بأقلامهم جميل كامل مروة يكتب.. إلى اللبنانيّ المحتار: دليلٌ في وقف الانهيار (١) by admin 9 January، 2026 written by admin 9 January، 2026 112 السؤال للبنانيّ المحتار ليس: “مَن خاننا أكثر؟” بل: كيف نعيد إلى هذه الرقعة من المتوسّط مكانتها التي شهد لها الخصوم قبل الأصدقاء؟ جميل كامل مروة / صفحة الكاتب facebook أقرب صورة إلى حال بلاد الأرز في مطلع سنة ٢٠٢٦ ليست لوحة رومانسية عن “سويسرا الشرق”، بل مجرى صرفٍ صحّيّ انفجر من خزان راكد، تراكمت فيه أوساخ خمسة عقود من الفساد والاستبداد والخيانة والظلم والدنس والعقم والجهل والتعصّب والإجرام؛ وكلّها روافد أنظمة حكمٍ تعاقبت على نهب مقدّرات المشرق، وخصوصاً بلاد الشام، حتى جعلت لبنان في قلب هذا المستنقع. هذا هو القدر الذي هجم على الوطن الوديع نصف قرنٍ كامل: بدّل أفراحه أهوالاً، وأحلامه كوابيس، وشرّد أهله بين مهاجرٍ وُلد بعيداً ومقيمٍ مقطوع الرجاء، يتقلّب على وسادة القلق والأرق، أو مستسلمٍ لانحدارٍ متدرّجٍ إلى الهاوية. ورحم الله الآلاف الذين سقطوا “على الحساب” في طريق هذا الانهدام. لو توقّف التشخيص عند هذا الحدّ، لكان دعوةً صريحةً إلى انتحارٍ وطنيٍّ جماعيّ. لكنّ الحياة أقوى من الموت، والطبيعة أغنى من الخراب، والعلم أنفع من الجهل، واللبنانيّ – إذا عرف قدر نفسه وتاريخه – أحقُّ من أن يستسلم. فلنحاول، إذن، تشخيصاً علميّاً لا بكائياً. أوّلاً: نحن جميعاً أبناء هذه الأرض، قبل أن نكون “ألقاباً” متنازعة آخر ما انتهت إليه دراسات الجينات والحمض النووي أنّ سكّان الشريط الممتدّ اليوم من غزّة إلى تخوم حلب يشتركون في نمطٍ جينيٍّ واحد، يعود إلى سكّان هذه البقعة في العصر البرونزي الأوّل، أي إلى الكنعانيّين الذين عمروا هذا الساحل منذ ٣٥٠٠ سنة قبل الميلاد. معنى ذلك بسيط وواضح: نحن، في هذه الأرض، حفَدة سلالة واحدة، مهما تبارينا في اختراع سلالات وهميّة. وعليه، فليُعفَ لبنان من مهزلة “المضاربة على الفينيقيّة”: مَن هو أعرق في الفينيقيّة؟ ومن هو أكثر “أصالة” في الدم؟ العلم حَسَم الجدل وأغلق الباب على هذه المنازلات الصبيانيّة. ثانياً: “فينيقيا” اسمٌ وُلد في الخارج، وحُمّل من هناك أعباءه تسمية فينيقيا ليست من إبداع أهل الساحل أنفسهم، بل هي كلمة إغريقيّة قديمة أطلقها اليونان على سكّان هذا الساحل، ثم ورثتها عنهم اللغات والحضارات. لكنّ هذا الاسم في الأدبيّات اليونانيّة والرومانيّة لم يكن مديحاً خالصاً؛ فقد رأت تلك العوالم في أجدادنا على شاطئ المتوسّط الشرقي، وفي أقاربهم في قرطاجة (تونس) وقرطاجنة (إسبانيا)، تجّاراً لا يؤتمنون، وبحّارة لا يُجارَون. هكذا، منذ البدء، كان هذا الشعب في عين جيرانه: خصماً صلباً في البحر والتجارة، ومحلّ ظنٍّ في الأخلاق التجاريّة. وهي صورةٌ وُضعت لنا من الخارج، أكثر ممّا اخترناها نحن لأنفسنا. ثالثاً: حضارةٌ بلا كتبٍ باقية… ولكن ليست بلا فكر نفخر، بحقّ، بأنّ هذا الساحل أعطى العالم أبجديّةً سهّلت الكتابة ونشرت القراءة. غير أنّ الإنصاف العلمي يقتضي القول إنّ الفينيقيّين طوّروا ما ورثوه عن جيرانهم: المصريّين القدماء والأكّاديّين من جنوب العراق، فجاؤوا بمزيجٍ عمليّ من الرموز، لا من فراغ. ومع ذلك، فإنّ الأدهى أنّنا لا