بريخت وهيلينا فايغل (مواقع التواصل الاجتماعي) ثقافة و فنون رسالة بريخت إلى زوجته: لا موسيقى في جنازتي by admin 16 February، 2026 written by admin 16 February، 2026 43 عندما نظم سيد المسرح الملحمي ساعاته الأخيرة وكأنه ينجز سينوغرافيا كئيبة اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب “عزيزتي هيللي، في هذه الرسالة أود أن أطلب منك أن تسهري على الأمور التالية: أولاً، أن يتم التأكد الحقيقي من موتي حين تحين ساعتي. ثانياً، أن أنقل إلى مثواي الأخير في تابوت من حديد أو فولاذ. ثالثاً، ألا يفتح تابوتي وأنا فيه، في أية لحظة. رابعاً، حين يعرض تابوتي أرجو ألا يعرض إلا في قاعة التمارين المسرحية. خامساً، ألا يتكلم أحد لا أمام تابوتي ولا أمام قبري، على أن تقرأ فقط هناك قصيدتي: إلى الذين يأتون من بعدنا. سادساً، ألا يسمح لغير الممثلين بالسهر على تابوتي في ليلتي الأخيرة، هذا إذا أصررتم على أن تكون ثمة سهرة حينئذٍ. سابعاً، ألا تعزف في وداعي أية موسيقى. ثامناً، أن أدفن إما في جنينتي في بوخاو، وإما في المقبرة الواقعة قرب شقتي في شوسيستراسي، على أن تحمل لوحة القبر اسمي بريخت من دون أية إشارة أخرى. أشكرك يا هيللي. بريخت. نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1953. برلين”. طبعاً لن يرحل بريخت عن عالمنا إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاث سنوات، وتحديداً كما نعرف في أغسطس (آب) عام 1956، لكن ما دونه من تعليمات في تلك الرسالة – الوصية التي وجهها باكراً إلى زوجته هيلينا فايغل، ظل من دون تبديل، وهي على أية حال نفذت تعليماته بدقة، ولكن بقدر كبير من الرعب أيضاً. برتولد بريخت (1898 – 1956) (ويكيميديا) مزاجه الخاص الحقيقة أن هيلينا فايغل عاشت كل علاقتها مع بريخت تحت وقع مزاجه الخاص، على رغم أن الصورة من الخارج كانت توحي أن العكس صحيح وأنها كانت من قوة الشخصية ما جعلها تسيطر عليه، بيد أن هذه الصورة التي سادت طويلاً، لن تتبدل إلا سنوات طويلة بعد موته، وحتى موتها، وليس بفضل الدراسات التي كتبت عنه وعنها، وبالتحديد عنهما معاً، وهي كانت ولا تزال عديدة ومتناقضة من جراء خضوع معظم كاتبيها لأهواء أيديولوجية وسياسية جعلت من يجاري الثنائي في أفكاره يمتدح العلاقة، بل يؤمثلها بينما يفعل ما هو عكس ذلك من يناوئهما. والحقيقة أن ثمة فريقاً ثالثاً، بل رابعاً وخامساً، واللائحة تطول، حاول دائماً تحري حقائق العلاقة بين بريخت وهيلينا فايغل، من خلال البحث في مذكراتهما، وحتى أحياناً في سياق المسرحيات وتحليلها نفسياً حتى، ولكن عبثاً، فهو وهي كانا شديدي الحرص على حميميتهما، إلى درجة أنهما في كل نصوصهما كانا يحرصان (على اتفاق بينهما أم من دون اتفاق؟) على منع تسرب أي شيء يتحدث عن خصوصيتهما إلى خارج دائرتهما الضيقة، لكن هذا لم ينطبق كما يبدو على رسائلهما التي ما كان أي منهما، وخصوصاً هو على أية حال، ليتصور أن آخرين غيرهما قد يقرآنها. كتاب “مشترك” وهكذا، سيكون صدور كتاب “مشترك” عام 2012 يجمع فيه ناشر بريخت الألماني المعتاد “سوهركامب“، الرسائل التي تبادلها بريخت وفايغل طوال ثلث القرن تقريباً التي عاشا معاً خلاله، لتشغل ما لا يقل عن 400 صفحة بحروف صغيرة، سيكون فرصة نادرة للتعرف حقاً، ليس فقط على نمط العلاقة، الزوجية والعاطفية والعملية معاً التي قامت بينهما، وذلك تحت عنوان يكاد يقول وحده أموراً كثيرة “إنني أتعلم كيف أغسل الكؤوس والأطباق: رسائل بين 1923 و1956”. ونعرف طبعاً أن العام الأول هو الذي شهد بداية ارتباطهما، بينما شهد العام الأخير رحيل الكاتب الكبير بالتالي نهاية تلك العلاقة، والحقيقة أن تلك الرسائل أتت حافلة بالمفاجآت. أما أولى تلك المفاجآت فكانت صورة بريخت التي تبدلت تماماً في نظر المهتمين به على ضوء ما يستشف من رسائل تابعت حياته من الداخل طوال ما يزيد على ثلاثة عقود كانت مسرحياته ومواقفه ونضالاته وحضوره الباهر في أوروبا وأميركا، ثم في شتى أنحاء العالم، تعكس له صورة مليئة بما يتناسب مع ما تصوره به نتاجاته المسرحية والشعرية، بل في عديد من المجالات الأخرى، بشكل يتساوق مع المواقف المتنوعة والمتناقضة منه، ولكن، لا! فالآن وبعد “انكشاف” صورته من الداخل، بات من الضروري بالنسبة إلى البعض فصل كينونته الفكرية والفنية، عن حقيقته الشخصية وتلك الحقيقة تفيدنا أول ما تفيدنا