(Getty) بأقلامهم دلال البزري تكتب عن: السيجارة… تلك اللذة المسمومة (2) by admin 4 يناير، 2026 written by admin 4 يناير، 2026 62 المبدعون العرب والسيجارة: منهم العراقيَّان سعدي يوسف وعبد الوهاب البياتي، والسوري محمد الماغوط، والمغربي محمد شكري. لا يسعنا هنا الإطالة بما كتبوه عن السيجارة مع أنهم اشتهروا بها. العربي الجديد / دلال البزري – كاتبة وباحثة لبنانية أوهام المنظومة الثقافية الماضية في مدرسة الراهبات الأنطونيات. أنا في صف الرابع تكميلي. مراهقة عمري خمس عشرة سنة. ولا تطيقني الراهبات من كثرة ورْشنْتي، والجلبة التي أحدثها داخل الصف وخارجه، وقلة اهتمامي بالمريول المدرسي. الراهبة- الأم، أي مديرة المدرسة، تطلب من أهلي الحضور إلى المدرسة، وتشكو لهم مخالفاتي الكثيرة. مخالفتان ينقلهما أبي ويؤنبني عليهما بشدة: من أنني أقرأ رواية “مدام بوفاري” للفرنسي غوستاف فلوبير. وأنني أدخن السجائر في المدرسة. والفعلان ممنوعان. الأول صحيح: قراءة تلك الرواية، لأنها “إباحية” في نظر الراهبات، ولا تصلح لعمري. والثاني غير صحيح أبدًا. فأنا بهذا العمر لم أدخن. وكلمة واحدة تلخص وصف الراهبات لسلوكي؛ فوق أنني قليلة التهذيب، وكثيرة الفوضى، أنا “متمردة”؛ أنتقد، أعارض، أتجاوز التعليمات، أختبئ وراء ستار مخصص لمعاطفنا الشتوية عندما لا يعجبني الدرس المقرر في قاعة أخرى، مثل درس الرسم الذي لا أحبه. بسرعة فهمت الخسارة التي مُنيتُ بها عندما كنت أهرب من دروس الرسم هذه. لكنني لم أفهم اتهامي بالتدخين إلا اليوم، عندما أقلعتُ عن التدخين. لماذا؟ لأن اتهامي بالتدخين، مربوطًا بقراءتي لرواية ممنوعة، و”تمردي”، هو “روح عصر” تلك السنوات، أي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. والموروث بدوره من القرن الأسبق عليه. كانت السيجارة مربوطة بالقراءة وبالتمرد على الأعراف والتقاليد. مربوطة بالبوهيمية، بالحرية في اللباس والقول والعلاقات. يدشّنها الكاتب أو الشاعر أو الروائي الرومانطيقي، صاحب السلوك الإبداعي غير التقليدي. وهذا الذي يتعاطى الحرف، في زمن يقدس الكلمة والكتاب، في زمن لا يمكن أن يكون كاتبًا من دون أن يكون نقديًا، ثوريًا، متمردًا… ويوضع صاحبه في مرتبة الأنبياء أو القديسين أو الملهَمين… كان مرتبطًا بالسيجارة. بل هو والسيجارة توأمان. ومكانه الخاص هو مكان التدخين: في المقهى، العابق بدخانها، وهو يلتقي بأقرانه. في لحظات وحدته حين يبدع، جالسًا خلف مكتبه، حين يتردد، حين تعصى عليه الكلمات؛ السيجارة تمنحه إجازة قصيرة، ينشغل فيها بيديه، أو يتوقف عن الكتابة ويخرج إلى الشرفة، أو يراقب السماء والجيران، فتنهال الكلمات وتحلّ عقدة “الوحي”… السيجارة تلازمه، لأنها طقس من طقوس الكتابة، تضبط إيقاعه. تساعده على الإبداع، تبقيه مشدودًا إلى توتره، تفكّ عقدة لسانه أو خياله، تستعيد حيويته حين ينسدّ أفقه أو يضيق مداه. باختصار، التدخين في تلك الأيام ارتبط بالإبداع، بمخالفة التقاليد، بالتمرّد عليها… وهذا ما جعل راهبات الأنطونيات يتصورن أنني أدخن، بمجرد أنني أقرأ تلك الرواية، إلى جانب أنني أنال كل شهر علامة مخجلة في مادتَي السلوك والانضباط. وعندما “خرجتُ” إلى الدنيا، في تلك الأيام، كانت صورة لغسان كنفاني تغزو أمكنتنا. صورة الرجل جالسًا، يده فوق مكتبه، متأملًا، مناضلًا، وبين أصبعَيه سيجارة. هذه الصورة انتشرت بقوة بعيد اغتياله. وصارت ملازمة للشباب المناضل المدخِّن. وكنفاني لم يتغنَّ بالسيجارة كما فعل نظراؤه. لكن السيجارة