فرانتز ليست (1811 – 1886) يعزف على البيانو (موسوعة الفن الكلاسيكي) ثقافة و فنون “دانتي” سيمفونية فرانز ليست… الموسيقى ممر والروح غاية by admin 31 December، 2025 written by admin 31 December، 2025 90 إبداع كلاسيكي يسعى إلى الدنو من الحياة اليومية في ألحان تنهل من لغة “الكوميديا الإلهية” اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب منذ أزمان موغلة في البعد تغري “الكوميديا الإلهية” لشاعر إيطاليا النهضوي دانتي كبار الفنانين والأدباء بالاقتراب منها، استيحاء أو محاكاة، أو حتى في محاولات لترجمتها إلى أصناف أخرى من الفنون. ومن المعروف أن الفن التشكيلي منذ عصر النهضة وصولاً إلى غوستاف دوريه في القرن الـ19، وسلفادور دالي في القرن الـ20، جرب حظه مع “الكوميديا” ونجح، على عكس فنون أخرى لم يحالفها التوفيق نفسه. ومرد ذلك بالطبع صعوبة الدنو من عمل يستغرق مئات الصفحات وتنفرد أحداثه في تلك الأماكن البعيدة البعيدة، ويكاد يكون بعده الجواني أكثر ثراء من بعده البراني. ومن هنا ظلت “الكوميديا”، مثلاً، عصية على المسرح وعلى الأوبرا، ثم، في أزمان أقرب إلينا، عصية على السينما. غير أن موسيقى الأوركسترا، لا المسرحية/ الأوبرالية، لم تُجابه بتلك الصعوبة نفسها، ومع هذا كان نادراً جداً اقتراب هذا الفن التجريدي الخالص، من عوالم الما – وراء الدانتية. وحده المجري فرانز ليست حقق، إلى حد علمنا، ذلك الاختراق، واضعاً عملاً كبيراً، من الغريب أنه يكاد يبدو اليوم منسياً إلى حد ما. وربما يعود هذا النسيان الجزئي إلى غلبة أعمال أقل كلاسيكية وأكثر شعبية، وربما فولكلورية أيضاً، على “ريبرتوار” صاحب “الرابسودية الهنغارية”. بعد بدايات خجولة على رغم هذا، كان عمل ليست المقتبس من “الكوميديا الإلهية” هو نتاجه الأشهر خلال النصف الثاني من أربعينيات القرن الـ19، حين تجاوز المؤلف بداياته الخجولة بعض الشيء، ليلج مصاف الكبار. وبالنسبة إليه، حينها، لم يكن ذلك الولوج ممكناً من دون الاستناد إلى كبار آخرين حقيقيين. وهكذا، ما إن وجد في طريقه عملين أدبيين كبيرين يعدان من شوامخ النصوص الأوروبية، حتى اندفع نحوهما من دون وجل أو تردد. حدث ذلك أواسط الأربعينيات من ذلك القرن، إذاً، وكان ليست بالكاد تجاوز الـ30 من عمره… لكنه لن يقدم على التنفيذ الفعلي للعملين المرتبطين بالنصين المذكورين، إلا بعد ذلك ب10 أعوام حين كانت عدته الفنية والتقنية قد اكتملت و… حسناً فعل. والعملان المعنيان هنا هما “الكوميديا الإلهية” لدانتي، كما أشرنا، ثم “فاوست” لغوته. وكان لافتاً إلى أن العملين يتسمان معاً، بطابع تأملي فلسفي، وربما ميتافيزيقي أيضاً، ما شكل، في الوقت نفسه، تحدياً للموسيقي، وعوناً له أيضاً، ما دام الموسيقى في ذلك العصر الذي غلبته الرومانسية كانت، أيضاً، مكاناً يمكن للأبعاد الروحية أن تتجلى فيه. فهل كان يمكن للروح أن تجد لنفسها تجلياً أروع مما يتيحه لها نص غوته، ونص دانتي؟ كوميديا دانتي على أسطوانة الموسيقي المجري (أمازون) تطبيق لنظريات مبتكرة هكذا، إذاً، انطلق ليست في تأليفه الموسيقي المستوحى من العملين، وإذا كنا هنا سنتوقف فقط عند “الكوميديا الإلهية”، فإن هذا لا يعني عدم وجود تواصل وتشابه – جواني – في الأقل بين العملين. كل ما في الأمر أننا نتحدث عن “الكوميديا الإلهية” لأن “فاوست” غوته يستأهل حديثاً مستقلاً آخر. والعمل الذي استوحاه فرانز ليست من رائعة دانتي، أطلق عليه موسيقياً اسم “دانتي – سيمفونية”، وهو جاء في نهاية الأمر على شكل قصيدة سيمفونية، اعتبرت دائماً – وأيضاً – إلى جانب “فاوست” – أبرز عملين طبق فيهما فرانز ليست نظريات موسيقية كان أعلنها، مركزاً على الملاءمة فيها بين رومانسية متخمة بالأبعاد الروحية وكلاسيكية تحاول أن تدنو من الواقع والحياة نفسيهما. والحال أن نقاداً كثراً رأوا في العملين، وربما خصوصاً في “دانتي – سيمفونية” مبالغة في التطبيق للنظرية يضع العمل ككل في خانة شبه أكاديمية، غير أن الجمهور العريض الذي احتفل بهذا العمل وأحبه منذ البداية كان له رأي آخر: رأى في العمل تحفة من طراز نادر. وهو ما جعل النقاد والمؤرخين يؤكدونه بعد نسيان طويل. ولعل في مقدورنا أن نقول هنا إن من غرائب أمور هذا العمل أنه فيما يفترض به أن يكون نخبويا يتبع فيه الجمهور العريض ذوق النقاد النخبويين، حدث