بأقلامهمعربي د.فيصل سلطان: جحيم المنصات الفنية في بيروت by admin 10 سبتمبر، 2020 written by admin 10 سبتمبر، 2020 1.8K هل يمكن ان يكتب الحطام تاريخ مستقبل فنوننا؟ د.فيصل سلطان كأننا نقبل كفنانين بما يختفي من منصات وصالات ومحترفات فنية دون ان نذهب ابعد من ذلك. كيف لنا ان نقبل بما جرى في نكبة مساء 4 آب مقتنعين ان كل شيء انتهى دون ان ينتهي، ومضى دون أن يمضي. كيف لنا ان نقبل بالجحيم القادم من انفجار مرفأ بيروت، بعد ان كبرت الفاجعة وتكدس الدمار الرهيب بهدوء اليائسين في شوارع وقصور ومتاحف وصالات وغاليريات ومحترفات كنا نرتادها كي نتقاسم فيها تجليات فنون مدينتنا المتعددة الثقافات. مدينتنا التي كانت ولا تزال تحلم دوما بفنون التخوم المشمسة، كما وصفها الشاعر صلاح ستيتية. مدينتنا التي حضنت ذاكرة فنية موغلة في الزمن، لا نهاية لها. ذاكرة التاريخ الفني المفتوح على تجليات الماضي والحديث والراهن. لقد عشنا مرحلة رعب فريدة، من دمار بيروت، مرحلة ما بعد عصف انفجار الموت في عنبر رقم 12 ومشهد الغبار الناري الأحمر الملون بالدم والرماد والحطام، الذي انبثق فوق مرفأ بيروت، مثل وردة من جحيم ناري ذري، وعصف إعصار رهيب لهزة ارضية عنيفة دمرت أكثر من نصف بيروت. إهراء القمح وعنابر على طول رصيف المرفأ وعمارات زجاجية شاهقة وشقق وبيوت وقصور تراثية ومكاتب ومحلات وصالات ومقاهي وشوارع واحياء سكنية ومصانع وسيارات، أضحت جمعيها محطمة ومدمرة، عارية الملامح لا تستند على شيء، دون سقوف ونوافذ وشرفات وابواب وشبابيك زجاجية وخشبية ومعدنية، تدحرج حطامها كسلالات خراب وأشلاء عمائر وامطار زجاجية كثيفة غطت الشوارع وبقايا كل الامكنة. ما حدث في بيروت أشبه بيوم القيامة. غاب كل شيء في دائرة عصف الموت، بحيث لم نعد نرى سوى الحطام الجنائزي وقاع الهشيم البلوري المتناثر الممزوج بالدماء وهو يتأجج في غفلة من الزمن، فوق أجساد الضحايا، في شوارع مأهولة وبيوت آمنة أضحت كومة أشلاء، لموت جماعي. (1) لا أدري لماذا تذكرت وانا اشاهد صور الدمار الرهيب لوحة جدارية لضياء العزاوي عرضت في متحف نابو في سياق معرض يأس وأمل. ربما هي غرابة الفن ان يسلط الضوء الكاشف على مجهول وجودنا. جدارية بالأسود والأبيض، كنقيضي لضفاف البوح باليأس والأمل، في فصل جديد من جحيم ينتظرنا. كأن الموت في رحلة العمر في منأى عن الحواس. وان العذاب ليس ما يفجع، بل سبب العذاب. بين ضفة وضفة دمار وخراب، يطل الخارج والداخل على ما هو نهاية وبداية، على ما تراه العين قبل ان ترى، وما سوف يقال انه انتهى. تذكرت أيضا لوحات ناديا صيقلي ” نوافذ عما غاب عني ” التي عرضتها في متحف جورج بومبيدو في باريس العام 1978، كتحية الى مدينة بيروت المنكوبة بدمار حرب السنتين، من أجل ان تخلع الحزن عن دم الأشياء الحميمة التي غابت، والكشف عن وشوشة الحطام وتمزقات زمن الموت. يصعب علينا التذكر، كما لو اننا امام علاقة تبادلية مع مظاهر آخر النسيان التي تتجاوز الوجود الى الموجودات في بنية الكشف عن الخراب الكبير الذي أصاب المنصات الفنية في قلب بيروت. لم نكن