نملك اليوم مؤلَّفاً فينيقيّاً واحداً كاملاً من صنع أيديهم. السبب مادّيّ قبل أن يكون مؤامرة: الفينيقيّون، أسوةً بالمصريّين، كتبوا على ورق البردي، فحفظ الجفاف مخطوطات مصر، وأكلت رطوبة لبنان معظم ما كُتب على شواطئه. لذلك لا نعرف عن نتاج العبقريّة الفينيقيّة إلّا ما تسلّل إلينا من مقتطفات شعريّة ودينيّة وفلسفيّة وعلميّة، اقتبسها أو استشهد بها مؤرّخو وفلاسفة اليونان والرومان. نحن، اليوم، نقرأ صوتنا القديم من أفواه الآخرين. رابعاً: صناعة العصر عند أجدادنا: من الأرجوان إلى الأساطيل ليس صحيحاً أنّ أجدادنا كانوا “تجّار خردة” فحسب. الأرجوان، هذا اللون القرمزي الذي فتن الإغريق ثم الرومان، لم يكن زينةً هامشيّة: كان صناعة “هايتِك” عصرها، لا تتقنها سوى صور في ذروة مجدها. لكنّ العبقريّة الفينيقيّة الأعمق ظهرت في صناعة السلاح وسبك المعادن في العصرين البرونزي والحديدي: سيوف، رماح، دروع، كانت تُصدَّر إلى فراعنة مصر وملوك فارس وآشور. وعلى هذه الصناعات قامت جيوشٌ وانهارت أخرى. ثم جاءت الصناعة الكبرى: صناعة السفن. كلّ أسطول الإمبراطوريّة الفارسيّة في البحر المتوسّط كان ممهوراً بعلامة صيدا وصور. كان الفينيقيّون يصنعون السفن قطعاً متقنة، تُنجر كلّ قطعة وفق مقاسها، وتُرقّم بوَسمٍ يدلّ على موضعها في جسم المركب، ثم تُشحن القطع بحرًا أو برًّا إلى حيث يُراد للأسطول أن يولد. هناك، يأتي المهندسون الفينيقيّون من صيدون وصور وأوغاريت، فيعيدون تركيب القطع وفق المخطّط، تماماً كما تُركَّب اليوم طائرة أو آلةٌ كبرى من أجزاء جاءت من معامل شتّى. هذه ليست حكاية فخرٍ فارغ؛ إنّها تذكير بأنّ أهل هذه الأرض كانوا في زمنٍ من الأزمان طليعة التقنية والصناعة والتجارة في العالم القديم. إذاً، حين ننظر إلى انهيار لبنان اليوم، لا نراه قدرًا سماويّاً، بل انحطاط شعبٍ نسي علمه وتاريخه، وترك بلاده تتحوّل من ورشة صناعةٍ وبحرٍ وتجارةٍ إلى ماسورة صرفٍ طافحة. والسؤال للبنانيّ المحتار ليس: “مَن خاننا أكثر؟” بل: كيف نعيد إلى هذه الرقعة من المتوسّط مكانتها التي شهد لها الخصوم قبل الأصدقاء؟ هنا يبدأ وقف الانهيار، لا في البكاء على أطلال المستنقع. جميل كامل مروة /..facebook 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post تظاهرات ليلية واسعة في إيران وترمب يتوعد النظام next post من رد آلي إلى نماذج لغوية… خطوة نحو “الموظف الافتراضي” You may also like دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 March، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 March، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 March، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 March، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 March، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 March، 2026 غسان شربل يكتب عن: زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات 2 March، 2026 كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: نهاية كابوس في... 1 March، 2026 حازم صاغية يكتب عن: نندم… لكنْ ماذا بعد... 1 March، 2026 مايكل هيرتسوغ يكتب عن: حرب محتملة مع إيران:... 28 February، 2026