بأقلامهم دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين إلى أبعد ما يكون عن الذات by admin 6 مارس، 2026 written by admin 6 مارس، 2026 20 الأكثر سريالية من دون أي منازع، هو حالة “الزعيم” الطائفي صاحب الشعبية الأكبر بين أبناء طائفته العربي الجديد / دلال البزري – كاتبة وباحثة لبنانية يزداد حنين اللبنانيين إلى لبنان كلّما ضاقت بهم الدنيا. يبحثون في أرشيف ذاكرتهم عن لبنان الذي كان: صوراً وأفلاماً وأغانيَ، شوارع وينابيع وجبالاً. كلّه يطفح بنوع من النرجسية بمفعول رجعي. خيالهم يمسك بضالّتهم، كأنهم يقولون: أرأيتم؟ كم كانت بلادنا أنيقة، نظيفة، منشرحة، ميسورة، مقبلة على الحياة، متحمّسة لها؟ قسط وافر من هذا الاحتفاء يأتي بمقارنة اللبنانيين بغيرهم من العرب، وبالسمعة التي كان يتمتّع بها اللبناني عالمياً: إنه أكثر “فطنة” من بقية العرب، أكثر إبداعاً. فلبنان كان ملتقى قديماً للتجارة واللغات والوساطات على أشكالها: مرفأ وبضاعة وتجارة ومترجمون، وحسن هندام وكلام. ومجتمع قليل العدد ومساحة محدودة وسط إمبراطوريات متتالية، وأقلّيات دينية وسياسية ولغوية، وقراءة “ذكية” شبه عفوية لموازين القوى المختلفة، وسخرية وفنّ كلام ذي وجهين، وأحياناً أكثر. وإرساليات تنشئ المدارس ومطابع تصدر الصحف متنوّعة وفيرة، وتنقّل مرتاح بين اللغات الثلاث: عربية وفرنسية وإنكليزية. ومهاجرون يرفعون الرأس وينجحون في المهن المشرّفة. وطبعاً، نظرة أوروبية إلى اللبناني “المتعلّم”، “المثقّف”، “الفاهم” للشرق والغرب. ومن النادر وقتها أن تجد لـ”الوطنية اللبنانية” حدثاً أو موطئاً. اللبنانيون طول عمرهم منقسمون، منذ مائة عام لحظة نشأة بلادهم وحتى الآن، مروراً بالمواجهة بين الشرق والغرب، وحركة التحرّر العربي، وعبد الناصر، والحرب الأهلية، والانتداب السوري. كلُّ مرحلة كانت كفيلةً بمنازلة الجبال، فينقذه محيط “دولي”، “إقليمي” يتكرّم عليه بالفرص أو المال، أو الاثنين معاً. هل نذكر فقط ما أغدقه معمّر القذّافي على لبنان من مال، وأنشئت صحيفة السفير فكانت منارةً عربيةً وطليعةً إقليمية؟ شكّلت جزءاً من منظومة الازدهار في تلك المرحلة؟ ولكن أيضاً، أو في هذه الأثناء، كان لبنان يخسر تدريجاً تفرّده من دون أن يشعر، بل بالعكس، كلّما جارت عليه الدنيا من الخارج، تشدّد بمدح نفسه، وبعدم السماح بالنيل من صورته. تماماً كما تفعل الشعوب ذات النرجسية المجروحة، وبذلك يتمسّك بتلك المرحلة التي كان فيها عامراً معتدّاً بنفسه، فلا ينظر إلى ما بلغت نفسه من تبدّل، إلى غربة نفسه عن نفسه. اليوم، اللبناني مختلف. أصبح كثير الإطناب، قليل الكفاءة وقصير اليد. حرّيته لم يعد لها معنى. انتخابات في إثر انتخابات كلّها صاخبة، ولم تتغيّر لا الوجوه ولا الكتل ولا الأحزاب. والاختراقات ضعيفة كاريكاتورية. اهترأ نظامه التعليمي، وتحوّلت اللغات الثلاث إلى “بونجور وبونسوار وكيفك؟”. ولشدّة ما ضاقت به السبل صار يشبه حكّامه: فاسد يشتم الفاسدين. ومهاجروه ضاقت حيلتهم، وانقطع بهم السبيل، ولم تعد تلك الصلة الرحيمة بينهم وبين “أرض أجدادهم” إلا بمساعي مؤسّسات “انتخابية” هزيلة. فماذا حصل لهم؟ تعطّلت تعدّديتهم. تحوّلت إلى نظام “فيتو”، إلى شلل مؤسّساتي، إلى كلام فارغ يلقيه النواب في جلسات تلفزيونية. ربّما أدخلته مواقع التواصل في عصر السرعة، وفي عصر الشعارات والتحيّزات الضيقة والتعصّبات اللفظية، وكلّها لا تلزم إلا بالمزيد من اللغو. ودولة اسمية مفلسة، وزبائنية السلاح، وعجز عن إصلاح أيّ شيء، وغيرة من شعوب مجاورة تسلك طريقها. ولا خلاف بين كثيرين على أن حزب الله يتحمّل القسط الأوفر من هذا التبدّل، هو الذي كان متحكّماً في لبنان، والمسؤول عن وضع “مقاومته” المسلّحة؛ أي احتكاره السلاح، فوق كلّ اعتبار، بلغة موحّدة وولاءات