(Getty) بأقلامهم دلال البزري تكتب عن السيجارة تلك اللذة المسمومة (4): أصل التبغ by admin 16 فبراير، 2026 written by admin 16 فبراير، 2026 75 “أهل أميركا الأوائل كانوا يرون في التبغ مادة مقدسة، ذات رمزية قوية، تصلح للاتصال بالأرواح، وللعلاج، وللتطهر” العربي الجديد / دلال البزري – كاتبة وباحثة لبنانية التبغ هو المادة الأولى للسيجارة. أصله القارة الأميركية. موجود في الطبيعة، بنبتة اسمها “نيكوتينا”. والنيكوتينا هذه ذات نوعين. واحدة “نيكوتينا تاباكوم”، وقد ترجمها التجار الأوروبيون “التبغ المزروع”. هي التي تصنع منها السيجارة التي نعرفها. والنوع الثاني “نيكوتينا روستيكا”، أو التبغ البلدي، الأقدم من الأول، والذي يحتوي على نسبة أعلى من النيكوتين، وهو الأكثر رواجًا بين شعوب الأمم الأميركية الأولى. أقدم الآثار للتبغ تعود إلى ثمانية آلاف سنة قبل الميلاد. في منطقة الأنديز، التي نعرفها اليوم بالبيرو، وبوليفيا، والإكوادور، ومنطقة أخرى أيضًا تشمل غابات الأمازون، فضلًا عن حوض الأورينوكو، الذي يحيط بفنزويلا، وبالجزء الشرقي من كولومبيا. علماء الآثار تمكنوا من البرهان على تعاطيها منذ تلك الأزمان عبر بقايا نبتة النيكوتين المتفحمة، وتحليل التربة التي تلقتها. أيضًا، اكتشفوا أدوات طحن نبتة النيكوتينا، ونقوشًا لها على الفخار، ورموزًا على جدران الكهوف. فضلًا عن منحوتات وتمثلات فنية قديمة تصور “شامانيين” في البراري، يمسكون التبغ ملفوفًا، ويخرجون منه الدخان (“الشمانيون” هم المعالجون الروحيون التقليديون. مفردهم “شامان”). وشعوب تلك الأرض كانت تستخدم التبغ لأغراض مختلفة، منها التبخير لمعالجة المرضى بإشراف الشامان. يبخر الشامان الكوخ، أو الكهف، أو أي مكان آخر للعلاج. ويدخل المتألم بروحه أو جسده إلى المكان، فيشعَل التبغ مرة أخرى. ويركز الشامان على الرأس والصدر والفم. يستخدم في هذه الأثناء الأدوات الطقسية، مثل المزامير والأقنعة والأواني المختلفة. ولا يقتصر التبخير على معالجة الأوجاع، إنما ينادي الشامان أيضًا أرواح المرضى الغائبين، وأرواح الأسلاف المتوفين، وقوى الطبيعة، كي ترحم. ومع توسل الرحمة، يقوم بطرد كل الشرور، ويستحضر طاقات الخير والأمان… والاعتقاد الذي يسيّر التبخير هو أن دخان التبغ يعبر الجسد والهواء والعالمَين الظاهر والخفي، لا يمكن التقاطه، أو الإمساك به، ووجوده أداة تواصل عابرة. استنشاق التبغ، وظيفة أخرى. يتنشق الأميركيون الأوائل التبغ لأغراض غير بعيدة عن العلاج الجسدي: يُسحق النيكوتين، يوضع في فتحتي الأنف، وينفخ به الشامان دفعة واحدة. المؤرخون يصفون الاستنشاق بأنه “فعل سلطة علاجية وليس مجرد تقنية”. والدخان هنا ليس متعة إنما وسيط. النيكوتين من النوع “الروستيكا”، أي الحاد. والتأثير يجب أن يكون قويًا ومباشرًا. ما المطلوب من الاستنشاق هذا؟ المطلوب “تعديل مزاج الشخص المعني”، أو تعزيز الحدس، أو شفاء الروح والتواصل مع الأموات، أو “تنظيف الرأس” من الوساوس، ومن القصور في فهم الأشياء. وأثناء العلاج، يمرّ “المريض” بحالة من الاضطراب والغثيان وتسيل دموعه. لكنه في النهاية يصفو ذهنه. مضغ التبغ هو ثالث هذه الأنشطة لدى الأميركيين الأوائل. الواحد منهم يلف أوراق التبغ على بعضها، يضعها في فمه بجرعات قليلة، على شكل كرات صغيرة. لا يبتلع اللعاب، ولا التبغ، بل يبصقهما. وأحيانًا يضيف إليه رمادًا نباتيًا معينًا لرفع امتصاص النيكوتين. والغرض؟ علاجي أيضًا؛ آلام الأسنان واللثة، أو التعب بعد شقاء، أو الجوع، أو “شدّ الجسد” وإعادة التوازن له بعد صدمة. والمضغ يحصل في الهواء الطلق، أثناء الصيد، أو الحراسة، أو أي نشاط آخر براني. يرفع اليقظة، يسدّ الجوع والعطش، يقاوم البرد والرطوبة. وبما أن الخارج فيه الآخرون، يكون المضغ نشاطًا جماعيًا، ودليل ثقة وتحالف وتعاون. ليس مقدسًا، ولكنه “اجتماعي”. ما يسميه المؤرخون “التناول الطقسي” (من طقوس) للتبغ هو ربما أغرب أنواع الاستخدام للتبغ لدى شعوب أميركا الأوائل. وهو على كل حال يقتصر على منطقتي الأمازون والأنديز. لا يمارس هذا الطقس يوميًا، ولا جماعيًا. ويكون دائمًا بإشراف الشامان. التبغ لا يدخن هنا، إنما ينقع في الماء، أحيانًا مع نباتات أخرى لتفادي مرارته الشديدة. يشرب السائل