ندري ان مدينة الأحلام والمشاريع الثقافية والفنية كانت بأكملها قريبة ومهددة بالموت. وان تاريخها الفني مهدد دوما بجحيم الغياب. منذ تدمير الطيران الإسرائيلي صيف العام 1982 لقصر الاونيسكو في بيروت وتحطيم وتلف مجموعات كبيرة من لوحات ومنحوتات، كانت تشكل ذاكرة فنون بيروت (من مقتنيات الدولة اللبنانية) كانت تحفظ في الطابق العلوي للقصر كنواة لمشروع انشاء المتحف اللبناني للفنون الحديثة، وصولا الى النكبة الكبرى لدمار المنصات الفنية في صيف العام 2020. كما لو ان عصف انشطار الانفجار الرهيب دعانا من جديد كي نتفرس في معاني مآسي حداثتنا المعطوبة، كي نواجه من جديد منطق كتابة التاريخ كقصة، او كمشهد يغوص عميقا في صلب دمار المحترفات والصالات والمنصات الفنية والقصور، التي أصبحت او كادت ان تصبح مقابر لمقتنياتها الفنية، في ليل أسود امتد أطول من السماء. من حكايات الموت الجنائزي، تتبلور صور الخراب الذي أصاب ذاكرة فنوننا. فالخوف كل الخوف ان تقودنا مشاعرنا نحو صدمات الزمن الخرافي بفواجع الواقع الأليم ومرارة الدمار والعتمة التي اصابت في الصميم منصات البنى التحتية للحياة الفنية. أكثر من 20 صالة عرض وغاليري أصيبت بعصف الخراب والدمار (غاليري تانيت –غاليري صفير زملر-غاليري المرفأ-غاليري لوسي توتنجيان -غاليري شريف تابت – غاليري فادي مغبغب-غاليري أرام-غاليري آر سنتر –غاليري آر 56-غاليري فانتين آر-غاليري 392-غاليري لو بلوم –غاليري أليس مغبغب-غاليري إكزود-غاليري ألوان-غاليري أجيال – غاليري صالح بركات – غاليري كاريه دارتيست -غاليري إيماغوس -غاليري مارك هاشم) كما أصيبت قصور ومتاحف بأضرار فادحة (قصر الليدي ايفون سرسق كوكرن –متحف نقولا إبراهيم سرسق – قصر ليندا سرسق – قصر هنري فرعون الذي تحول منذ سنوات الى متحف روبير معوض – فيلا عودة -متحف بول غيرغوسيان). كما شملت الفاجعة اغتيال المنصات الفنية للمصانع الخاصة بالفن (مشغل بواسيري دي ريف) ومحترفات وبيوت الفنانين وأصحاب المجموعات الفنية وصالات قاعات العرض الكبرى (الفوريم دي بيروت – والبيال). الخوف كل الخوف ان تختفي تلك المنصات، ان ترحل، او ان تتراجع، أو ان تطوى في النسيان. فالانتظار لعمليات ترميم الحطام والتريث في استعادة النشاط هو بمثابة الخضوع لعمليات المحو الذاتي. كما لو ان بيروت تتسلق هاوية التصدع والدمار وهي تعانق دم الأشياء الزائلة في زمن النكبات الفنية التي تفيض بها الأمكنة المهدمة، دم الأشياء التي تنحني نحو موتها البطيء. لوحات ممزقة وتماثيل متكسرة وواجهات عقود وابوب وزخارف سقوف ونوافذ لروائع اللوحات الزجاجية الملونة، التي كانت تفيض بستائر النور في قصور وكنائس وبيوت تراثية آمنة. (2) السؤال كيف ستخرج بيروت من تداعيات هذه النكبة المعمارية والفنية؟ المعروف ان الراحل الكبير غسان تويني حين كان يتولى رئاسة لجنة متحف نقولا سرسق وقّع وثيقة تعاون مع رئيس مركز جورج بومبيدو جان –جاك أليغون. لذا أبدت إدارة متحف بومبيدو استعدادها للمساعدة في ارسال خبراء ترميم للأعمال الفنية التي أصيبت (قدّر عددها ب 25 قطعة فنية)، من ضمنها لوحات لكبار الفنانين اللبنانيين (أمثال جورج القرم) ولوحة بورتريه لسيد القصر نقولا سرسق، رسمها الفنان الهولندي كييس فان دونغان (1877-1968) كانت معلقة في مكتبه بالقرب من القاعة الشرقية للمتحف التي أصيبت بأضرار فادحة. اكدت منظمة اليونسكو في باريس انها ستقود عملية التحرك الدولي لإعادة ترميم التراث المعماري في بيروت، قديمه وحديثه، وأنها ستستعين بمنظمات وخبراء في الترميم من لبنان والخارج لهذه الغاية. والمؤسف ان الليدي ايفون سرسق كوكرن التي دافعت طوال عقود عمرها للحفاظ على التراث المعماري في بيروت شاهدت وهي في خريف العمر اهوال هذا الجحيم الذي أصاب القصر والبيوت التي حافظت على رونقها الجمالي برموش العين. فالألم لا حد له والمرارة تسكن القلب، وكيف للفن ان يحرك الناس إذا كان الفن لا يتحرك بمصائر الناس. انها الفاجعة. من الجهات كلها تتقاطر ذاكرة الانهيارات الكبيرة. لم يعد في بيروت إطار للحياة، بل أصبح الدمار جزءا من صورة الموت التذكارية. فالمطالبة بالترميم، يعني ان نتورط في زمن ميت، مرتبط بضمير الغياب الرسمي للسلطات اللبنانية لنجدة المنصات الفنية والابنية المتصدعة فضلا عن لوحات متكسرة وتماثيل باتت أشلاء دون ملامح. لذا فان الدعوة لإنشاء محترفات محلية، لترميم اللوحات والمنحوتات المصابة، التي أطلقها الفنان غابي معماري وزميلته نايلة يارد، تبدو كصرخة، لا هي غائبة ولا هي حاضرة، تقتات على ما يشبه الحياة في الموت. فالنكبة كبيرة والمأساة الفنية هي حياتنا، لا خيار لنا في ذلك. لذا فإن الدعوة لترميم ما تراكم من خراب في فنون بيروت، هو بمثابة سؤال عن الحيرة التي تخرجنا من يأس أقوى منا، ومن رسوم ولوحات ومنحوتات باتت أثر على الفقدان. ومن اجل ذلك دعت دار كريستيز في الشرق الأوسط الى تنظيم مزاد دولي عالمي لمساعدة الغاليريات والفنانين اللبنانيين في عمليات ترميم محترفاتهم المتضررة من انفجار 4 آب، وان هذا المزاد سيشمل أيضا دعم مشاريع الترميم في متحف سرسق. لن اكتب نصا مأتميا عن فنون بيروت بل سأكتب نصا عن ذاكرة فنية مهددة، في مواجهتها زمن الغموض والاختفاء. بانتظار ما سيأتي الفن دائما وابدا سيبقى دافعا لمشروع الانبعاث والكشف عن حب كبير لوطن يعيش مخاضه. (3) قبل لحظات من انفجار مرفأ بيروت كان المهندس الفرنسي جان مارك بونفيس يصور من نافذة شقته في مبنى ” إيست فيليدج “، في منطقة مار مخايل، حدث الحريق الذي ارتفع فجأة أمام عينيه في المرفأ. لم يكن يدري انه صدفة يحدق بعينين مفتوحتين وبهدوء مميت منظر الانفجار الرهيب في لحظات تأججه واكتماله. لذا كان شاهدا وشهيدا عندما أخذنا نحو قشعريرة الموت وهو يقبض بالخواء الأخير المعلن للصورة. لم يكن يدري انه يوثق لموت المدينة التي أحبها، والتي ساهم في تصميم بعض ابنيتها الحديثة المميزة، من ضمنها مشاركته لفريق عمل المهندس ايلي جبرايل في ترميم مبنى المكتبة الوطنية في الصنائع. كان يرغب ان تلامس تصاميم عماراته نبوءات الحداثة الجديدة، من خلال مصالحة الانسان مع تاريخه. فهو من عائلة بونفيس التي سجلت في صور وثائقية خطوات مشاريع التحديث لمرفأ بيروت (في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين)، لم يكن يدري ان لون القمح الذي يتموج على رصيف المرفأ سوف يكتب بداية ونهاية أحلامه، وان واجهات بيروت التراثية والحديثة سوف تصاب بلعنة الدمار والعراء وان القصور والبيوت وواجهات العمارات الزجاجية سوف تتهاوى وان امطار شظايا الزجاج المتناثر سوف يغطي ذاكرة الطرقات، مثل خيوط الخيبات في معابر نهايات الحياة الهشة. من يتجول في بيروت، يكتشف هول الدمار الزجاجي والمعدني في أبراج ما بعد العاصفة. واجهات لا ذاكرة لها وغرف في العراء واضطراب على مدى حزن البشر في البشر. لذا تبدو العمارات المنكوبة اشبه بمنحوتات بسام كيريلوس، ابدية في خوائها، يخيم عليها اغشية الصمت المغلقة في افواه الموتى. يصعب علينا تتبع آثار الدمار في عمارة بيروت التراثية. والسؤال من سيرمم الأبواب والنوافذ والحشوات ولوحات السقوف الخشبية، ومن سيعيد للمكان رونق زخارفه وحشواته وسحر اطلالة “فيتراي” الزجاج المعشق باللون والنور. هل لدينا الكفاءات لمواجهة هذا الوضع الخطير، في مئات البيوت والقصور الشرقية، ومراعاة اعتباراتها التصميمية. كما لو ان بيوت بيروت مشرعة على حزن عميق لموت جماعي، موت يحول الناس والذكريات الى حكايات كابوس عابر. فالمدينة تواجه اقدار الموت بالميلاد، والراهن بالممكن والواقع بالحلم والخراب بمعجزة الظل الذي يختلج قبل ان يتحول الى ليل مضيء. (4) انني حزين الى حد الصمت، وانا اشاهد الحضور الرهيب للموت في وطن استحال بيتا للرعب. كان عليّ ان أتوقف قليلا قبل ان اغادر شقوق الجدران والواجهات المنهارة لبيوت وشوارع تمضي وتدور بلا عدد على وقع انفجار كالجحيم أفسد حياة مدينة بأكملها. لقد تفجرت المصيبة ودخلت كل البيوت. ان عظمة بيروت تكمن في معاناة فجيعة حقيقية أصابت الجميع. ماذا يبقى لنا غير هذا الحماس كي نرمم ما تهدم. بيروت باتت مدينة مستحيلة سرقت إرادة الحياة من بين فكي الموت. صفحة الكاتب / facebook 3٬583 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post رسالة تحذير أميركية للفاسدين والمرتبطين بحزب الله next post جديد : عبد الرَّحمن بسيسو في أَقْنِعَة كُوفِيدْ (IV) You may also like ساطع نورالدين يكتب عن: في الحاجة الملحة الى... 11 مارس، 2026 علي واعظ يكتب عن: رهان ترمب في إيران 11 مارس، 2026 شيرا عفرون تكتب عن: إسرائيل بعد حرب إيران 11 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب عن: الحرب الحاليّة و«انعزاليّة» اللبنانيّين 10 مارس، 2026 غسان شربل يكتب عن: حرب تغيير الملامح 10 مارس، 2026 داليا داسا كاي تكتب عن: وهم الشرق الأوسط... 8 مارس، 2026 دانيال بايمان يكتب عن: هل لا يزال “حزب... 8 مارس، 2026 ريتشارد فونتين يكتب عن: الحرب على طريقة ترمب 8 مارس، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب عن: نهاية إيران كقوة... 8 مارس، 2026 دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 مارس، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