العكس وإذا بالنخبويين يسيرون على خطى الناس العاديين! صعوبات في الطريق منذ البداية كان ليست – الذي تقول لنا سيرة حياته إنه انكب طوال أشهر مثمرة في حياته في ذلك الحين، على قراءة سفر المبدع الإيطالي النهضوي الكبير بأجزائه الثلاثة، في عدد لا بأس به من الترجمات، وقد آثر أن يعثر على استلهاماته في النص نفسه مباشرة، لا في عشرات التفسيرات التي تتناوله – كان مدركاً حجم وأهمية الصعوبات التي تمثلها الترجمة الموسيقية لعمل من طراز “الكوميديا الإلهية”، حتى وإن كان المنطق يفرض عليه بالطبع، أن يكتفي بالتعاطي مع فصول قليلة ومحدودة من ذلك العمل الفسيح. ومن هنا نراه يحاول، بدلاً من التحقيب، خوض لعبة توليف واضحة بين المواقف والفصول تختصر النص ومساره، لتتوقف عند ما هو أساس فيه. وعلى هذا النحو قسم ليست القصيدة السيمفونية هذه إلى ثلاثة أجزاء، سندرك لاحقاً، أن الاثنين الأخيرين منها، مرتبطان ببعضهما بعضاً. أما الجزء الأول، ويحمل طبعاً عنوان “الجحيم”، فإنه لحن على شكل ثلاثية، تبدأ بمقدمة هي أشبه بمدخل إلى العمل ككل، أتى قوياً ومفعماً بالبعد الدرامي، انطلاقاً من استخدام كلي الحضور، للآلات النحاسية التي حددت “التيمة” الأساسية للعمل. وبعد ذلك المدخل تتحول الموسيقى إلى بعد غنائي عاطفي يجسد أمامنا حكاية الغرام بين باولو وفرانشسكا، قبل أن تنتقل بعد ذلك وفي شكل عاصف إلى خاتمة ذلك القسم المثلث. حين تهدأ الأرواح بعد “الجحيم” يأتي فصل “المطهر” بالطبع… وهنا بدا من الواضح أن ليست يريد أن يلج استراحة معينة يصور فيها هدوء الأرواح وقد أدركت أنها باتت شديدة القرب من أبواب الفردوس، وأنه لا شيء يمكنه منذ تلك اللحظة العودة بها إلى الجحيم… وهكذا يبدأ هذا القسم بلحن رزين يقدم خصوصاً من طريق آلات النفخ (الكورات، والأوبوا، مع إطلالات للكلارينات أتت دائماً ممهدة لتدخل الآلات الوترية). والحال أن هذا التدخل كان بدوره لفسح المجال أمام ألحان شديدة العذوبة والهدوء تغرق السامع في أحلام ما ورائية مدهشة… وإذا كانت هذه الألحان تتزامن وتتقاطع متعددة، فإن لحناً واحداً منها سرعان ما يتجلى وحيداً مؤكداً ذاته وحضوره على حساب الألحان الأخرى. وهذا اللحن هو المسمى “ماغنيفيكات”، والذي يتسم بطابع ديني أحياناً، ويستخدم كثيراً في الأوراتوريو. أما هنا فإنه، سرعان ما يسمح بظهور الكورس من دون سابق إنذار ليدغم نشيد هذا الكورس في البعد السيمفوني اللاجئ إلى دمج الآلات كلها في بوتقة لحنية واحدة. وهذا يمهد بالطبع للقسم الأخير من العمل، حيث تبدو الموسيقى أكثر هدوءاً وجلالاً ما ينهي العمل كله على آفاق وجدانية روحية تذكر بأجمل ألحان باخ الدينية. الحياة كأنها رواية إذا كان فرانتز ليست، في بعض أعماله، قد توجه إلى الأدب يستلهمه، فإن هذا يجب أن يذكرنا بأن حياته نفسها، هو الذي عاش بين 1811 و1886، كانت تبدو طالعة من عمل روائي ينتمي إلى القرن الذي عاش فيه، بكل ما شهدته تلك الحياة من أجواء رومانسية ودرامية. فهو قدم أول حفل له حين كان في التاسعة، ثم التقى بيتهوفن وهو في الـ12، وأثار إعجابه إلى درجة أنه بعد تقديمه عزفاً في فيينا، صعد بيتهوفن إلى المسرح وعانقه. ومنذ تلك اللحظة بدأت شهرته تكبر، وراح يجول بين المدن الأوروبية، عازفاً، مؤلفاً وعاشقاً… وأنجب ثلاثة أطفال قبل أن يدخل ديراً في روما ويدرس اللاهوت. وأبدى ليست دائماً إعجاباً كبيراً بباغانيني، ما جعله يرغب في أن يكون بالنسبة إلى آلة البيانو ما كانه المعلم الإيطالي بالنسبة إلى آلة الكمان. وكان لهذه الرغبة أثر في طغيان شهرته كعازف على شهرته كمؤلف. ومع هذا فإن التاريخ حفظ له مكانته كواحد من كبار مجددي الموسيقى الرومنطيقية، هو الذي ولد معه ما سمي لاحقاً “القصيدة السيمفونية”. عرف ليست لاحقاً بمساعدته لكل زملائه الموسيقيين حين تواجههم صعوبات، وكان من بينهم فاغنز الذي ارتبط معه بصداقة، لا سيما في بايروث التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة. المزيد عن: الكوميديا الإلهية دانتي عصر النهضة الإيطالية سلفادور دالي فرانز ليست 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عالم سيزان الذي يولد بشكل مستمر next post تفكيك الحدث التاريخي بعيدا عن العقيدة في “خلف ستار النخيل” You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026