Uncategorized تصميم الخوف: عناصر جماليّة في السحر والشعوذة by admin 16 يناير، 2020 written by admin 16 يناير، 2020 153 عرب 48 – فسحة / جاد قعدان يجب ألّا نتغاضى عن “عالميّة” هذه الظاهرة؛ فهي موجودة في حضارات وديانات عديدة ومتنوّعة، وفي قبائل معزولة غير حضريّة، وبمشاهدة عرضيّة لها، ثمّة نمطيّة واضحة لاستخدام عامل الموت والجثث. توتّر وجاذبيّة ممّا لا شكّ فيه أنّ ثمّة توتّرًا ما، حاضرًا في موقف بعضنا تجاه السحر والشعوذة، في تعاطينا مع بعض التيّارات الدينيّة من جهة، ومع المنهجيّة العلميّة والمشاهدة من جهة أخرى. لا نستطيع إنكار وجود الكثير من النصوص الدينيّة الّتي تشير إلى وجود عالَم فوق طبيعيّ، يحوي ظواهر مثل كسر قوانين الفيزياء والمنطق، وتسخيرها لرغبات بعض البشر. وفي هذه النصوص ذِكر لظاهرة السحر الّتي بالإمكان تعريفها بمجموعة من العمليّات، الطلسميّة والمبهمة بشكل عامّ، قد تؤدّي إلى نتيجة معيّنة ترضي الفاعل، مثل تحصيل حاجات أو إيذاء أشخاص آخرين بسُبُل غير مرئيّة وغير محسوسة. لا نستطيع إنكار وجود الكثير من النصوص الدينيّة الّتي تشير إلى وجود عالَم فوق طبيعيّ، يحوي ظواهر مثل كسر قوانين الفيزياء والمنطق، وتسخيرها لرغبات بعض البشر في المقابل، في عصر العلم والتواصل الاجتماعيّ العالميّ السريع، كان بعضنا يتوقّع أن تصلنا فيديوهات توثيقيّة لقوّة هؤلاء السحرة أو أصحاب القوى فوق الطبيعيّة، أو على الأقلّ فحصهم تحت المجهر العلميّ، إن كان في حقل العلوم النفسيّة أو اللاهوت، لكن ما من أدلّة واضحة ودامغة على وجودهم، باستثناء بعض فيديوهات “اللبس” (وهي ظاهرة تختلف تمامًا)، أو الكاميرات الخفيّة الّتي “تفضح” المشعوذين. على الرغم من شُحّ الأدلّة العلميّة على حقيقة السحر، إلّا أنّ له جاذبيّة خاصّة للكثيرين من مجتمعاتنا، ومجتمعات أخرى حول العالم، وثمّة ما يكفي ممّن يتعاملون ويتداولون به، إلّا أنّه بالإمكان ادّعاء وجود أسواق كاملة تختصّ بالسحر والشعوذة، وأموال طائلة من ورائها. “فلان عِملولُه عَمَل!” من ذكريات الطفولة الّتي زرعت فيّ الريبة والخوف، كان العثور على قُصاصات ورق في جرّة داخل دار أحد الأقارب، وقد اتّضح أنّها “حجابات”؛ وهي شكل كم أشكال صناعة السحر. من أكثر ما فاجأني، وأنا طفل شاهد على سلسلة الأحداث هذه، ذعر البالغين، أذكر أنّني لم أُعِر في البداية اهتمامًا زائدًا لتلك القُصاصات، لكنّي بدأت بإعادة الحسابات والتفكير، حين رأيت الخوف والتوتّر الشديد في وجوه الأهالي والكبار. قد يكون الخوف هو العاطفة المحوريّة لفهم شيوع ظاهرة السحر وازدهارها. قد يُخطئ البعض في اعتقاده أنّ الخوف ردّة فعل غريزيّة لا غير، في حين أنّ في الواقع للخوف قابليّة للاكتساب والتعلّم، والتقوية أو الإضعاف. لو كان الخوف ردّة فعل غريزيّة فقط لاجتمع البشر على الخوف من أمور ثابتة مشتركة، وهي حال مغايرة لواقعنا الّذي فيه نرى فلانًا يخاف من العناكب، في حين صديقه يخاف من المرتفعات؛ أي أنّ لكلٍّ منّا مخاوفه الخاصّة وبدرجات متفاوتة. من هنا فلا بدّ من وجود أسباب مادّيّة سيكولوجيّة من وراء خوفنا من “قُصاصة الورق” تلك، وبالضرورة بالإمكان تفكيكها إلى عوامل جماليّة (إستيطيقيّة) تحاكي تاريخنا مع عاطفة الخوف. لكلٍّ منّا مخاوفه الخاصّة وبدرجات متفاوتة. من هنا فلا بدّ من وجود أسباب مادّيّة سيكولوجيّة من وراء خوفنا من “قُصاصة الورق” تلك، وبالضرورة بالإمكان تفكيكها إلى عوامل جماليّة. الطلسميّة والتدنيس إذا أردنا وصف مشهد كلاسيكيّ لـ “عَمَل” أو إنتاج سحر، فالعامل الأوّل الّذي يظهر هو استخدام الرموز الطلسميّة غير المفهومة، الّتي عادةً تحوي أقسامًا من نصوص مقدّسة بصورة مشوَّهة أو معكوسة. لماذا يستخدم الفاعل هذه الطريقة الغريبة في انتقاء الرموز؟ وما المريب فيها؟ إذا وضعنا عدسات سيكولوجيّة – اجتماعيّة – يمكن تفكيك هذه الرموز إلى مركّبَين من شأنهما خدمة هدف تشكيل الخوف عند الناس: الأوّل هو الطلسميّة، الّتي تجعل المتلقّي أو المشاهد يعتقد أنّ هناك ما لا يفهمه، أو ما لا يقوى على فهمه؛ فالإحساس بالجهل شكل من أشكال فقدان السيطرة، الّذي يقع على نفس محور الخوف من الظلام أو من الأماكن المعزولة والضيّقة. أمّا العامل الثاني المساهم في تكوين الخوف فهو فكرة التدنيس. ما هو التدنيس؟ هو العبث بالقدسيّة والمكانة، وهو القطب البعيد من التصرّفات المناقضة للعقد الاجتماعيّ. عندما يستخدم شخص ما آيات أو نصوصًا مقدّسة بسياق غير مقدّس، أو حتّى بسياق نقيض للمقدّس، فإنّه يوصل إلى المشاهد رسالة ضمنيّة تعلن عدم وجود أيّ خطوط حمراء؛ وهذا يجعل المشاهد يشعر بعدم وجود أيّ قوانين أو أخلاقيّات للّعبة؛ وهو ما يغذّي الشعور بالتهديد الحتميّ والكونيّ، فيصبّ في جدول عاطفة الخوف والذعر. توظيف القبح من أكثر ما يُقزّز في ظاهرة السحر والحجابات، توظيف الموت فكرةً وتجسيدًا… قد يستخدم بعض المشعوذين المقابر والجثث والجِيَف كبيوت لقُصاصات الورق المدعوّة بـ “حجابات”؛ بمعنى أنّ بعضهم ينبش القبور وسكينتها ليخزّن فيه “عَمَله”، وبعضهم يستخدم جثث الحيوانات. بعد تنحية الشعور بالغثيان والقشعريرة، يمكن مشاهدة نمطيّة واضحة جدًّا في خطّة التخويف والتفزيع لصاحب العَمَل؛ فهذا التصميم يحاكي المخاوف الغريزيّة الموجودة بجميع الثقافات والمجتمعات، وهي الخوف من الموت والمرض. باختيار الفاعل ساحة المقابر والجثث؛ فإنّه يريد ربط ظاهرة قُصاصات الورق هذه بالموت أوّلًا، وثانيًا بالجثث والمرض والروائح الكريهة والمَشاهد الفاسدة؛ أي كلّ ما نتجنّبه ونبغضه فسيولوجيًّا وغريزيًّا في حياتنا اليوميّة. بهذا، يدخل لاعب قويّ جدًّا وعالميّ إلى معادلة الخوف الّتي أُتقِنت وشُحِذت عبر العصور والثقافات المختلفة، وهنا يجب ألّا نتغاضى عن “عالميّة” هذه الظاهرة؛ فهي موجودة في حضارات وديانات عديدة ومتنوّعة، وفي قبائل معزولة غير حضريّة، وبمشاهدة عرضيّة لها، ثمّة نمطيّة واضحة لاستخدام عامل الموت والجثث، بشكل عابر للثقافات. توريث الخوف إضافة إلى العوامل أعلاه، ولتَكمل الصورة تمامًا، قد يدّعي البعض أنّ ثمّة شريحة صغيرة من الناس منكشفة على عالم السحر والشعوذة، ولا سيّما حين يكون المجتمع مدنيًّا مبنيًّا على أسس العلم والحداثة؛ ولهذا فمن المفاجئ حضور الظاهرة في هذا النوع من الحياة الجمعيّة. فعلًا، ممّا لا شكّ فيه أنّ ظاهرة السحر والشعوذة تزدهر في بيئة تنتقص لسيادة القانون، وتفتقر إلى العلم والثقافة والانفتاح، إلّا أنّ الخوف منها لا يزال موجودًا بقدرٍ ما، حتّى في أروقة الجامعات والأكاديميا. لربّما من أفضل ما يربط بين الخوف المبرَّر، النابع من الشهادة على السيرورة اللعينة لإنتاج الحجابات أو السحر، وبين شخص مستقلّ لم يرَ قُصاصة ورق كهذه في حياته، هو الخوف المكتسب من ردود فعل البيئة والموروث عن الأجيال