حشد في تشييع حسن نصر الله في بيروت (23/2/2025/ العربي الجديد) بأقلامهم دلال البزري تكتب عن: حزب الله… نصر الله by admin 27 فبراير، 2025 written by admin 27 فبراير، 2025 61 تضاعف إسرائيل المعضلة اللبنانية باستمرارها في العبث بأرض لبنان وأجوائه العربي الجديد / دلال البزري / كاتبة وباحثة لبنانية عندما قُتِل حسن نصر الله قبل خمسة أشهر، كان عليّ أداء واجب التعزية تجاه نوعَين من الأشخاص: الأصدقاء المنتشرين في العالم، اليساريين السابقين، الذين تحوّلوا ممانعين معجبين بالحزب وأمينه العام. ثمّ الأقارب شديدي الحُبّ للحزب ولنصر الله، والذين لم يمرّوا إلا بمصفاة العصبية الشيعية الصِرفة. لم أزعل لاغتياله ولم أفرح، حزنت فقط على حزن أولئك الأقارب والأصدقاء اليساريين السابقين، وقد أضحوا ممانعين متحمّسين. تلقائياً، وجدّتُ نفسي أقف أمام هول مُصابهم، فانقسمت تعزيتي بين رسائل نصّية إلى الفئة الأولى، الأصدقاء، ورسائل غير مباشرة إلى أصحاب الفئة الثانية، أطمئنّ على وضعهم النفسي، بعدما علمتُ من أقارب آخرين أنهم لا يردّون على الاتصالات، بل إن بعضهم أصيب بضيق التنفّس وبالصمت المُطبِق. وجدتُ ذلك منطقياً، نظراً إلى الحُبّ الاندماجي الذي يسم علاقة هذه الفئة بحسن نصر الله، واكتفيت وقتها باعتماد الاطمئنان غير المباشر نفسه على صحّتهم النفسية. ولم أتوقّف كثيراً أمام حالة الفئة الأولى. وعشية تشييع حسن نصر الله، قرأتُ مقالاً لواحد من الفئة الأولى، اليساري العلماني، الذي أصبح ممانعاً؛ وفيه نتوءاته القديمة المألوفة، وإضافات كمّية جديدة قد تنبئ بتحوّل نوعي في تفكيره تقضي على ما تبقّى من ذاكرته وتاريخه العلمانيَّين، منها إضفاؤه القداسة المطلقة على حسن نصر الله: إنه المقام، الإمام، السيّد، الملهم… إلخ؛ هو الأعلى في كلّ شيء، إنه “الأكثر ديمقراطية” في الحزب، “الأكثر إدراكاً لأهمية المعرفة والإعلام”… إلخ. محجوب عن الناس، متواضع، حكيم، أهل العرفان، والله زرع فيه كذا وكيت… وهذا كلّه كوم، وما تبقّى كوم آخر، إذ يصف هذا اليساري العتيق طبيعة العلاقة التي تجمعه بنصر الله، في وجه صاحب سلطة شرعية ثابتة، يصف نفسَه بالكاتب “المشاغب”. حركته الضئيلة، أو “مشاغبته”، مثل تمرّدٍ لمراهق يحاول أن يثبت شخصيته أمام أبيه ذي الحضور الطاغي، ينجح في كسب “هامش” من حريته المبتغاة، الضئيلة أيضاً، ولا يرتاح أبداً لو زعل أبوه السيّد ممّا كتبه. مسعاه الدائم أن يعترف له بذاك “الهامش”، وأن يرضى عنه في الآن عينه، بل يحميه من “المتطرّفين” الذين حوله. الحيرة تلازمه، تدور به وبين أهله، تتلخّص بتساؤل واحد: هل يكون سعيداً لو زعل السيّد حسن نصر الله منه؟ كان يمكن أن يكون نصر الله يسارياً علمانياً، ويكون كاتبنا الممانع اليساري في حالة انسجام مع نفسه، يزيل صورة تشي غيفارا من فوق رأسه، أو يزيحها شمالاً، ويضع صورة نصر الله وريثاً “شرعياً” له. لا باسم دين أو غيب، إنما باسم “شرعية ثورية” كافية. ولكنّ الزمن تغيّر، والعصر عصر أديان والكاريزما التي تتخطّى حدود القناعة، كأن تكون مثلاً غير معجب بحزب الله بالذات، لكنّك تقدّس أمينه العام، ولا تناقض في تفكيرك لو وضعته في صف الأنبياء الكربلائيين، حفيد الحسين، صاحب أسطورة سوف يُخلّدها تشييعه. تشييع حسن نصر الله نفسه كان انتصاراً معنوياً للحزب، تكرّس حضوره (وفي قلب بيروت) مزاراً شيعياً أممياً بإدارة إيرانية