الجمعة, مارس 6, 2026
الجمعة, مارس 6, 2026
Home » سخرية فولتير من فلسفة لايبنتس “أبدعت” عنوان رواية هاكسلي

سخرية فولتير من فلسفة لايبنتس “أبدعت” عنوان رواية هاكسلي

by admin

 

هكذا اقتبس الفرنسيون عنوان “أفضل العوالم الممكنة” بدلاً من “عالم جديد شجاع

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

هما عنوانان عرفت بهما واحدة من أبرز روايات “الخيال السياسي” في القرن الـ20، رواية الكاتب الإنجليزي الدوس هاكسلي، واستخدمناهما نحن بدورنا معاً في كتابتنا عن هذه الرواية هنا قبل حين: “أفضل العوالم الممكنة” و”عالم جديد شجاع”، وقد آلينا على أنفسنا حينها أن نعود إلى الموضوع في جذوره الفلسفية بل حتى اللاهوتية، إنما بعدما مر في طريقه إلينا عبر الفرنسي الكبير الساخر فولتير، وقد استخدمه من ناحيته، للسخرية من زميله الألماني الفيلسوف لايبنتس.

ولكي لا تبدو الحكاية شديدة الغموض فلا بد من شيء من التوضيح. فلقد وصل العنوان إلى العربية من طريق اللغة الفرنسية إذ إن الفرنسيين هم الذين اختاروا الصياغة الفولترية لترجمتهم عنوان هاكسلي، وكان المطلوب من ذلك إيجاد صياغة ساخرة تعطي نكهة للرواية الإنجليزية، عُثر عليها تحديداً لدى فولتير في روايته “كانديد” إذ يسخر هذا الأخير من العالم المتفائل دائماً في الرواية البرفسور بانغلوس الذي يكرر بلا توقف أن “كل شيء على ما يرام في هذا العالم الذي هو أفضل العوالم الممكنة”. وكان من الواضح أن فولتير إنما استعمل هذا التعبير من لايبنيتس ساخراً منه بالنسبة إلى مفهوم فلسفي صاغه هذا الأخير في سياق نص لاهوتي له يرى أن الكيفية التي تسير بها العناية الإلهية عالمنا الذي نعيش فيه هي “أفضل طريقة ممكنة”.

وفي الرواية يأتي تعليق البروفيسور بانغلوس خلال رصده الإيجابي كعادته، للكوارث والحروب والمجازر، رصداً يتسم بالقبول والإيجابية المطلقة انطلاقاً مما حدث فيما يكتب فولتير روايته، عن زلزال لشبونة الذي دمر المدينة البرتغالية عام 1755 مخلفاً خراباً واسعاً م ما أعاد إلى الواجهة سؤال الشر والعناية الإلهية الذي كان الفيلسوف الألماني قد طرحه من موقع لاهوتي- فلسفي بالغ الجدية بالطبع.

نص ساخر من الفيلسوف الألماني لفولتير (الموسوعة البريطانية)

الفلسفة وسؤالها العميق

والحقيقة إن في وسعنا، وخارج إطار السجال الفلسفي المفترض بين لايبنتس وفولتير، وسخرية هذا الأخير من الموضوع كله في “كانديد”، وصولاً إلى استخدام سخرية فيلسوف التنوير الفرنسي لعنونة رواية هاكسلي، يمكننا أن نتحدث عن مفهوم “أفضل العوالم الممكنة” باعتباره واحداً من أكثر المفاهيم إثارة في تاريخ الفلسفة الحديثة، وتحديداً عبر ارتباطه بما طرحه غوتفريد فيلهلم لايبنتس في القرن السادس عشر. وهو طرحه ضمن إطار مشروعه الميتافيزيقي العام الذي ينطلق من فكرة الانسجام الكوني والعقلانية الإلهية.

ولأن الفكرة تجمع بين الفلسفة واللاهوت والمنطق ما كان لها إلا أن تصبح محوراً لسجالات واسعة ما لبثت أن وصلت إلى الأدب أيضاً، لا سيما عبر السخرية التي عبر عنها فولتير في روايته الشهيرة. ففي الأصل طرح الفيلسوف الألماني سؤاله كما يلي: إذا كانت العناية الإلهية كلية الحكمة وكلية القدرة، كيف يمكن تفسير وجود الشر في العالم؟ وكان جوابه في أطروحته الشهيرة على الصيغة التالية: إن العالم الذي نعيش فيه، على رغم ما فيه من آلام وضروب بؤس ومآسٍ هو أفضل العوالم الممكنة التي يمكن للعناية الإلهية خلقها. ولا يعني هذا طبعاً أن العالم كامل أو خال من النقص، بل يعني كما يؤكد لايبنتس، أنه أفضل توازن ممكن بين الخير والشر بهدف تحقيق الغاية السماوية العظمى المتمثلة في الحصول على أفضل قدر من الخير الممكن وأقل قدر من الشر اللازم لانسجام النظام الكوني.

