنية تجعلها واحدة من أهم المدن التراثية في لبنان والعالم العربي. هي مدينة تنبض برائحة الزمن، وتجمع بين الأصالة والحضارة، ما يجعلها شاهداً حياً على التاريخ المتقاطع لشرق المتوسط.

وما يجعل هذه المدينة متحفاً تاريخياً مفتوحاً هو أنها تختزن ثاني أكبر تجمع للآثار المملوكية بعد القاهرة، وقد لعبت دوراً مركزياً في العصور المختلفة، وهي تمتلك اليوم فرصة للاستثمار في تاريخها وآثارها وكادرها البشري والغنى الاجتماعي والثقافي. وشكلت نقاط القوة هذه فرصة لإطلاق مشروع “درب المماليك من القاهرة إلى طرابلس” بمبادرة من “مؤسسة طرابلس القديمة” التي تضم مجموعة من كفاءات المدينة المتحمسين لتنمية مدينتهم، ومستلهمين من التجربة المصرية في إبراز أهمية الإرث المملوكي في عاصمة مصر.

يؤكد رئيس مؤسسة “طرابلس القديمة” المهندس منذر حمزة أن “المدينة تتمتع بوسط تاريخي عظيم، وهو كنز يشكل أملاً لمستقبل المدينة، ولا بد أن يستثمر من أجل نهضة المدينة على غرار تجارب القاهرة وإسطنبول، وهو لا يحتاج سوى إلى مساعٍ تسويقية لجذب السياح والاستثمارات، وأن يحظى بالاهتمام لخلق آلاف فرص العمل”، مؤكداً أن “مدينة طرابلس القديمة تنبض بالحياة منذ سبعة قرون إلى اليوم”.

ويلفت حمزة إلى مشروع “درب المماليك” والذي يشير مباشرة إلى ما قام به المماليك من خلال بناء مدينة كاملة (طرابلس اليوم) على مجرى نهر أبو علي في محيط القلعة التاريخية الشهيرة، وأسس هؤلاء المدارس، والخانات، إضافة إلى الحمامات والمساجد، والأسواق القديمة، وغيرها من المواقع، ثم جاء العثمانيون ليكملوا ما بدأه المماليك.

سيرة لبنان بعد القاهرة

قاد التشابه بين طرابلس والقاهرة إلى تعاون بين الناشطين في لبنان، ومبادرة “سيرة القاهرة”، والاستلهام من تجربتها العفوية والاهتمام بالآثار، والسعي المتواصل لتعريف الناس إليها، وربطها مع محيطها وعمقها الحي.

يلفت منذر حمزة إلى أن الدافع للتعاون بين لبنان ومصر هو الشغف بالتراث، وحالة الشبه بين المدينتين، والارتباط الحضاري والثقافي، فقد شكلت القاهرة المقصد لأبناء طرابلس الباحثين عن المعرفة والتجارة والملجأ.

ويقول “تكاد تتكرر أسماء الأحياء والأسواق والأماكن بين المدينتين، مثل جامع الناصر قلاوون، وجامع طينال، وبرج برسباي، والتشابه بالعادات والتقاليد ونمط الحياة”، مشيراً إلى أن طرابلس “لم تكن مدينة جانبية في زمن المماليك أو في أي حقبة من الحقبات، فهي لطالما كانت المنفذ البحري للحضارات المتعاقبة منذ الفينيقيين حتى، إذ كان مرفأ المدينة هو المركز لصناعة السفن، وانطلاق الحملات العسكرية، والأعمال التجارية. كذلك كانت مركزاً ذو ثقل سياسي واجتماعي”.

من أغنى المدن اللبنانية عبر التاريخ

إضافة إلى ما سبق، تعد طرابلس من أغنى المدن اللبنانية عبر التاريخ، فهي أكثر المدن التي صكت نقوداً ولعبت دوراً محورياً، كذلك تضم أندر وأقدم الأسواق التاريخية في العالم التي ما زالت تمارس نفس الوظيفة على رغم مرور 700 عام في المنطقة الممتدة من باب الرمل إلى باب الحديد.