كانت حاضرة في روايته “أم سعد”؛ حيث يستلم الفدائي الفلسطيني رشاشه، الكلاشينكوف، مع رزمة من السجائر. في هذه الأثناء، محمود درويش يرثي غسان كنفاني. ويُدخل السيجارة في قلب قصائده. يعاملها ككائن صاحب وظيفة، تساعده على النوم والحلم والتذكّر والتفكير، تعينه على مقاومة الغفلة والشرود، تضيّق المسافات أو توسعها، تخلق المؤانسة بوجه وحشة البُعد. إليك بعضًا من مقتطفاته: أشعلُ السيجارةَ الأخيرةَ قبل أن أنام لعلَّ دخانها يحملُ لي حلمًا خفيفًا (1) أو أدخّن لأتذكّر أنني حيّ، ولكي أنسى أنني وحيد (2) أو السيجارةُ برهانُ أن الزمنَ يمضي وأنني ما زلتُ أستطيع أن أبطئَه قليلًا (3) أو أشعل سيجارةً كي لا أفكّر، وأفكّرُ لأنني لا أكفّ عن إشعال السيجارة (4) أو أدخّنُ بين حدّين ألّا أكونَ بعيدًا، وألّا أكونَ قريبًا (5) أو السيجارةُ مرافقٌ خفيفٌ في العزلة، لا يسأل ولا يجيب (6). الشاعر السوري نزار قباني يختلف عن الاثنين، كنفاني ودرويش. كعادته ليس مهتمًا إلا بما ينضح عنه شيءٌ من الأنوثة أو الجمال الأنثوي. لذلك، فهو في قصيدته “صديقتي وسجائري”، يصف السيجارة كما لو كان يصف امرأة مغرية، تناديه للحب. فيها شيء من الخطر، لكنه خطر لذيذ. أنقل القصيدة حرفيًا هنا، لما تتمتع به من طرافة الربط الذي يجيده قباني، عن حضور الروح الأنثوية كيفما ولّى: واصلْ تدخينكَ… يُغريني رَجلٌ في لَحْظَ تَدْخينِ هي نُقْطةُ ضَعْفي كامرَأَةٍ فَاسْتَثمرْ ضَعْفي وَجُنوني مَا أَشْهَى تَبْغكَ وَالدُّنيَا تَسْتَقبلُ أولَ تَشْرينَ وَالقَهوةُ… وَالصُّحفُ الكَسْلَى وَرُؤَىً… وَحُطامُ فِناجينِ دُخّنْ… لَا أَرْوَعَ من رَجُلٍ يَفْنَى فِي الرُّكنِ.. وَيُفْنيني رَجلٌ… تَنضَمُّ أَصابِعُهُ وَتفَكَّرُ منْ غيْرِ جَبينِ أَشْعلْ وَاحدَةً منْ أُخرَى أَشْعلْهَا مِنْ جَمْرِ عُيوني وَرَمادَكَ ضَعْهُ عَلى كَفِّي نيرَانُكَ لَيْسَتْ تُؤْذيني فَأَنَا كَامْرأَةٍ… يُرضيني أَنْ أَلْقيَ نَفْسي فِي مَقْعَدِ سَاعَاتٍ… فِي هذا الْمَعْبَدِ أَتَأَمَّلُ فِي الْوجْهِ الْمُجهَدِ وَأَعُدُّ… أَعُدُّ… عُروقَ الْيَدْ فَعُرُوقُ يَدَيْكَ… تُسَلِّيني وَخُيُوطُ الشَّيْبِ… هُنَا… وَهُنَا تُنْهي أَعْصَابي… تُنْهيني دُخّنْ… لَا أَرْوَعَ مِنْ رَجُلٍ يَفْنَى فِي الرُّكْنِ… وَيُفْنيني أَحْرِقْني… أَحْرِقْ بِي بَيْتي وَتَصَرَّفْ فِيهِ كَمَجْنونِ فَأَنَا كَامْرَأَةٍ… يَكْفيني أَنْ أَشْعُرَ أَنكَ تَحْميني أَنْ أَشْعُرَ أَنَّ هُنَاكَ يَدًا تَتَسَلَّلُ مِنْ خَلْفِ الْمَقعَدِ كَيْ تَمْسَحَ رَأْسي وَجَبيني تَتَسلَّلُ مِنْ خَلْفِ الْمَقعَدِ لِتُدَاعِبَ أُذْني بِسُكونٍ وَلْتَتْرُكَ فِي شَعْري الْأَسوَدِ عِقْدًا مِنْ زَهْرِ اللَّيْمونِ دُخّنْ… لَا أَرْوَعَ مِنْ رَجُلٍ يَفْنَى فِي الرُّكْنِ… وَيُفْنيني. الشاعر اللبناني بول شاوول هو الوحيد الذي ألّف كتابًا كاملًا موضوعه السيجارة، وعنوانه “دفتر سيجارة”. وفيه يتجاوز مسائل النضال والأنوثة، ويقارع الوجود نفسه؛ مرور الزمن وتكراره، الليل والنهار، ذاكرة الأم… في نص حرّ، تتوالد ثيماته كلها حول السيجارة. بعضها طويل وبعضها الآخر لا يتجاوز الكلمتين. إليكَ ما تمكنا من التقاطه من الكتاب: كان يدخن مئة سيجارة تقريبًا في اليوم، مئة شمس تشرق وتنطفئ بين أصابعه… أول سيجارة ليست كالثانية. يتذكر أنه كان يعرف أن الفجر شعشع عندما تشعل والدته أول سيجارة لها… من شحطة عود الثقاب وضوء السيجارة. السيجارة ربما كانت وجعًا آخر… رقيق كورقة السيجارة وحار