دوغلاس ستيوارت يسرد التشرذم العائلي في الضواحي الاسكتلندية – CANADA VOICE
السبت, أغسطس 22, 2026
السبت, أغسطس 22, 2026
Home عربيثقافة و فنون دوغلاس ستيوارت يسرد التشرذم العائلي في الضواحي الاسكتلندية

دوغلاس ستيوارت يسرد التشرذم العائلي في الضواحي الاسكتلندية

by admin

“شوجي بين” الرواية الفائزة بجائزة مان بوكر ترجمت إلى العربية

اندبندنت عربية / شريف الشافعي كاتب وصحافي

في روايته “شوجي بين”، الفائزة بجائزة المان بوكر البريطانية لعام 2020، وصدرت باللغة العربية حديثاً عن دار “صفصافة” في القاهرة بترجمة ميسرة صلاح الدين، يخوض الكاتب الاسكتلندي الأميركي دوغلاس ستيوارت معركة مزدوجة، فينتصر؛ على الصعيد الفني؛ للمعمار الروائي التأسيسي الرصين في مقابل انزياحات تجريبية وصيغ تعبيرية معاصرة لم يلتفت إليها. كما ينحاز؛ على المستوى الاجتماعي، للعمال والفقراء والطبقات المقهورة المهمشة في مواجهة الأثرياء والبرجوازيين وأصحاب النفوذ والإنتاج والسيطرة، الذين لم تسند إليهم أدوار رئيسة.

تغرق الرواية الضخمة (660 صفحة) في خضم التفاصيل الثرية والاستقصاءات المتعمقة لملامح الحياة ووجوه البشر ودروب الواقع المعيش في منطقة غلاسكو والضواحي الاسكتلندية البائسة في الفترة ما بين 1981 و1992، حيث تعم البطالة والأزمات الاقتصادية ويسود القهر والكساد، وتتدنى أجور الأعمال الشاقة كما في مناجم الفحم، إلى حد مهين للرجال والنساء، وينخرط الأطفال أيضاً في سوق العمل مجبرين لكسب قوت يومهم.

وتقود جملة الأوضاع السيئة القاسية إلى انحرافات سلوكية وأخلاقية من قبيل الإفراط في السكر والتدخين والإدمان والعربدة ولعب القمار وما إلى ذلك. كما قد تلجأ النساء إلى بيع أجسادهن وربما أرواحهن بثمن بخس “توجد حانات قديمة يجلس فيها الرجال والنساء العجائز للحصول على بعض المتعة. كانت النساء النحيلات ذوات الوجوه العصبية يبعن أنفسهن لرجال يركبن سيارات فاخرة، وأحياناً يجد رجال الشرطة قطعاً من أجساد هؤلاء النساء مفصولة وملقاة في أكياس سوداء”.

ومن فخ إلى فخ، ومن متاهة إلى أخرى، يمضي الفرد الضعيف المترنح في المجتمع الطبقي، الذي يعج بالتفرقة والتمييز، وتعلو فيه أصوات الضغينة والحقد والصراعات الحادة، ليس فقط بين الفئات الدنيا والعليا، وإنما بين البروتستانت المحتجين والكاثوليك كذلك، وبين الذكورة والأنوثة في مسالك الانتهازية والتقاتل والخداع. تفتش المرأة الجائعة الشريدة عن زوج أو رفيق يتكفل بها ويعفها عن السؤال، فيما يسعى الرجل المتنطع إلى امرأة عاملة يقتات بخسة على عرقها: “سوق العمل هذه الأيام يدفع المرأة للعمل من أجل الإنفاق على الرجل الذي يعيش معها، فكل الرجال صاروا يتعفنون على الأرائك في المنزل، ولا يجدون عملاً”. هذا الضياع الفردي المحتوم هو نواة للتشرذم العائلي (هرب الزوج من المسؤولية أو خيانته أو انسحاقه في حياة الليل، فساد الزوجة أو توجهها إلى الإدمان أو محاولتها الانتحار، تشتت الأبناء واغترابهم…)، ما يصل بالمجتمع بأسره في نهاية المطاف إلى أقصى درجات التفسخ و الانهيار.

معادلات محسوبة

تبدو الرواية الأولى للكاتب دوغلاس ستيوارت (45 عاماً)، المقيم في نيويورك، محصلة اشتغالية محبوكة لأبنية متراصة ومجموعة من العلاقات المتشابكة والمعادلات المحسوبة بعناية. فهي في أفقها القريب تصور حياة “شوجي بين”، الذي كان طفلاً في الخامسة من عمره عام 1981، وصار مراهقاً عام 1992، وخلال تلك الفترة العصيبة من حياته، تعرض الابن الأصغر “شوجي” مع أخيه الأوسط “ليك” وأخته الكبرى “كاثرين” لسلسلة من المتاعب والإخفاقات والخسارات.