المنقوع بسرعة وعلى دفعات، تحت إشراف الشامان. ويُبتلع كله أثناء الطقس، والعملية مثل التظهير. فيصاب الشارب بالغثيان والتقيؤ والتعرّق الشديد. والغرض منه أن يصل النيكوتين إلى الجهاز الهضمي. ما يحدث صدمة عصبية لدى المتناوِل وفقدانًا مؤقتًا لتوازنه وتغيرًا حادًا في إدراكه. فيكون الجسد فارغًا والوعي “مفتوحًا” على عالم الغيب. فيسهل “الرشد الطقسي” أو الروحي. الأمم الأميركية الأولى تنظر إلى التبغ بصفته أخطر أنواع النباتات وأندرها. يتناولونه في اللحظات الحساسة من الحياة، مثل العبور والتطهير والشفاء. التعافي من مرض خطير، الانتقال من المراهقة إلى الرشد، أو من الهوية “العادية”، إلى “الشامانية” أو المقدسة، من الفوضى العقلية الداخلية (الجنون على الأرجح) إلى “النظام”، نظام الجماعة أو القبيلة. والأخيرة هي الأخطر على الاطلاق، لأنها تعني العودة إلى العيش داخل “الجماعة”. كلها طقوس مقدسة يلازمها التبغ ويرتبط بها. وبعض القبائل كانت تدخن التبغ بواسطة ما عرف لاحقًا بالغليون. الغليون ليس اختراعًا بريطانيا كما يشاء المستعمرون. هو اختراع الأمم الأميركية الأولى. والتبغ أيضًا يثبِّت معاهدات السلام. وهذه الأخيرة كانت تعقد بعد اشتباكات، أو دورات عنف، أو لمنع حروب متوقعة. ولكي لا يكون السلام مجرد اتفاق لا قيمة له، كلامي وحسب، وليتحول إلى أخلاقي روحي جماعي، كان يعقد وسط تدخين التبغ. كطقس من طقوس السلام. فالتبغ شاهد رمزي على الالتزام بالسلام. وعند اشتعاله، لا يعود ممكنًا الكذب، أو نقض العهد، لأنه يصبح أمام الجماعة وأمام عالم الغيب. والدخان في هذه الحالة، لضبط الانفعالات وكسر منطق الثأر. وهو مثل الإعلان عن فجر زمن جديد. ومعاهدة السلام المعقودة مع التبغ لا تعود مجرد وقف قتال. إنما عبور من العداوة إلى الصداقة، إعادة تنظيم العلاقة، ورسم الحدود. بكل الأحوال، الحرب بين الأمم الأولى كانت مقنّنة، محدودة بقواعد صارمة، وتوقفها الطقوس المقدسة. الخلاصة أن التبغ في أصله موقوف للاستخدام الطبي والاجتماعي والطقوسي. يدخل أصحابه إلى عالم الغيب، إلى نشوة الوجد، إلى الشفاء والتوسط بين العالمين الظاهر والخفي. لذلك يراه أهل أميركا الأوائل مادة مقدسة، ذات رمزية قوية، تصلح للاتصال بالأرواح، وللعلاج، وللتطهر. قبل اختراع السيجارة، كانت الأمم الأميركية الأولى لا تدخن التبغ، أو النيكوتينوس، إلا بحساب. كانت عيارته ضعيفة، غير “مصنَّعة”، محوَّلة كما هي الآن، ولا مُضاف إليها تلك المواد الكيميائية السامة، التي تحث على إدمانها. وإذا أضافت إليها هذه الأمم مواد أخرى، كانت نباتات عضوية، مثل الميرمية أو قشور الأشجار للتخفيف من حدة “النيكوتينا الروستيكا”، أي الحادة. وعندما وصل كريستوفر كولومبوس إلى أميركا عام 1492، شاهد بحاروه أبناء الأمم الأولى يلفونها ويدخنونها ضمن طقوس المضغ في الهواء الطلق. وبسرعة البرق صُدِّر التبغ إلى أوروبا. استُخدِم بداية كمادة علاجية، ثم كمادة لذيدة، وأخيرًا كسلعة استعمارية جماهيرية. وبدءًا من القرن التاسع عشر، تحولت هذه السلعة الجماهيرية إلى ظاهرة حداثية، وارتبطت بالتصنيع والإضافات الإدمانية، وصارت شديدة الصلة بمنطق الربح الرأسمالي. فكانت على مسافة بعيدة عن أصلها الأميركي، بل على المسافة النقيض. (يتبع). 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post «زلزال إبستين» يواصل إرباك الحكومة الأميركية next post لوموند: هكذا نسج إبستين الشبكة العالمية التي ظلت تحميه You may also like دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 مارس، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 مارس، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 مارس، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 مارس، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 مارس، 2026 غسان شربل يكتب عن: زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات 2 مارس، 2026 كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: نهاية كابوس في... 1 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب عن: نندم… لكنْ ماذا بعد... 1 مارس، 2026 مايكل هيرتسوغ يكتب عن: حرب محتملة مع إيران:... 28 فبراير، 2026