لوحة «الجحيم» لرسام مجهول (1510–1520) المتحف الوطني للفنون القديمة، لشبونة بأقلامهم حكمت الزين يكتب عن: في اشتباكه الأجدّ.. كتاب جهاد الزين يواجه “عمامتين” by admin 30 January، 2026 written by admin 30 January، 2026 108 تنبع متعة قراءة هذا الكتاب من فرادته وحداثته في آنٍ معًا. فالعين النقدية التي يمتلكها الزين، القادرة على التقاط الظواهر الثقافية والسياسية التي واجهت الأصولية، عن قصد أو من دونه . موقع هنا بيروت / حكمت الزين “عمائم العبودية: تأملات في انحطاط الأصوليتين السنية والشيعية” كتاب للمؤلف جهاد الزين الصادر عن دار نلسن، في كانون الأول ٢٠٢٥، يشكل مقاربة نقدية جريئة لفضاء الفكر الديني-السياسي المعاصر. وهو قد لا يقرأ كدراسة تاريخية أو علمية بحتة، ولا كخطاب دعوي يكرر ما هو مألوف في نقد الإسلام السياسي، بل يتمظهر كتصريح فكري مستقل بوجه ابعاد “العمامتين” السنية والشيعية كسلطة وتسلط. ليس جديداً على جهاد الزين حفيد العمامات، ان يخرج صوته من قلب عباءة اجداده الذين حملوا هذا التراث الديني لينتفض عليه في بعده السياسي. وهو وان بدا منتفضاً في الشكل، لكنه لا يمثل في هذا المسار سوى امتداداً لموقفهم في المضمون… هنا لا تسجّل له جرأته. لكنها بالتأكيد تسجل له في بعد قد يكون اكثر خطورة. فهو ينخرط في موقف فكري طالما ووجه بالعنف من قبل الاسلام السياسي. ينخرط في سياق لا يمكن عزله لا عن تقليد “ليبرالي” في الفكر الغربي منذ البذور الأولى لمحاولات نزع الشرعية السياسية عن رجال الدين في القرن الرابع عشر مع الفيلسوف والطبيب الإيطالي مارسيليوس Marsilius of Padua في كتابه “المدافع عن السلام” Defensor Pacis. ولا فصله عن تقليد شرقي فيما اصطلح على تسميته عصر النهضة العربي في القرن التاسع عشر، العصر الذي ارسته اسماء كرفاعة الطهطاوي، وصولًا إلى محمد عبده والافغاني، حيث تشكّل خطّ فكري يرى في الأصولية الدينية وحركاتها السياسية انحرافًا عن جوهر الدين لا تعبيرًا عنه. وفي القرن العشرين، اتخذ هذا التيار طابعًا أكثر جذرية مع أعمال علي عبد الرازق الذي فكّك فكرة الحكم الديني، وطه حسين، حتى صادق جلال العظم ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون والكثير غيرهم، الذين أعادوا مساءلة بنية الخطاب الديني ذاته. في هذا السياق، يمكن قراءة “عمائم العبودية” بوصفه إضافة جديدة لهذه السلالة من الادبيات المجددة التي واجهت القتل “عارية” في كثير من الأحيان. مع ذلك ينتزع كتاب الزين حيّزاً من هذه المساحة المفتوحة متميزاً بنبرة الناقد السياسي، لا الفيلسوف ولا المتألدج ولا الفقيه ولا المؤرخ، حيث لا يكتفي بنقد الفقه أو التأويل او الاتجاهات السياسية والثقافية، بل يفكك تحالف العمامة مع السلطة وتحويل الدين إلى أداة طاعة واستبداد. تنبع متعة قراءة هذا الكتاب من فرادته وحداثته في آنٍ معًا. فالعين النقدية التي يمتلكها الزين، القادرة على التقاط الظواهر الثقافية والسياسية التي واجهت الأصولية، عن قصد أو من دونه ، تتكامل مع “ريشة” تركّب النصوص تركيبًا فنّيًا غير متوقع، لتجعل من العمل إضافة استثنائية، حتى ولو اختلف القارئ مع بعض استنتاجاته. من بديعة مصابني وأسمهان، إلى مذكّرات خامنئي المعجب بالجواهري والذي يلومه على فهمه “الخاطئ” للدين، ومن الرقص بوصفه فعلًا “مقاومًا” للأصولية، إلى “النسوية المقاتلة” المتمثلة بالكاتبات الثلاث: بلقيس شرارة، إلهام كلّاب، وريجينا صنيفر، وصولًا إلى مستقبل المنطقة الذي حضر دون استئذان، الى الوطنية التكنولوجية والذكاء الاصطناعي… تتوزّع “المقالات” الستّ والثلاثون، في قسمين، لتقدّم عملًا عميقاً وغزيرًا في مقاربة الأصوليتين داخل الثقافة والمجتمع والسياسة، وفي رصد التحوّلات الإقليمية والدولية التي تحيط بنا وبهما. لا يقف الكتاب عند حدود الجدل الديني، بل ينخرط في معركة أوسع ضد العبودية الرمزية، واضعًا نفسه في مواجهة مباشرة مع الأصوليتين السنية والشيعية بوصفهما نظامين فكريين يعيدان إنتاج الخضوع، لا الإيمان، والطاعة، لا الأخلاق. فبداية فرضيته واضحة، تقول ان التيارات الأصولية، سواء في سياقها السني أو الشيعي، لم تعد مجرد مناهج تفسيرية للنص، بل آليات للسيطرة وإعادة إنتاج العبودية الفكرية والسياسية في المجتمعات. فالعمامة هنا ليست مجرد رمز ديني تقليدي، بل قناع يبرّر للسلطة سطوتها وقدرتها في تعليق الأفراد بخيوط الطاعة المطلقة، حتى إذا كان ذلك يعني إلغاء العقل وحظر الاجتهاد الحر. يحاول الزين في كتابه اخذ مسار النقاش من مجرد اختلافات مذهبية إلى بنية السلطة نفسها: كيف تستخدم الأصولية النصّ الديني لجعل الفرد أداة مطيعة، وكيف يتحوّل الدين إلى ما يشبه جهازاً عقابياً للبشر بدل أن يكون منهج رحمة وتحرّر. هذه قراءة لا تختصر الأصولية في فقهٍ أو مدرسة، بل في ممارسة تسيطر على الجسد والذهن معاً، وتغلق أبواب الأسئلة. أخيراً، لا يكتب الزين من موقع الأكاديمي المحايد، بل من مساحة الكاتب الذي يحاول الموازنة في نقده للإسلام السياسي، حيث يزاوج بين التحليل السياسي والانفعال الإنساني، بلغة حيوية تعكس مسيرته الطويلة والمستمرة في الاشتباك النقدي مع الواقع ومع الأسئلة الشائكة… كل ذلك بأسلوب صحفي مدجج برؤى ومقارنات طالما تحثنا حتى على الاشتباك مع انفسنا وإعادة النظر بمسلماتنا. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post جهاز مبتكر لمراقبة التوتر المزمن next post تشكيك في تهديد ترامب بسحب اعتماد الطائرات الكندية الجديدة You may also like دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 March، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 March، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 March، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 March، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 March، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 March، 2026 غسان شربل يكتب عن: زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات 2 March، 2026 كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: نهاية كابوس في... 1 March، 2026 حازم صاغية يكتب عن: نندم… لكنْ ماذا بعد... 1 March، 2026 مايكل هيرتسوغ يكتب عن: حرب محتملة مع إيران:... 28 February، 2026