غير خافية. كان حزبه ذراعاً إقليميةً أحبطتها إسرائيل بالسلاح والتكنولوجيا، ويرنو الآن إلى التحوّل حزباً محلّياً، يحتمي بـ”البيئة” الطائفية التي تعشقه. وسيكون ضريحه مزاراً دينياً يعبق بذاكرتها وذاكرة غيرها من البيئات – الطوائف، يقع في طريق المطار، يراه كلّ قادم ومغادر جوّاً. ولا تحتاج نيّة الحزب إلى كثير توضيح. الحكومة الجديدة (في بيانها الأول) تؤكّد احتكار الدولة قرار الحرب والسلم، أي جيشها الذي “يخوض الحرب وفقاً لأحكام الدستور”. جميع وزراء الحكومة وافقوا على هذا البيان، بمن فيهم وزراء حزب الله وشريكته حركة أمل. سبق الرئيس جوزاف عون البيان، وأكّد مسؤولية الدولة وحدها عن ضبط الأمن والحدود، وعلى “لبنانية” القرارات المصيرية. فيما الحزب يُصرّ على الاحتفاظ بسلاحه، بالممارسة وبأقوال مسؤوليه، وأكثرهم وضوحاً أمينهم العام الجديد نعيم قاسم، بتكراره أنه ماضٍ في “المقاومة”. هذه الإرادة، وأن الحزب مصرّ على إبقاء سلاحه بيده، يجدّدهما التشييع، وهذا ما ينضح من خطاب نعيم قاسم أيضاً، رغم ما ورد عكسه في الخطاب نفسه، أي تفويض الدولة بتحرير الأراضي المحتلّة “ديبلوماسياً”، يقابله مشروع استعادة الدولة المنهارة، لا يتصوّر أحد أنها تستحقّ اسمها، إلا بإلقاء الحزب سلاحه، بلا مواربة، أو تسويف، أو تمييع. وللاثنين تصوّرهما الخاص، الأول الدولة، تريد الاعتماد على مواثيق ومؤسّسات وديبلوماسية لتحقّق غرضها من انسحاب إسرائيل الناجز من الجنوب اللبناني. والثاني الحزب، لا يرى مجالاً لإلقاء سلاحه إلا ربّما (نقول ربّما) إذا انسحبت إسرائيل من النقاط المتبقّية الخمس، إضافةً إلى نقطتَين مستحدثتَين، زائد الشقّ اللبناني من قمّة جبل الشيخ، وتوقّفت عن انتهاكاتها. وأيضاً، إلا إذا أقرّ الحزب بالاعتراف بإسرائيل، أو الهدنة معها أو التطبيع. وبينهما إسرائيل، التي تضاعف المعضلة باستمرارها في العبث بأرض لبنان وأجوائه. هل تتوقّف الطاحونة عن الدوَران، بين دولة لا تستطيع أن تكون دولة إلا بتسلّم سلاح حزب الله شرطاً لانسحاب إسرائيل من كامل الجنوب، وبين حزب قام وجوده على السلاح، فيما اعتداءات إسرائيل واحتلالها ينشّطان هذا السلاح، ولو بالفكرة؟ دولة جاءت بها توازنات إقليمية ودولية جديدة، هشّة ربّما، وحزب يريد أن يتعايش معها مؤقتاً بالتي هي أحسن. لعلّ هذه التوازنات تنقلب يوماً ما، ويعود أقوى ممّا كان؟ المزيد عن: دلالاتالعلمانيةالشرعيةتشي غيفاراجوزاف عون 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post البطلة الصغيرة أليس تصطحب فيلسوفا الى بلاد الأفكار next post مصر ترفض مقترحاً إسرائيلياً بإدارة قطاع غزة مقابل إسقاط ديونها You may also like رضوان السيد يكتب عن: لبنان… هل جرت في... 4 أبريل، 2025 نجوى بركات تكتب عن: موتانا 3 أبريل، 2025 دلال البزري تكتب عن: ترامبيون لبنانيون يدشّنون العهد... 3 أبريل، 2025 بول شاوول يكتب عن: من اليوتوبيا الاجتماعية إلى... 3 أبريل، 2025 بادية فحص تكتب عن: شيعة جبل عامل تحت... 3 أبريل، 2025 حازم صاغية يكتب … عن حاجة الإصلاح والإصلاحيّين... 3 أبريل، 2025 يوسف بزي يكتب عن: حرب لبنانية سورية؟ 20 مارس، 2025 دلال البزري تكتب عن: ماذا يبقى من أميركا... 20 مارس، 2025 حازم صاغية يكتب عن: الطائفيّة التي نتجاهلها! 19 مارس، 2025 وليد الحسيني يكتب عن: الدستور الغائب والديمقراطية المهاجرة 17 مارس، 2025