بانه، في حياته الشخصية، كان طاغية، ولعل هذا سيبدو أهم ما يكشف عنه ذلك الكاتب الكبير، بشكل خاص، من خلال رسائله إلى تلك التي وضعت من أجله ألف قناع على وجهها طوال حياتهما المشتركة، أما الجانب الآخر فإنما كان تلك السوداوية التي هيمنت على حياته وأفكاره، بخاصة خلال السنوات الأخيرة من حياته حين كان العالم كله يمجده وينظر إليه كأيقونة فيما هو ينظم جنازته في رسائل يوجهها إلى هيلينا من دون أن تجرؤ هي حتى على مناقشته في الأمر. وقفة عقلانية ومع ذلك لا بد من التوقف قليلاً وبصورة موضوعية عند هذا الجانب الأخير من المسألة، وذلك بالنظر إلى أن في رسائل بريخت التي كتبت خلال تلك السنوات الأخيرة ما يبدو أنه يفسر كل هذا من منطلق عقلاني. ففي السنوات الأخيرة من حياته، بدا برتولد بريخت وكأنه يعيش مفارقة وجودية حادة: فهو من جهة الكاتب الثوري الذي غير وجه المسرح العالمي، ومن جهة أخرى الفنان المحاصر سياسياً وأخلاقياً داخل نظام لم يكن أقل قسوة من الأنظمة التي فر منها سابقاً. ومن هنا فإنه، بعد عودته إلى ألمانيا الشرقية عام 1949، إثر سنوات طويلة من المنفى في الدنمارك وفنلندا والولايات المتحدة، استقر بريخت في برلين الشرقية حيث أسس مع زوجته هيلينا فايغل فرقة “برلينر إنسامبل”. كانت هذه المرحلة ذروة نضجه الفني، إذ شهدت إعادة تقديم أهم أعماله مثل “الأم شجاعة وأبناؤها” و”دائرة الطباشير القوقازية” و”حياة غاليليو”، في صيغ إخراجية معظمها تبدى لديه جديداً يستفيد مما اكتسبه من تجارب ورُؤى، ولكن كذلك من خلال احتكاكه أكثر وأكثر بحداثات الأمم الأخرى، بخاصة بعالم السينما، الذي إذ أسفر اندماجه فيه، وحتى في هوليوود نفسها، عن تجدد مذهل في لغته البصرية والتجديد في التقنيات المسرحية، وعرف طبعاً أن هذا كله، لئن كان قد كرَّس نوعاً من انفجار ثوري في مسرحه الملحمي بالذات، فإنه أحدث لديه قلبة أيديولوجية حيرته في وقت كانت تكرس لديه صيغ جديدة لتصوره للمسرح الملحمي القائم على إيقاظ وعي المتفرج بدل استدراج عواطفه. كآبات السنوات الأخيرة غير أن العلاقة بين بريخت والسلطة الاشتراكية التي كان يعيش في ظلها في القسم المنتمي إلى المعسكر الاشتراكي من ألمانيا، التي طلعت مقسمة بعد هزيمة النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، كانت ملتبسة، بل شديدة الالتباس. فقد رحبت به الدولة كرمز ثقافي عالمي، ومنحته امتيازات واضحة، لكنه ظل مراقباً ومطالباً بالانضباط الأيديولوجي، هذه المفارقة بلغت ذروتها عام 1953 أثناء انتفاضة العمال في برلين الشرقية، حين اتخذ بريخت موقفاً حذراً، انتقد فيه أخطاء الحكومة من دون أن يقطع معها علناً، مما عرضه لاحقاً لاتهامات بالانتهازية أو الصمت الأخلاقي. صحياً، كانت تلك السنوات مثقلة بالإرهاق، فقد عانى بريخت من مشكلات قلبية مزمنة، وكان يدرك أن الزمن يضيق، ومع ذلك واصل الكتابة والتنظير، فدون تأملاته في المسرح والسياسة، واشتغل على قصائد قصيرة كثيفة النبرة، بدت كأنها خلاصات حياة كاملة. في هذه النصوص المتأخرة، يخف الخطاب الدعائي ليحل محله صوت أكثر مرارة وتأملاً في هشاشة الإنسان وتناقضات التاريخ. توفي بريخت في الـ14 من أغسطس عام 1956 عن عمر يناهز الـ58، وبرحيله، لم يفقد المسرح أحد كبار مجدديه فحسب، بل خسر القرن الـ 20 ضميراً فنياً ظل حتى النهاية يقاوم التبسيط، ويصر على أن الفن الحقيقي لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يعلم الناس كيف يطرحون الأسئلة، ولعل في مقدمة تلك الأسئلة تلك التي ظلت طوال ما يزيد على نصف قرن تتمحور من ناحية من حول بريخت الحقيقي لا ذلك الذي يصور بصور متناقضة، ومن ناحية أخرى من حول حقيقة عواطفه، وتحديداً بصدد علاقته مع تلك المرأة النمسوية الأصيلة، هيلينا فايغل التي تبدت دائماً رائعة ومخلصة، لكن أحداً لم يتمكن حقاً من سبر عواطف بريخت تجاهها أو من سبر حقيقتها هي نفسها، فإذا بالرسائل تأتي على غير ميعاد لتقول ما لم يكن بريخت، ولم تكن هي، يحبان له أن ينكشف إلى العلن. المزيد عن: برتولد بريخت هيلينا فايغل برلين فرقة برلينر إنسامبل السلطة الاشتراكية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الرئاسة التركية تحذف رسالة تشير إلى مرض محمد بن زايد next post أحوال العائلة المضطربة تفاجئ جمهور برلين You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026