ويسأل حمزة “هل لنا أن نتخيل كيف أن محلاً يفتح أبوابه ليمارس نفس الوظيفة، ويبيع السلعة نفسها على مر القرون على غرار خان الخياطين وخان العطارين، وهي أقدم من البازار الكبير في إسطنبول الذي يعود إلى أربعة قرون مضت على سبيل المثال”، وهذا ما يشكل رأسمالاً حضارياً وثقافياً واقتصادياً، وهو مدعاة للدهشة والإعجاب من الزوار على رغم تجاهلها من قبل المؤسسات الرسمية.

ويشدد على ضرورة تقديم رؤية لدور المدينة المستقبلي، إذ تتعاون مختلف الجهات لتنفيذها وتطويرها، مطالباً وزارة السياحة بزيادة الاهتمام بطرابلس، “لأنه من غير المقبول أن تعد فيلماً ترويجياً للسياحة في لبنان لا يضم كبرى المدن التاريخية، عاصمة الشمال”.

مشهد عام لمدينة طرابلس مع الميناء في الخلفية عام 1862 (تصوير فرانسيس بيدفورد)

ما قبل الإرث المملوكي

تؤكد الأستاذة الجامعية لبنى مسقاوي أن “طرابلس بشكلها الراهن يعود إلى الحقبة المملوكية التي أوجدها هؤلاء، لتكون مدينتهم على شرق البحر المتوسط في موازاة القاهرة”، وتضيف في الوقت عينه أن “الاهتمام يجب ألا ينحصر بالإرث المملوكي حصراً على رغم أنه يعود الفضل إليهم في إرساء أساسات المدينة القائمة حالياً، لأن المدينة السابقة كانت في الميناء عند شاطئ البحر وليست في الداخل. لذلك ستكون هناك مشاريع أخرى لتسليط الضوء على غنى المدينة وتنوعها. إذ ستُطلق مبادرات أخرى بعد الانتهاء من عهد المماليك، وتخصيص فعالية لكل من ترك لمسة حضارية في المدينة، معتمدين على مبادرات فردية ومشروعات مع عدد من الجامعات المنتشرة في المدينة والأطر التربوية للحفاظ على الذاكرة والهوية، والترويج السياحي”.

تعتقد مسقاوي أن ثمة حاجة للربط بين الإرث والحاضر والتخطيط للمستقبل، والاستفادة من المقومات والإمكانات لتنمية مختلف قطاعات المدينة، وإظهار القيمة التاريخية لطرابلس في موازاة تحريك القطاعات الإنتاجية والمنشآت الاقتصادية الحيوية في المرفأ والمعرض ومصفاة النفط ومحطة القطار.

وتضيف “إنماء طرابلس يشترط إعادة إحياء المقومات التاريخية، والتدخل التشريعي والحكومي لحل مشكلة المباني المصنفة تراثية ولا يستفاد منها، في محاولة للبحث عن وظيفة جديدة لها، إضافة إلى تأمين التمويل. ناهيك عن تقديم نموذج تنفيذي لإعطاء الأمل بإمكانية الإنماء”، و”معالجة ملف الأبنية والعقارات الوقفية (التي تعود إلى الطوائف) وتذليل العقبات أمام استثمارها”، وصولاً إلى تفعيل الحركة الاقتصادية في المدينة.

تتحدث مسقاوي عن نقطة غاية في الحساسية، عندما تسلط الضوء على “جهل الكثير من أبناء المدينة بما تختزنه من إرث ثقافي، فالبعض منهم لم يزر يوماً القلعة أو الأسواق القديمة”، كذلك “يُدهش الزائر الغريب بما تمتلكه المدينة من جمال ومقومات بعد أن لعب الإعلام دوراً سلبياً في الترويج لصورة غير حقيقية عنها”، علماً أنها تمتلك هوية كونية متعددة الأبعاد، إذ تضم مختلف الشرائح الاجتماعية والانتماءات الدينية والطائفية تحت سقف واحد.