الرواية في الترجمة العربية (دار صفصافة )

جاء ذلك، جراء غياب الأب “شوج” (سائق الأجرة) وانغماسه في ملذاته النسائية، وسقوط الأم “أغنيس” في براثن الوحدة والاغتراب واليأس والمغامرات العاطفية الفاشلة وإدمان الكحوليات ومحاولة الانتحار، ما أدى إلى موتها في النهاية بفعل الكحول لصق ابنها “شوجي”، الذي لم يتخل عنها على مدار الأيام الصعبة السوداء. وقد حاول إنقاذها بشتى الطرق، بالتوازي مع محاولته إنقاذ ذاته من الحرمان، الذي قد يعني القتل حقيقة لا مجازاً، إذا تقاعس عن تدبير احتياجاته المادية: “عندما تأخر شوجي عن دفع إيجار غرفته التي يسكنها، طرقت بابه صاحبة المنزل بعنف، بصحبة سيدة أخرى مدججة بالسلاح”.

استلهم المؤلف حكاية “شوجي” المبسطة، وضفرها بذكريات سنواته الأولى التي قضاها صبياً في اسكتلندا في ثمانينيات القرن الماضي، مهدياً روايته إلى أمه الحقيقية التي رحلت مبكراً بسبب إدمانها الكحول، ليكون العمل مزيجاً من المتخيل الدرامي، وظلال السيرة الذاتية المعالجة فنياً بشكل كبير. ومن شوجي إلى أسرته الصغيرة، ومن الأسرة الصغيرة إلى المجتمع ككل، نفذ الكاتب بسلاسة وعفوية، مقدماً قراءة موسعة لخرائط الألم والعنف والقهر والفقر وانعدام الوزن وإيذاء الذات للنسبة الأعم من الشعب في هذه المرحلة الموحشة.

اتسم المعمار الفني للرواية بالجدية والانضباط والهندسة القياسية المعيارية، ويمكن القول إنه في ما عدا خلخلة منحنى الزمن ببدء الأحداث في عام 1992 ثم ارتدادها إلى عام 1981، واختتامها مرة أخرى بعام 1992، فإن كافة مقومات العمل وعناصره ومفرداته تندرج تحت مظلة الرواية المألوفة بقوالبها الاعتيادية الدارجة. فهناك راو عليم يحكي وحده عن الشخصيات جميعاً من خارج الحدث، وهناك وقائع يقينية غير قابلة للتفسيرات النسبية ووجهات النظر المتباينة، وهناك شخوص واضحون يحيون ويتنافسون ويتصارعون في أمكنة محددة مسماة بعينها. وهناك عقدة تتصاعد نحوها الأحداث (موت الأم بين يدي ابنها)، إلى آخر هذه التوليفة التي أراد بها المؤلف أن تكون روايته امتداداً للروايات الكلاسيكية “أمهات السرد” بسمتها الوقور.

ثورة الجزئيات

جاء رهان رواية “شوجي بين” الأساسي على قيمة التفاصيل الكثيرة والجزئيات الدقيقة في حد ذاتها، فاللغة السينمائية لا تمر على المشاهد مرور الكرام، وإنما تتمعن وتتعمق في المواقف واللقطات وتحليلاتها الظاهرة المرئية، والداخلية الغائرة في الطبقات الإنسانية الدفينة، لتتحول الصور المنقولة إلى ثورة لا تترك كبيرة ولا صغيرة في الحياة من دون أن ترصدها وتسبر أغوارها وتكشف خباياها وما وراء سطحها من جوهر.

من ثم، فإن من حصص الرواية، ودروسها الكثيرة، ما ينتمي إلى علوم الديموغرافيا والطوبوغرافيا والتاريخ والاجتماع وعلم النفس والاقتصاد في آن. فهي ليست رواية تنقل حياة أسرة صغيرة في حقيقة الأمر، وإنما هي دائرة ضوء موسعة مكثفة تسهب في تشريح النسيج المجتمعي في ذلك التوقيت، وينطوي هذا الإسهاب على كل ما يريد المرء أن يعرفه عن سمات البشر والزمان والمكان.