الاحتمالات كلها

كان لايبنتس يرى أن العناية الإلهية قد نظرت عند خلق العالم إلى جميع الاحتمالات الممكنة فاختارت العالم الأكثر حكمة بحيث إن وجود الشر، من منظور لايبنتس طبعاً، يدخل في سياق نظام شامل لا نستطيع نحن البشر إدراك أبعاده الكلية.

ومن هنا فإن أحد إسهامات لايبنتس المهمة في هذا الموضوع تكمن في جعل العالم الممكن جزءاً من نظرية متكاملة في المنطق ونظرية المعرفة. فالعالم الممكن في تصوره ليس مجرد خيال أو افتراض، بل نسق كامل من القوانين والحقائق الممكنة لو أرادت العناية الإلهية أن تحققها.

ومن ثم تطورت لاحقاً فكرة “العوالم الممكنة” في الفلسفة التحليلية كما يقول مؤرخو الفلسفة مضيفين أن التطور طاول خصوصاً، منطق العبارات الشرطية والدلالات الممكنة. بمعنى أن العالم الذي نعيش فيه، قد يكون واحداً “من عدد لامتناه من العوالم الممكنة، لكنه الوحيد الذي تحقق فعلاً في الواقع”. ولكن، لماذا هذا العالم تحديداً؟ بالنسبة إلى لايبنتس، لأنه الأفضل من حيث بنيته الكلية وغايته النهائية.

صحيح أن هذه الاطروحة قد جابهها بسخرية فولتير، ولكن كذلك وبصورة أكثر جدية، جوبهت بردود فلسفية ولاهوتية بالغة القوة يتضمن أحياناً نقداً عنيفاً. لكن ذلك النقد، وعلى رغم من أهميته، لم يلغ القيمة الفلسفية العميقة لفكرة لايبنتس واجتهاداته، لا إنه وعلى العكس من ذلك، دفع عدداً من المفكرين إلى إعادة صياغة مشكلات الشر والقدر والمنطق بطريقة أكثر تعقيداً.

هل هو تبرير لوجود الشر؟

من الناحية اللاهوتية، رأى كثر من المفكرين أن فكرة “أفضل العوالم الممكنة” تعد محاولة جدية للتوفيق بين “الكمال الإلهي”، و”وجود الشر”، و”حرية الكائنات العاقلة”، انطلاقاً من أن لايبنتس نفسه يرى أن الشر موجود كجزء من “الخطة الكلية” وليس لأن “العناية الإلهية عاجزة عن تجنبه كما زعم البعض”. فالشر كما يراه لايبنتس “ثمن صغير يدفعه العالم مقابل قدر أعظم من الخير الشامل، أو لأنه نتيجة لحرية الإنسان التي يجب احترامها كي يكون للخير نفسه معنى”.

ولا شك هنا أن من شأن المنتقدين أن يتساءلوا: هل من المحتم إذاً أن تكون المآسي الكبرى ضرورية في “أفضل العوالم”؟ وهل إن تبرير الشر انطلاقاً من مبدأ الانسجام الكلي يلغي مسؤولية البشر؟ ونعرف طبعاً أن هذا النوع من الأسئلة لا يزال يناقش حتى اليوم في الفلسفة اللاهوتية والأخلاقية، وأن ثمة نقاشات مدهشة حول هذا الأمر وما يحيط به عرف الفكر الإسلامي ما يماثلها ويوازيها، منذ زمن المعتزلة وطروحاتهم المبكرة، بيد أن ما يمكننا التوقف عنده هو راهنية هذا السجال حيث نعرف أن المفهوم قد تطور مع الزمن ليتخذ أشكالاً عديدة: ففي المنطق أصبحت العوالم الممكنة أداة لتحليل المعنى والضرورة، وفي فلسفة اللغة، استخدم البعض هذا المفهوم لشرح الأسماء والهوية انطلاقاً من تعدد العوالم الممكنة، وفي فلسفة العقل تستخدم العوالم الممكنة لبحث أمور تتعلق بالوعي والتجربة. أما في الأدب فأصبحت العوالم الممكنة إطاراً لقراءة السرد الخيالي، مباشرة أو مواربة حيث كل رواية، أو حتى كل نص من نصوص المدن الفاضلة (اليوتوبيات) يخلق عالماً ممكناً له قوانينه وشخصياته ومنطقه، ثم في مطلق الأحوال، غايته السياسية التي قد يصل بها الأمر إلى أن تكلف مسعى أي مبدع من المبدعين اليوتوبيين في مجالها، حياته أو سمعته.

المزيد عن: روايات الخيال السياسيالدوس هاكسليالفيلسوف الفرنسي فولتيرالفيلسوف الألماني لايبنتس

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00