مختلفة الدرجات، وخوف و”تكيّف” ورقابة ذاتية، وعجز صميمي. هو هذا العجز بالذات الذي حوّلنا إلى أبطال الانتظار. ننتظر أن تُحلّ إقليمياً أو دولياً حتى نعود إلى ما نتصوّر أنّنا كنّا عليه. فيفاجئنا الحزب بحرب كان يُعدُّ لها. نواجهه بخطاب اعتراض بلا كلفة، ونتحصّن خلف البراغماتية للقول إنّنا عاجزون. والتسلية في أثناء الانتظار بالمغالاة في تقدير موازين القوى: أي الرهان على الوقت لحصول التبدّل المرغوب، بل قبول منطق التعطيل وتبرير العجز وتدوير الزوايا والإمساك عن أيّ قرار… وكلّها من صفات الانتظار وأعماله. ومن المنطقي ساعتها ألا نتخلّص من سطوة تلك الجهة التي أمعنت بتراجعنا إلا بتدخّل خارجي. لا يد لنا في صعود رئيس جمهورية أو رئيس وزراء جديدَين، مخالفَين تماماً لحملة السلاح… على ظهر أميركا والسعودية. نحن لم نفعل شيئاً بهذا التغيير سوى مباركته والتصفيق لشخصياته وامتداح أوصافها الإيجابية من علم وقراءة وأدب. ولا فعلنا شيئاً عندما تشكّلت الوزارة الجديدة بشخصيات منقسمة متضاربة، أي شخصيات لن يجدي أمرها نفعاً سوى تصريحات “انتقامية” ضدّ بعض “الزملاء” الوزراء أصحاب موقف نقيض. مثل ذاك الكلام الخاص لوزير الخارجية، ممثّل القوات اللبنانية، عدوّة حزب الله بامتياز، يشبه الكلام الإسرائيلي عن اعتداءات الحزب ضدّ إسرائيل. اللبنانيون طول عمرهم منقسمون، منذ مائة عام لحظة نشأة بلادهم وحتى الآن لكن الأكثر سريالية من دون أي منازع، هو حالة “الزعيم” الطائفي صاحب الشعبية الأكبر بين أبناء طائفته، والممنوع صراحة، ليس فقط من تعبئة أنصاره والترشّح في انتخابات لن تغيّر شيئاً على كلّ حال، إنما ممنوع عن العودة إلى البلاد إلا للاحتفال بذكرى اغتيال والده. ما زال سعد الحريري يتمتّع بشعبية قوية بين السنّة “المعتدلين”، أبناء الطبقة الوسطى من سنّة المدن، المتقدّمين في السنّ، الذين واكبوا مرحلة والده الذهبية. أخذت عليه السعودية سياسته الرخوة تجاه حزب الله، وقبوله بالتعايش مع رئيس جمهورية لا يعجبها (ميشال عون)، ولمزيد من السخرية عاتبته على “عدم سياديّة” سياسته الوطنية. السعودية، التي يلهث إلى سفيرها كلُّ طامح إلى نيابة أو وزارة أو أيّ حصّة من الحصص، لم تعد تعامل لبنان كما كان يفعل السابقون في حكمها. هي تغيّرت، إذ صارت تحسب مالها وتبرّعاتها، وصارت تعي المردود السياسي مدفوع الثمن، ولا تهتم إن كان هناك قيادة سنّية “قوية” أو “ضعيفة”. لم تعد تستثمر في فراغ، فترمي بذلك مرآتنا في وجهنا. ولا تحتاج أن تفسّر لنا. نحن نفسّر بأنفسنا، عندما يسمح المسرح بذلك. فمن شدّة وعينا، أو قلّة وعينا لتدهور صورتنا عن أنفسنا، وضعنا سعد الحريري جانباً، ولجأنا إلى ذاك الاختراع الذي اسمه أبو عمر: سعودي وهمي يبتزّ بالمال كلَّ من وجد أمامه باب السعودية مغلقاً، أو نصف مغلق بما لا يكفي لجمع المال، وهو الغرض الوحيد للاشتغال بالسياسة. المزيد عن: حزب اللهسعد الحريريالحرب الأهليةالطائفية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! You may also like رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 مارس، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 مارس، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 مارس، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 مارس، 2026 غسان شربل يكتب عن: زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات 2 مارس، 2026 كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: نهاية كابوس في... 1 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب عن: نندم… لكنْ ماذا بعد... 1 مارس، 2026 مايكل هيرتسوغ يكتب عن: حرب محتملة مع إيران:... 28 فبراير، 2026 مايكل آيزنشتات يكتب عن: الخيارات العسكرية الأمريكية في... 28 فبراير، 2026