لوحة _الفتاة المريضة_ للفنان مايكل آنكر، 1882 ثقافة و فنون دلال البزري تكتب عن: صحّتي بين موطني ومَهجري by admin 4 ديسمبر، 2025 written by admin 4 ديسمبر، 2025 65 “أقرأ هنا وهناك أن الذكاء الاصطناعي يرتكب، مثل الأطباء، أخطاء مميتة أحيانًا. فألجأ إلى الترقيع… قليل من هنا وقليل من هناك. وهذا “الهناك” من جعبة أمي وجدتي، أو من الصيدلي السوداني” العربي الجديد / دلال البزري – باحثة وكاتبة لبنانية آخر سنواتي العشر في لبنان لم تكن هَنِيّة. تدهورت صحتي، وباتت أوجاع “الديسك” تلازمني وتمتد إلى بقية جسمي. فكانت علاقتي الجديدة مع معشر الأطباء، أراها طبيعية نظرًا لتقدّمي في السن، وقد تجاوزت الستين. وبيئة جديدة عليّ: أسماء، وألقاب، وعلاقات، وطبائع، لم أظنّ لحظة أنها ممكنة في هذا الوسط. فـ”الدكتور” الذي أعرفه كان “طبيبًا عائليًا” بالمعنى القديم للكلمة. الدكتور إبراهيم، صديق أبي منذ شبابه، يكره اللقب ويتنكّر بهندام الرجل البسيط. يزورنا بانتظام، يداوينا وسط الضحك والهزر ومزاج السيجارة الذي يتقاسمه مع أمي وأبي. أما الآن، في تلك اللحظة البعيدة عن مراهقتي، فينكشف عليّ عالم يستحق كل أنواع الفضول، كل أنواع التوسّل والاستعطاف. أبدأ بالطبيب الذي بـ”المتناول”، أي الذي يمكن أن أزوره بعد يوم أو يومين من طلبي. وهو لا يحتاج إلى كثير وقت لأحذفه من دفتر مواعيدي. وأعود وأسأل عن آخر يكون “آدميًّا”، أي نزيهًا، و”شاطرًا”، أي كفؤًا. فتكون رحلة تستمر عشر سنوات، أي حتى تاريخ قراري بالرحيل من لبنان، أبحث خلالها عن طبيب يعالج أوجاع عظامي. فنماذج إنسانية غنية ومتنوعة؛ أولها الأطباء الأقرباء، أظنّ أن فيهم رجاء. بحكم القرابة، أقول لنفسي، سوف يجدون لي من يلبّي شرطَي “الآدميّ والشاطر”. الاثنان يطنّشانني. الأول يعدني بأنه سوف يتصل بي بعد عشر دقائق، ويغيب من بعدها سنتين أو ثلاثًا. والقريب الثاني لا يختلف… فأدور على أصدقاء وأقارب، وألتقي بباقة من الطبائع المشتركة. الصديق الذي يسأل طبيبًا يعرفه عن “الشاطر والآدمي” يكون حصاده صفرًا. فالأطباء مثل دوائر العصابة، كل واحد ينادي على ربّه. فأعود وأدور هنا وهناك، بشيء من العشوائية. وعندما “أجده” وأطلب موعدًا طارئًا، لأن الأوجاع تلحّ عليّ، يكون بعد شهرين أو ثلاثة. هي المدّة القائمة بين طلبي وبين الموعد؛ وكله مرهون بـ”وجاهة” هذا الطبيب وسمعته والمستشفى الذي يستقبل فيه زبائنه. نعم “زبائن”، وليس مرضى أو مصابين؛ فـ”سعره” يتجاوز دائمًا المعقول، ولكن ماذا أفعل؟ “هذا هو السوق…” كما يعلّق الحكماء من بيننا. إذًا، شهران أو ثلاثة… وبعد ذلك، انتظار في عيادة “المُصطفى” يدوم ساعات. أدخل إليه، وهو عابس، لا يسمع، لا يقشع، ولا يدرك حتى. مشغول بما هو أهم… بماذا؟ بترشّحه إلى النيابة، أو بزبون آخر على الهاتف، أو بشاشة اللاب توب التي أمامه. يؤنبني على أوجاعي وكأنها ذنوب. وإذا كان أنيسًا، يكلّمني عن “الكبار” الذين شفوا على يديه، ليقنعني بأنه إن لم أتعافَ من حقنه، فالحق عليّ، وليس عليه. وكل مرة أخرج من عيادات أولئك الأطباء، أعترف لنفسي بالفشل. فالأوجاع مبرحة، ولا تنفع معها لا رياضة ولا سباحة يومية. فأنسى وأعود وأتذكر وهكذا… حتى يأتي اليوم الذي لم يعد بوسعي أن أمشي بشكل طبيعي. جولة جديدة حول أطباء جراحي عظام. سبعة أطباء، بالعقلية نفسها، وبالوقت الضائع نفسه، بالأموال نفسها… بلا جدوى. ويأتي “الوحي” من قريب لي، يشير عليّ باسم طبيب يعمل في إحدى المستشفيات. وقبل أن أغوص في الفخ مجددًا، أسأل عنه، وأطلب من صديقة صحافية أن تفعل. وبعد زيارتي الأولى له، أستفهم عن العملية الجراحية التي يعلن أنه عليّ الخضوع لها… وكل الإجابات تشجعني عليها وتثني على هذا الجراح بالذات. العملية نجحت، ولا حاجة للقول إنها كلّفت بضعة آلاف من الدولارات، في وقت أغلقت المصارف على كل الودائع، إذ حصلت وقت الانهيار المالي الكبير. ولا إلى القول بأن هذا الطبيب “الناجح” كان فاقدًا لقلبه. إنه الله يمشي على الأرض ملكًا، ينعم عليها بنظرة من علوّه. مثل كل “الناجحين”، لا يرى أوجاعًا ولا أرقًا ولا خفقة قلب. كأن المريض آلة، وقد أصلحها، شدّ براغيها، أو وضع لها جديدًا منها… وخلاص. بعد العملية بأسبوع، يحصل انفجار مرفأ بيروت. وأقول إنني لن أعيش بعد اليوم في لبنان. أنتقل إلى كندا. وكندا هذه، حيث تدرس ابنتي وتقيم، أزورها كل صيف، وأعجب بكل شيء فيها، وأفترض أنها مثل كل “بلاد برّا” تعيش سعيدة بصحة أبنائها. وأقول لنفسي: محظوظ من يسكن فيها. وفي البداية لا تخيّب ظني. الطبيب الهندي الذي يعالج بحصاتي في المستشفى يقرّر بأنني “سائحة لاجئة في زمن الوباء”، وأنني أستحق أن أُعامَل كما يُعامَل المواطن الكندي، أي إعفائي من تكلفة العلاج والمستشفى. وكذلك كان التطعيم الجماهيري ضد الوباء، مثلي مثل بقية المواطنين.. ولكن بعد ذلك، ومن دون إبطاء، تتكشف كندا الصحية بملامحها الحقيقية. أحصل على ما صار يشبه المواطنة بـ”الإقامة الدائمة”، أستحق مثل حملة الجنسية العلاج المجاني في كافة مستوياته، أو في أكثر مستوياته إلحاحًا. فكانت الاكتشافات الصادمة. إن كل هذه المباني الضخمة، كل هذه الآليات الواقفة على أبواب المستشفيات، كل أسمائها الطنانة، والنظافة، ونظام الاستقبال… إلخ، كلها واجهة لطب يكاد يشبه طبّنا، ولكن بنظام… أولًا: الدخول إلى الطوارئ لأوجاع أو لحالة خطيرة يستوجب الانتظار لساعات. ولا فائدة من الدم المراق، أو الوجه المنفوخ، أو التلاشي أو الإغماء. “عليك انتظار دورك!” هكذا تكون الإجابة الاعتيادية، الجافة، الخالية من أيّ مودة. ودوري سيأتي لا محالة. بعد خمس أو ست أو سبع ساعات. وقتي غير محسوب، ووقت الطبيب بالمليغرام. أسأل ممرضة بعد انتظار من هذا النوع: أين سمعتكم؟ أين كندا التي تعالج؟ لماذا أنتم ضعفاء بالطب إلى هذا الحدّ؟ فتجيب بأنه، باستثناء المباني، كل شيء ينقصهم: الأطباء، الممرضون، الـ”آي. تي.” (تكنولوجيا المعلومات). هل أستنتج بأن كندا مشغولة بالمقاولين و”المطورين العقاريين” أكثر مما هي مشغولة بصحة سكانها؟ الطوارئ هي مقدمة مفيدة للصحة اليومية أو العادية. فأنا بحاجة إلى طبيب عائلة يفيدني، في هذا العمر، عن صحة عظامي ودمي ويوميات أوجاعي. وهذا مسعى يشبه الصيد الثمين. لا يمكن إيجاد طبيب العائلة بمجرد أنني أعلنت عن عنواني وحسابي في البنك… إلى ما هنالك من معلومات. أحتاج هنا إلى “واسطة”، نعم واسطة: علاقات أو أصدقاء يكلمون العيادة أو الطبيب، وتكون الموافقة بناءً على ما توفر لديه من وقت؛ والوقت دائمًا ثمين. أفرح بطبيبي شديد اللطف. أول موعد معه يريحني. ولكن إذا احتجتُ إلى زيارة أخرى، نظرًا لما أُصاب به من أنواع كندية من الإزعاجات الجسدية، الناجمة عن برد هذه البلاد الخرافي… مثل أشكال غريبة من جفاف الجلد والبشرة… فأمامي عندها معاملة إلكترونية عليّ أن أتعلّمها. على اللابتوب، عليّ تسجيل دخولي إلى العيادة التي يعمل فيها طبيبي، ثم أنقر على اسمه، وأسجّل تاريخ ولادتي، فتظهر أمامي خانة أكتب فيها رسالتي، تعلوها إشارة تقول إن الطبيب لن يعطيني أكثر من عشر دقائق من وقته. أحمد الله أنني تجاوزت امتحان “الطلب”. بعدها يكون الموعد الآخر، أو المواعيد الأخرى، على بريدي الإلكتروني. ويبدأ الروتين: أذهب إليه والعشر دقائق تلحّ عليّ كي أستعجل، فأنسى نصف ما كنتُ أنوي الشكوى منه. ومع الوقت، أتعلم أن أكتب ما أحتاج إلى قوله، أسميها “نقاط”: النقطة الأولى، الثانية… إلخ، وأختار الكلمات الأوضح. وفي كل مرة أخرج من عنده وقد زادت إنكليزيتي قوة، وضعفت ثقتي بالطبيب. فأحضّر الموعد أكثر من المرة السابقة، وأقول لنفسي إن الطبيب يحتاج إلى من يساعده. ونظرًا لضعف معرفتي بالطب، أستشير الذكاء الاصطناعي ليساعدني على مساعدة طبيبي. ولكن في كل مرة الجواب هو نفسه: يصف لي الطبيب مزيدًا من الأدوية، بحيث لو تجاوبتُ معه، لكنتُ اليوم من ذوي الأمراض المزمنة، المدمنين على أدوية خطيرة. وعندما أقول له إن هذا الدواء أو ذاك لم ولن ينفعني، يجيبني: “الحقّ على الشيخوخة!”. والشيخوخة عنده مرض بلا علاج. وهذا الطبيب اللطيف لا يُقاس بالاختصاصي الذي استقبلني يوم الحادثة التي خُلِع فيها كتفي الشمال، تمامًا مثل الاختصاصي الذي سبقه عندما خُلِع كتفي اليمين قبلها بسنة. الموعد قبل الضوء، ومع ذلك أنتظر ساعات. أسأل السيدات خلف المكتب: طالما عليّ الانتظار كل هذه الساعات، لماذا تريدونني أن أحضر قبل كل هذا الأوان؟ يجيبون بأسباب لا أفهمها، والأرجح أنهم لا يفهمونها أيضًا… عليّ فقط أن أنتظر. حسنًا. أجلس وأسرح ببصري في ذلك المبنى النظيف الفخم. ثم تطلّ الممرضة من “الداخل”، من خلف الأبواب المغلقة، وتنادي اسمي. أفرح… ها إن الفرج قد أتى! فأدخل، وتطلب مني أن أنتظر ثانية، ولكن هذه المرة في غرفة بيضاء ضيقة مغلقة مجهّزة بالإلكترونيات… أنتظر طبيب العظم. يحضر صاحب العظمة هذا، بوجه مغلق ولهجة إنكليزية غير مفهومة، وعيون شاخصة في الفراغ. لا ينظر سوى إلى الصورة الإشعاعية لكتفي المخلوع. يتمتم، ثم يخرج مسرعًا. لا أفهم شيئًا سوى أن كتفي ما زال مخلوعًا، أو أنه “عاد طبيعيًا”، حسب ما رأى في الصورة. ولكن يا دكتور، ما زال كذا وكيت من أوجاع أو التواء أو تيبّس العضل… “لا شيء… هذا لا شيء…”، يقولها وهو خارج، مستعجلًا نهاية الزيارة التي لا تدوم أكثر من دقيقتين. وفي يوم، أمطرتني المستشفى برسائل نصية بأنه عليّ الحضور للاستماع إلى نتيجة فحص سرطان الثدي الذي أجريته قبل أسبوعين. أهرع إلى المستشفى، متوجسة مرة أخرى. إنها المرة الثانية… والله أعلم… أنتظر كالعادة، ثم أجلس في الغرفة المغلقة إياها. تحضر إحدى الممرضات وتعلن لي النتيجة: لا سرطان ثدي. أسألها: طالما تستطيعون إرسال الرسائل النصية مرتين وثلاثًا، وطالما أن الطبيب الاختصاصي لا يملك وقتًا ليعلن لي الخبر السعيد، فلماذا تعذبون أنفسكم وتعذبونني بموعد فارغ، بدل أن ترسلوا نصًّا هاتفيًا؟ تبتسم وتغمغم بكلمات عن “التنسيق” بين أقسام المستشفى. لا أفهم منها شيئًا، أو ربما تجاوزتْ تلك الكلمات حدود إنكليزيتي. وأقول لنفسي إن اللهجة غير المفهومة، المنتشرة في تورنتو، هي أحيانًا ملاذٌ للأقوال المتعثرة. أفكر أحيانًا بالتأمين الصحي وأسأل عنه. فأكتشف أنه لو أردته فعلًا، فعليّ أن أنتمي إلى نادي أصحاب الملايين، ليس فقط بامتلاك هذه الملايين، بل أيضًا أن أكون من رُبع أولئك الأصحاب. أو أن أكون من المشاهير، أو نجمة من نجوم الفن. هذا إذا غضضتُ النظر عن الفضائح التي تخرج بين الحين والآخر عن تجاوزات شركات التأمين الصحي نفسها، ومحاولاتها الدائمة للتنصل من التزاماتها المادية. أي أن المقتدرين أنفسهم غير معفيّين من الطمع أو الجهل أو انعدام الأخلاق الطبية… فأقول لنفسي إن عليّ الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، طالما أنه متوفر وبكثرة هذه الأيام. أسأله عن موضوع صحي فيجيبني بالتأكيد. ولكنني أكتشف أنه هو أيضًا قاصر، أو جاهل، أو مخادع. فأنتقل إلى ذكاء اصطناعي آخر. أجول بين ثلاثة: “تشات بوت”، “أنثروبي”، و”جميني”. أتنقل بالسؤال بينهم، أو أعيد السؤال مرة أخرى، أو أوبّخ أحدهم بأن جوابه لم يكن دقيقًا. أو أعود إلى الـ”غوْغَلة”، التي أصبحت كلاسيكية، قديمة، ولم تُفسدها النجاحات والاختراقات الهائلة لمن لحقها من ذكاء، بمن فيهم “جميني”، الذكاء الاصطناعي الذي اخترعه غوغل نفسه. وأكتشف أن للشبكة اليوم أكثر من عشرين موقعًا “مهمًا” للذكاء الاصطناعي، آخرهم ذاك العائد إلى ألون ماسك، واسمه “غروك”. وأقرأ هنا وهناك أن الذكاء الاصطناعي يرتكب، مثل الأطباء، أخطاء مميتة أحيانًا. فألجأ إلى الترقيع… قليل من هنا وقليل من هناك. وهذا “الهناك” من جعبة أمي وجدتي، أو من الصيدلي السوداني الذي أصبح مستشاري الأخير في كيفية خروجي من تعثراتي الصحية… أفرض على نفسي تعليمات صحية صارمة، لأتخيل آخرتي من دون عذاب شديد في هذه الغربة. وآخر هذه التعليمات التي أمليها على نفسي: التوقف نهائيًا عن التدخين. فالتدخين يضعني تحت رحمة نظام صحي مختل، في عالم مهدَّد. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post إسرائيل تتهم حزب الله باغتيال شهود على انفجار مرفأ بيروت next post الشعاع الحديدي.. إسرائيل تُحصّن سماءها قبل حسابات الحرب You may also like مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 مارس، 2026 الأيديولوجيات عندما تشكل الهويات وتوجه الرأي العام 4 مارس، 2026 دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة... 4 مارس، 2026 وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين 2 مارس، 2026 رينوار استلهم من الجزائر كلاسيكيته بدلا من أن... 2 مارس، 2026 المخرجة ليلى بوزيد تستحضر أسئلة تونسية مؤجلة 1 مارس، 2026 في ذكرى رافيل… كيف أعاد ابتكار إسبانيا موسيقياً؟ 1 مارس، 2026