ومن ذلك، على سبيل المثال، اليوميات الكاملة لعمال المناجم الفقراء، وكيف يعملون، وماذا يأكلون، وماذا يكتسبون، وما حظوظهم في الإعانات الاجتماعية الزهيدة، وفي أي منازل يقيمون، وكيف تختلط رائحة عرقهم وأدخنتهم وخمورهم الرديئة وقاذوراتهم في دورات المياه المشتركة، وعلى أي إيقاع تطلق قلوبهم الوجلة موسيقاها التي لا تخلو من أمل وكراهية وعشق ورغبة وتمرد وخيانة وانتقام وتحد ومشاعر متناقضة مختلطة؟

ولا تهمل رواية دوغلاس ستيوارت الفلسفة كذلك بطبيعة الحال، فالعابر واليومي ليس نهاية المطاف، وإنما يحمل في طياته شحنات ذات دلالات وإحالات وترميزات خاصة. فالمراهق “شوجي” مثلاً في أثناء عمله بأحد المطاعم وانهماكه في شي الدجاج وطهوه وإنضاجه على النار، يصب مدفع تخيلاته على البرجوازيين، متمنياً أن يحلوا محل الدجاجات المتشابهة الآتية من بطاريات المزارع. كما أنه يقارن متحسراً بين مصير هذه الدجاجات، والمصائر المشابهة لأمثاله من المقهورين المذبوحين تحت وطأة ظروف فوقية، تجعل الاختلاف بين إنسان مطحون وآخر أمراً مستحيلاً. وفي مثل هذه الومضات والخلجات الكاشفة سر نجاح الرواية في استلاب حواس المتلقي وإدهاشه وتعزيز مداركه وتشذيب انفعالاته.

المزيد عن: رواية/روائي بيرطاني/اسكتلندا/جائزة/مان بوك/رواية إجتماعية/الطبقة الفقيرة

 

 

You may also like

11 comments

1win 3 مايو، 2025 - 7:52 ص

331046 413240Generally I do not read post on blogs, however I would like to say that this write-up extremely forced me to take a look at and do so! Your writing taste has been surprised me. Thank you, quite excellent post. 571935

Reply
1xbet online 28 يونيو، 2025 - 10:56 م

895607 600592Hey! Great stuff, do tell us when you lastly post something like this! 549075

Reply
ดูหนังใหม่ 2 يوليو، 2025 - 2:47 م

984217 582442Excellent site. Plenty of useful info here. 555720

Reply
casino online 1xslots 19 يوليو، 2025 - 5:05 م

727429 61525Wow, fantastic blog format! How lengthy have you been blogging for? 807982

Reply
1win app 2 أغسطس، 2025 - 1:45 ص

226674 989033Thank you for your extremely great information and respond to you. san jose car dealers 901061

Reply
Monixbet NL review door echte gebruikers 20 أغسطس، 2025 - 1:08 ص

3370 172704really nice post, i undoubtedly truly like this outstanding site, carry on it 14440

Reply
briansclub 23 أغسطس، 2025 - 4:09 م

119327 487748Hello! Someone in my Facebook group shared this site with us so I came to appear it more than. Im undoubtedly enjoying the data. Im book-marking and will probably be tweeting this to my followers! Outstanding weblog and superb style and style. 251640

Reply
สล็อตเกาหลี 19 سبتمبر، 2025 - 2:00 م

884058 766146I added this write-up to my favorites and program to return to digest a lot more soon. Its effortless to read and realize as well as intelligent. I truly enjoyed my first read through of this write-up. 313016

Reply
uofdiyala 20 أكتوبر، 2025 - 5:35 ص

370389 808650We clean up on completion. This might sound obvious but not many a plumber in Sydney does. We wear uniforms and always treat your home or office with respect. 374181

Reply
Sol Casino 30 фриспинов 21 أكتوبر، 2025 - 1:26 ص

946236 553612Wohh just what I was seeking for, thanks for putting up. 788257

Reply
เช็คสลิปโอนเงิน 7 نوفمبر، 2025 - 5:50 ص

861157 693963extremely nice post, i definitely enjoy this fabulous site, persist with it 5242

Reply

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA'S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE EPUBLISHING NEWS - MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS - Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

TOP NEWS

الإعلام الإسرائيلي يكشف ملامح صفقة الأسرى والهدنة

by admin

توصية أميركية بحصول كبار السن على جرعة أخرى من لقاحات كورونا

by admin

اتفاق محتمل للأطراف الليبية يهدد مصير حكومة الدبيبة

by admin

زاو ووكي فنان التجليات البصرية الروحية

by admin

لماذا لا تدرّس الجامعات العربية علم الجمال؟

by admin

حملة لـ”كسر الصمت” حيال التحرش داخل أماكن العمل في الأردن

by admin

الجراحة الروبوتية ثورة في عالم الطب تبشر ببزوغ عصر جديد

by admin

عودة ثنائية “دي بروين – هالاند” الأكثر رعبا في أوروبا

by admin

زيدان على رأس أهداف مالك مانشستر يونايتد الجديد لخلافة تن هاغ

by admin

Retour du visa pour les visiteurs mexicains au Canada

by admin
Facebook Twitter Youtube
Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili