بأقلامهمعربي حازم صاغية : لبنان: المشكلة هي الوظيفة! by admin 18 أغسطس، 2021 written by admin 18 أغسطس، 2021 116 الشرق الاوسط اللندنية \ حازم صاغية مع التوتّر اللبنانيّ الذي ظهر في 1969، ليسطع في 1973 ثمّ على نحو أكبر في 1975، برزت نظريّة تقول إنّ مصدر الأزمة يكمن في 1966. لماذا؟ لأنّ انهيار بنك إنترا عامذاك دلّ على اختناق الرأسماليّة اللبنانيّة ولم يترك من المخارج إلاّ الانفجار. تفسير الحرب اللاحقة بانهيار بنك إنترا، وهو ما توصّل إليه بعض اليسار اللبنانيّ قبل أن يطويه النسيان، لم يكن بريئاً. هدفه كان حجب الأنظار عن السبب الفعليّ الذي هو السلاح الفلسطينيّ واللبنانيّ. هذا لا يعني إطلاقاً أنّ الاقتصاد اللبنانيّ سليم ومعافى، ناهيك عن أن يكون عادلاً في توزيعه، وهو بالطبع لا يبرّئ قطاعه المصرفيّ خصوصاً من نهب اللبنانيّين. لكنّه، مع ذلك، يحاول توزيع المسؤوليّات بشيء من العدل، كما يحاول الحدّ من مفاعيل الخداع الذي يستخدم «التحليل» من أجل تحويل الأنظار عن المسؤول الرقم واحد. توضيحاً للصورة، لا بأس بطرح سؤالين: لنفترض أنّ اقتصادنا يمنح الغلبة للإنتاج على الاستهلاك والخدمات، هل كانت الأمور لتتغيّر كثيراً في ظلّ إدارة الظهر العربيّة والغربيّة ردّاً على الخيارات السياسيّة المعتمَدة في لبنان؟ في المقابل، هل كان مُحتّماً أن تنتهي الأمور إلى الكارثة التي انتهت إليها فيما لو أُرفق هذا الاقتصاد الرديء إيّاه باهتمام ورعاية عربيّين ودوليّين؟ الإجابة عن السؤالين قد تساهم في تصويب النظر وتسليط الضوء على السبب الأوّل، وإن لم يكن السبب الأوحد، وراء المأساة. إنّه حصراً وتعريفاً سبب سياسيّ يمكن وصفه بالنجاح في تغيير وظيفة لبنان. فلبنان، وإلى حدّ بعيد، كان بلداً – وظيفةً، وفحوى الوظيفة تقديم نموذج مختلف عن الأنظمة العسكريّة والأنظمة الدينيّة أو شبه الدينيّة، نموذجٍ يستطيع أن يتفاعل مع الحداثة ويتيح فرصة معقولة للعمل الحزبيّ والنقابيّ وللحرّيّات الإعلاميّة، وأن يكون تالياً على علاقة جيّدة مع العالم العربيّ كما مع بلدان الغرب. مثل هذه العلاقة كانت، ولا تزال، حاجة اقتصاديّة، لكنّها أيضاً حاجة سياسيّة وثقافيّة وتعليميّة. تشوّهات ونواقص كثيرة كانت تسم هذه الوظيفة وأداءها، لكنّها تبقى أفضل ما عرفناه حتّى الآن. التفاوت بين اللبنانيّين في مسافتهم عن السلطة والثروة، وكذلك منازعات الطوائف، لم تكن تفيض عن ضفاف تلك الوظيفة. معارضو «الهيمنة المارونيّة» من المسلمين التقليديّين لم يكونوا أقلّ تمسّكاً بها، وإن اعترضوا، بين فينة وأخرى، على مقاديرها، أو على طرق اشتغالها، أو على ما اعتبروه انحيازاً في تطبيقها. أمّا التجاوب مع هذه التحفّظات فظلّ ممكناً: أوضح تعابيره حملته الشهابيّة في أواخر الخمسينيّات، ثمّ «اتّفاق الطائف» أواخر الثمانينيّات. في الحالتين، كان التوافق العربيّ – الغربيّ ضامناً للصيغتين. الانقلاب على تلك الوظيفة وتبنّي وظيفة أخرى، مدارُها المقاومة، اتّخذ طريقاً طويلاً ومتعرّجاً. في البداية كان التشهير بلبنان: إنّه «كرتونيّ» و«نتاج تجزئة»، ازدهاره هو ازدهار الفندق والكاباريه، وديمقراطيّته مسخ غربيّ، وأرزته قرنبيطة. وفي الستينيّات، وجد الهجاء تجسيده الحيّ في المقاومة