بأقلامهم دلال البزري تكتب عن: زياد الرحباني والحنين إلى الجنّة والنار by admin 20 سبتمبر، 2025 written by admin 20 سبتمبر، 2025 99 “عاملنا أعماله معاملة الفرح والانطلاق والحرية، ولم ننتبه، إلا بعد وفاته، إلى النوستالجيا الأليمة التي كانت تبطن كل هذه الأعمال الانشقاقية عن والديه” العربي الجديد / دلال البزري – كاتبة وباحثة لبنانية أمضى زياد الرحباني طفولته ومراهقته في “لبنان الجميل” الذي اخترعه أبوه وعمه، وأنشدته والدته فيروز. لبنان المحبة والعريشة والخَضار والألفة والعيش الهنيء. انفتحت عليه الحياة بلبنان ملحَّنًا، زاهرًا، ينضح بالجمال. سرت هذه الصورة في عروقه، كما تسري في عروقنا جميعًا تلك الأوقات من الطفولة التي نتذكرها بقشعريرة من لمسَ الجنة. طفولة زياد هذه، مختلفة، متفوقة على طفولاتنا، تتجاوزها بكثافتها وجاذبيتها وانغماسها في عالم الموسيقى والخيال. وعندما اندلعت الحرب الأهلية، التي استشعرها زياد في أعماله المبكرة، تغيرت عنده صورة لبنان. بدل الجنة “السويسرية” التي بناها الرحابنة، حلّ الخراب. وصار الناس يتندّرون على تلك الصورة التي كانوا “يؤمنون” بها، يهزؤون من الرحابنة، يتهمونهم بالخيال الكاذب، يقولون بأنهم خدعوهم. فلبنان حطام وموت وكراهية و”طبْخَة بحْصٍ”… وليست جنة على الأرض، إلا لمن يرحّب بالخديعة. زياد الرحباني كانت مشكلته أعقد. ما يسري في عروقه من دماء الطفولة السعيدة، عليه أن ينساه الآن. وكما يحصل عادة، أو يجب أن يحصل. فتحول لبنان الطفولة هذا إلى حسْرة مكتومة، إلى فقدان لا يداويه إلا الشوق العذبُ المرّ. ويسنده تمرّد ضد مضامين الصورة القديمة وأشكال تعبيرها، والبحث الدائم عن تجاوزها. فانطلق بعالمه الجديد، يبني صورة أخرى عن لبنان: ساخرة، متمردة، مجنونة، شقية، لاذعة. تستمد قوتها من أخلاقها وجماليتها وحبها وضحكتها السوداء العالية. هكذا كبرنا على انطلاقة زياد، لوحده، منشقًا عن أبويه اللذين غشّانا بجمال لبنان. وعاملنا أعماله معاملة الفرح والانطلاق والحرية، ولم ننتبه، إلا بعد وفاته، إلى النوستالجيا الأليمة التي كانت تبطن كل هذه الأعمال الانشقاقية عن والديه. وذلك رغم الضحكة التي يطلقها كلامه أو مسرحياته أو مقابلاته أو أغانيه. طبائع البراءة والكرم عنده كانت تلزمه بأن يسعدنا بإضحاكنا على نفسه قبل أنفسنا، بإمتاعنا بأغنيات وموسيقى ترفعنا عن سطح بؤسنا، باغتنام الفرح والضحكة والجمال في كل لحظة ممكنة. إليكم مثلًا: بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب الأهلية، كانت مسرحية “بالنسبة لبكرا شو؟”، وخاتمتها أغنية “عَ هدير البوسطة”. هذه الأغنية التي هرمنا عليها وحفظناها ظهرًا عن قلب. ماذا يعني أن زياد اخترع لها “البوسطة” مكانًا؟ الأرجح أنه كان يقصد مخاطبتها لبوسطة عين الرمانة (13 نيسان/ أبريل 1975) التي أشعلت هذه الحرب. بماذا تختلف بوسطة زياد عن بوسطة عين الرمانة؟ بأنها تتجه نحو قرية جبلية، تنورين. بأنها ليست غارقة بالدماء، بأنها مشغولة بعيون عليا الحلوين، وركابها “فطْسانين من الشوب” (الحرّ)، أحدهم يأكل خسًّا، والآخر يأكل تينًا، بأن واحدًا منهم امرأته “بشعة”، بأنهم ركبوا البوسطة من دون أن يدفعوا، فكان عليهم أن “يهدّئوا” بابها وركابها، وبأن الذي برفقة زوجته البشعة داخَ، وهي أيضا داخت. وتنتهي الأغنية بهذه الكلمات: “نيّالن ما أفضى بالُن ركاب تنورين… مش عارفين عيونك يا عليا شو حلوين” (“يا لحظهم… كم هم مرتاحين البال ركاب البوسطة المتجهة