كجمرتها، عبثي كدخانها. شعَر وهو يشعل السيجارة، يطفئها ليُشعل أخرى، أن الزمن يتكرر فيها. السيجارة دفترٌ آخر أكتب بدخانها ما لا يُكتب بالحبر كلُّ سيجارةٍ، وقتٌ مستعار من حياتي أُطفئ السيجارة كي لا أنطفئ معها أعدُّ السجائر مثلما أعدّ خساراتي الدخان كتابة بلا ذاكرة المبدعون العرب والسيجارة: منهم العراقيَّان سعدي يوسف وعبد الوهاب البياتي، والسوري محمد الماغوط، والمغربي محمد شكري. لا يسعنا هنا الإطالة بما كتبوه عن السيجارة مع أنهم اشتهروا بها. المبدعون الغربيون سبقوا العرب بالكتابة عن السيجارة، وبينهم امرأة واحدة هي الروائية الفرنسية مارغريت دوراس. في إنتاجهم تظهر السيجارة كأداة للمعرفة والثقافة، كناظم للتفكير، كتعبير وجودي عن العبث، كواسطة بين النص والجسد، كرمز جمالي لمتعة ناقصة، كرفيق درب للمهمّشين، ككائن ماورائي، ميتافيزيقي. إليكم هنا أهم ما نقله هؤلاء عن لسان أبطالهم أو قالوه بأنفسهم: الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: “السيجارةُ بالنسبة لي، هي بمثابةِ تمرينِ على التنفُّس” (مقابلة). الفرنسي ألبير كامو، في روايته “الغريب“، على لسان بطله ميرسو: “دخنْتُ، لأن الأمرَ لم يكن له أيُّ أهمية“. الفرنسية مارغريت دوراس، عن نفسها: “السيجارةُ هي الرابطُ الوحيدُ الذي يجمعُني بذاتي“. أو في مكان آخر: “التدخين هو فعل كتابة أيضًا“. البريطاني أوسكار وايلد، في روايته “صورة دوريان غراي“، يقول أحد أبطاله اللورد هنري ووتون: “السيجارةُ هي النموذجُ الأكملُ لمتعةٍ مثالية؛ فهي رائعةٌ، لكنها تتركُ المرءَ دائمًا غيرَ مُكتَفٍ“. الأميركي إرنست همنغواي، يكتب عن نفسه: “التدخين ضروري لمن يريد أن يمتلك خيالًا“. الأميركي جاك كرواك في روايته “على الطريق“، يقول بطله سال بارادايس: “كنتُ أدخن لأنه لم يكن ثمة سبيل آخر لمواصلة الحديث“. البرتغالي فرناندو بيسوا، يقول بطله ألفارو دي كامبوس: “التدخين من بين المتع القليلة التي يمكن وصفها بالعقلانية في الحياة“. وفي مكان آخر: “ما دام القدر سيمنحني سجائر، سأستمر في الإيمان“. أخيرًا التشيكي فرانز كافكا، في دفتر يومياته: “السيجارة تساعدني على تحمل الحالة التي أوجدت نفسي فيها“. هذه الفكرة عن السيجارة، بصفتها متعة مفيدة، لذيذة، تغيب لدى الكتاب من الجيل الجديد. ما الذي تغير؟ (يتبع) هوامش: 1- قصيدة “أحد عشر كوكبًا”. 2- “سرير الغريبة”. 3- “جدارية. 4- “لا تعتذر عمّا فعلت”. 5- من “كزهر اللوز أو أبعد”. 6- من يومياته في “في حضرة الغياب”. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post هل جعل مادورو من فنزويلا منصة تصدير مخدِّرات إلى الولايات المتحدة؟ next post حازم صاغية يكتب عن: محنة النزعة البطوليّة عند العرب You may also like دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 مارس، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 مارس، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 مارس، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 مارس، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 مارس، 2026 غسان شربل يكتب عن: زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات 2 مارس، 2026 كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: نهاية كابوس في... 1 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب عن: نندم… لكنْ ماذا بعد... 1 مارس، 2026 مايكل هيرتسوغ يكتب عن: حرب محتملة مع إيران:... 28 فبراير، 2026