القاهرة في لبنان

تفتقر طرابلس اللبنانية منذ سنوات وحتى اليوم إلى خطة تسويقية لتسليط الضوء على خباياها، وأسرارها وتنوعها. إذ تولد زيارتها حالة من الغبطة والإعجاب على حد وصف الناشط في مبادرة “سيرة القاهرة” عبد العظيم فهمي التي تأسست في عام 2022 لإحياء تراث العاصمة المصرية، والذي يتحدث عن تجربة فريدة و”ملهمة” عايشها في شمال لبنان المغبون إعلامياً وتسويقياً.

وتمكن فهمي ورفاقه من استكشاف حلقة جديدة في سجل المدن العريقية ذات الثقل التاريخي في بلاد مصر والشام، من طرابلس إلى حلب ودمشق (في سوريا) وصولاً إلى القاهرة. كذلك لاحظ التشابه بين هذه المدن إن لناحية الأماكن كالأسواق والخانات وأزقة الحارات والدروب التاريخية، أو لناحية الناس وبشاشتهم الدائمة، مشيراً إلى أوجه شبه واضحة، ويقول “طرابلس بمثابة صورة مصغرة عن القاهرة”.

يتحدث فهمي، وهو الباحث في التراث الثقافي، عن محاولات لتشبيك الجهود بين طرابلس والقاهرة وبناء الجسور بين الناشطين في مجال الاهتمام بالتراث والتاريخ، من أجل تسليط الضوء على العلاقة التكاملية بين البشر والحجر، وفتح الأبواب أمام الاستثمار الثقافي وإعادة توظيف الأماكن الأثرية لتحويلها إلى واحات مفتوحة للإبداع وللأنشطة، وإمكانية استخدامها كفنادق، تتيح للسائح عيش تجربة حقيقية ومعايشة الثقافة الشعبية من خلال السير في مدن حافظت على تخطيطها على رغم مرور أكثر من ألف عام على تأسيسها.

العشرات من المهن التقليدية صامدة في مدينة طرابلس (اندبندنت عربية)

الاستثمار في التاريخ

يتخذ الاستثمار في التاريخ أبعاداً مختلفة، فهو مدخل للتنمية في الدول ذات الهوية السياحية انطلاقاً من رؤى مرنة.

تتحدث المسؤولة في جمعية طرابلس السياحية الدكتورة هند الصوفي عن ضرورة فهم التاريخ واستثماره وتوظيفه في بناء المستقبل كمدخل للإنماء، مستذكرة إطلاق مهرجانات طرابلس عام 2000 من خلال إطلاق المسيرة الشعبية لإحياء بعض الطقوس القديمة واكتشاف المواقع التاريخية في المدينة من القلعة والمنطقة الداخلية إلى الأبراج المطلة على البحر في الميناء.

وتنوه الاستاذة في قسم الفنون داخل المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية إلى أهمية الحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمع، وصولاً إلى استغلال الإمكانات المتاحة التي تتمثل في المعالم الأثرية، والاستفادة من تجارب مدن مثل البندقية في إيطاليا وبروج في بلجيكا، إذ يقصد السائح مجموعة من البيوت القديمة التي ترممت وتجهزت لاستقبال الزائرين.

وتحذر الصوفي من استمرار التراخي في ملف الحفاظ على الآثار، والذي يسهم في خسارة المدينة معلماً بعد الآخر بفعل رغبة المقاولين في تحقيق الربح، مقترحة “تحويل خان العسكر المقفل مثلاً إلى مدينة حرفية تراثية لجذب السياح، وتوعية الناس لأهمية التراث والاستثمار به، وتعليمهم لحرف منتجة على غرار المنمنمات العربية والزخرفة وصناعة الأيقونات وبناء المهارات الفردية، وتنظيم معارض دولية”.

المزيد عن: مدينة طرابلسلبنانالآثار المملوكيةالقاهرةالسياحة الأثرية

من داخل أسواق مدينة طرابلس والتي يعود عمرها لعدة قرون (اندبندنت عربية)

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00