إلى تنورين. لا يعرفون كم هي حلوة عيونك يا عليا”). طفولة زياد، مختلفة، متفوقة على طفولاتنا، تتجاوزها بكثافتها وجاذبيتها وانغماسها في عالم الموسيقى والخيال ومع أنني أفضّل غناء جوزيف صقر لهذه الأغنية على غناء فيروز لها لأنه أكثر ابتهاجًا منها. ومع أن هذه الأغنية بالذات كانت تشعل سهراتنا ومجالس سمرنا… رغم ذلك إذًا، عندما أستمع إليها الآن، بعد وفاة زياد، أو أحاول أن أغنيها، أجد خلف حجُبها الجمالية نوستالجيا جارفة ووجع فراق. كأنها تقول بأن تلك البوسطة المغناة لم تعد من عالمنا، وأن الذي حلّ علينا الآن هو بوسطة عين الرمانة. طالما بقي زياد يمتّعنا ويضحكنا ويرفع عنا ألم الحنين إلى ذاك اللبنان الماضي الذي كان يشتاق له بحكم طفولته نفسها، ونشتاق إليه نحن… طالما كان على هذه الحال، استمر زياد الرحباني بالخلق والإبداع. يشفي نفسه ويشفينا من ذاك اللبنان القديم، الخيالي والواقعي. وبفعل تمرّده المعلن على مادة هذه النوستالجيا، أي إرث أهله، الرحابنة، بدا كأنه يقلب صفحة وجودية فنية. نحب هذا “التمرّد”، الآتي بالجديد لهجةً ولحنًا وكلمات. حاول خلق درجة من الاستمرارية مع إرثه، وأشرك والدته بأولى أغنيات فنه الجديد. ولكنها لم تستمر. والمفاجأة التي أحدثها فنه المنشق طغت على ما حوله. غابت الأم عن الشراكة، ومرّ الوقت، وأخذ هذا الحنين أشكالًا أخرى، بدا في أواخرها بأن زياد لم يعد قادرًا على ترويضه. يعانده لبنان، كما يعاند الجميع. وبعوامل لا يعرفها غيره، لم يعد يخلق. أي أنه لم يعد يداوي حنينه، ولا التعايش معه بفضل هذا الخلق. فتعطلت معه طاقتان: روحية وإبداعية، والاثنتان طاقة واحدة. والمشكلة الآن إرث زياد بعد وفاته. فنحن رافقناه واستمتعنا بحنينه شبه السري، إلى لبنان الجنة. والآن، باستعادته، والاستعادات ستزيد مع الوقت… سنكون إزاء حنين إلى الوقت الذي شاركنا به أثناء حياته، وقت لبنان الأسود البائس. زياد الرحباني الآن يهدينا إرثًا مزدوجًا من الحنين: ما حمله من أهله، أي لبنان الجنّة، وما يحمِّلنا من صنعه بنفسه، أي لبنان الجهنّم. والاثنان تحولا إلى طبقتين من الحنين، إلى تاريخَين وصورتَين. ويكون سؤال للمستقبل: ما هو الخيال الذي سينطلق من هذا الإرث المزدوج لزياد الرحباني؟ بفردوسَين مفقودَين؟ الأول هو الجنة والآخر هو نار…؟ وهل يكون لسان حال هذا الخيال “أنا عندي حنين ما بعرف لمين”؟ (مطلع إحدى أغنية لحّنها زياد وكتب كلماتها الشاعر جوزيف حرب). الموت غيّب زياد الرحباني، ولكنه لم يختم سيرته. بل حوّلها إلى ذاكرة. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post 6 شروط أميركية لاستثمار 200 مليار دولار في بريطانيا next post غسان شربل يحاور الياس عطاالله: رفضنا تسليم الأسد ورقة المقاومة وكان العقاب رهيباً (2من3) You may also like داليا داسا كاي تكتب عن: وهم الشرق الأوسط... 8 مارس، 2026 دانيال بايمان يكتب عن: هل لا يزال “حزب... 8 مارس، 2026 ريتشارد فونتين يكتب عن: الحرب على طريقة ترمب 8 مارس، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب عن: نهاية إيران كقوة... 8 مارس، 2026 دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 مارس، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 مارس، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 مارس، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 مارس، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 مارس، 2026