الفلسطينيّة التي طرحت تحويل لبنان «جسراً لتحرير فلسطين». لكنّ الارتباط العربيّ العميق لتلك المقاومة، وسعيها إلى إحراز اعتراف العالم الغربيّ، لجَمَا الرغبة في الانقلاب على وظيفة لبنان. إلى ذلك، كانت فلسطينيّة المقاومة مانعاً آخر، بينما كان حلفاؤها اللبنانيّون أضعف من أن ينفّذوا الانقلاب. المهمّة تولّتها الوصاية السوريّة على نحو أكفأ: تطبيق اتّفاق الطائف بما يحابي «حزب الله» وسلاحه، التفريغ المتواصل للمؤسّسات اللبنانيّة، تدمير العمود الفقريّ التقليديّ، المسيحيّ والجبل لبنانيّ، للكيان، والعمل على توسيع قاعدة مسيحيّة يستند إليها الوضع الجديد. مرارات حرب الجبل والابتزاز بـ «العمالة لإسرائيل» سهّلا هذه المهمّة. التحوّلات السكّانيّة دعمت هذا التوجّه… هكذا قُطع شوط بعيد على طريق تغيير الوظيفة. مع «حزب الله» حصلت النقلة النوعيّة. فالحزب يستحوذ على القضيّة السحريّة التي تشلّ كلّ نقاش، وهي مقاتلة إسرائيل، لكنّه، على عكس المقاتلين الفلسطينيّين، لبنانيّ الجنسيّة، وعلى عكس القوميّين السوريّين والشيوعيّين والبعثيّين، يملك تمثيلاً سياسيّاً وبرلمانيّاً لم يسبق أن حظي به طرف راديكاليّ مناهض لوظيفة لبنان التقليديّة. فوق هذا، تدعم «حزبَ الله»، بالمال والسلاح، دولة غنيّة وقويّة هي إيران. مقتل رفيق الحريري في 2005 أزاح من طريقه السلطة الفرعيّة التي توازن سلطته. انسحاب الجيش السوريّ من لبنان جعله المتعهّد الأوّل والأخير للوظيفة الجديدة. تحالفه مع العونيّين وفّر له الغطاء المسيحيّ. نجاحه في مأسسة النظريّة الخرقاء «شعب وجيش ومقاومة» كرّس حقيقة أنّ الدولة هي بالضبط استحالة الدولة. كلّ شيء بات ممكناً. مع صعود الوظيفة الجديدة، ولّى لبنان القديم «الرجعيّ» و«العميل». انتصر، في المقابل، لبنان المقاومة والتحرّر الوطنيّ، وبانتصاره انتصرت القطيعة مع العالمين العربيّ والغربيّ، وأصبحنا ممرّاً لعبور الحدود جنوباً وشرقاً، وفردوساً لتخزين نِترات الأمونيوم والبنزين المهرّب، ولاشتباكات الجماعات والعشائر، وللجوع والمرض والتسوّل. أصحاب الكفاءات من كلّ صنف شرعوا يغادرون مثلما فعلوا في بلدان مجاورة استولى عليها ناطقون بلسان المقاومة والتحرّر الوطنيّ. عندنا، الشهداء وحدهم يتناسلون. 17 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post رئيس الحكومة جوستان ترودو يؤكّد أنّ كندا لن تعترف بحكومة طالبان next post شهادة السينمائيّين الفلسطينيّين في زمن الحرب | أرشيف You may also like داليا داسا كاي تكتب عن: وهم الشرق الأوسط... 8 مارس، 2026 دانيال بايمان يكتب عن: هل لا يزال “حزب... 8 مارس، 2026 ريتشارد فونتين يكتب عن: الحرب على طريقة ترمب 8 مارس، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب عن: نهاية إيران كقوة... 8 مارس، 2026 دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 مارس، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 مارس، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 مارس، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 مارس، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 مارس، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