السابقة. ظاهرة “توريث” الخوف ظاهرة مرصودة في العلوم الاجتماعيّة والأحياء وغيرهما. إنّ التوتّر الحاضر في الحديث عن ظاهرة السحر، مثل الوباء الّذي يتفشّى بين كلّ مَنْ هو حاضر في مساحة الحديث؛ فحين يتلقّى طفل يسأل عن السحر وابلًا من التحذيرات والتعويذات، فإنّه يتعلّم بسرعة ونجاعة أنّ هذا الموضوع “طابو” مخيف وخطير. التوتّر الحاضر في الحديث عن ظاهرة السحر، مثل الوباء الّذي يتفشّى بين كلّ مَنْ هو حاضر في مساحة الحديث؛ فحين يتلقّى طفل يسأل عن السحر وابلًا من التحذيرات والتعويذات، فإنّه يتعلّم بسرعة ونجاعة أنّ هذا الموضوع “طابو” مخيف خلاصة الأمر… من الصعب تحمّل فكرة وجود قوّة تتيح لأحدهم إيذاءنا، وتشظية كلّ ما هو مهمّ لنا، بمساعدة غيبيّات لا يمكن رصدها أو السيطرة عليها. في عالم كهذا، من المنطقيّ نسب كلّ ما يقتضي النقد الذاتيّ أو المجتمعيّ إلى مؤثّرات فوق طبيعيّة مؤامراتيّة، وهو ما يثبّط محاولات التقدّم، ويُجهض فلسفة اتّخاذ المسؤوليّة الناضجة على تحديد مصيرنا أفرادًا ومجتمعًا. قد تكون قُصاصة الورق ذات الآيات المشوّهة والرموز الطلسميّة، الموجودة في أحشاء جثّة عصفور في جرّة أمام بيتنا، قد تكون أقلّ تهديدًا لكينونتنا، وأقلّ وقعًا سيّئًا على عالمنا، إذا ما فكّكناها إلى عواملها، وناقشناها بلا قيود، وبكلّ جرأة وصراحة، وليس فقط بأدوات دينيّة فقهيّة. جاد قعدان باحث ومدرّب وناشط. متخصّص في علوم الدماغ (بيولوجيا وعلم نفس)، وعلم النفس الإدراكيّ اللسانيّ. يدرس حاليًّا ضمن برنامج الدكتوراه في الدراسات الإدراكيّة اللسانيّة، في “جامعة تل أبيب”. معلّم بسيخومتري منذ 2007، ومدرّب للدبكة التراثيّة الفلسطينيّة. المزيد عن : سحر /شعوذة /حجاب /فك السحر /الخوف /الموت /الجمال /قبح /جثث /جاد قعدان 9 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “تستعيد الحياة بهجتها ولا أبالي بالناس”… تونسيات يشربن الخمر للمرة الأولى next post علمانيّة حرّيّة الضمير عند تايلور وماكلور You may also like رهان جيوسياسي أمريكي إيراني شديد الخطورة – مقال... 4 فبراير، 2026 مكاسب المغرب من احتضان كأس الأمم الأفريقيةد 18 يناير، 2026 إيران في لحظة مفصلية: دعوة إلى تحرك أميركي... 17 يناير، 2026 شاهد : ما قصة هذا العلم وهل هو... 13 يناير، 2026 الباحث إسلام الخولي يدخل قائمة ’’مبتكرون دون 35‘‘... 3 يناير، 2026 Pugwash man charged for claiming to be police... 12 ديسمبر، 2025 حقن “خارقة”.. فقدان أسرع للوزن وشعور أطول بالشبع 27 نوفمبر، 2025 ردود فعل على قول كارني إنّ كندا لم... 26 نوفمبر، 2025 الصالون الدولي للسياحة والأسفار في مونتريال في نسخته... 11 نوفمبر، 2025 رحلة 100 عام… توت عنخ آمون يغير محل... 1 نوفمبر، 2025 9 comments Dorothy 1 أبريل، 2025 - 4:25 م 89178 747697Quite educating story, saved your site for hopes to read more! 822894 Reply ชุดกระชับสัดส่วน 10 أبريل، 2025 - 1:23 ص 830140 856399Just wanna input on couple of general things, The web site layout is perfect, the articles is truly excellent : D. 329500 Reply เน็ต บ้าน ais 5 يونيو، 2025 - 1:03 م 604045 761397I really pleased to locate this internet site on bing, just what I was looking for : D too bookmarked . 264225 Reply SEO Las Vegas 15 يونيو، 2025 - 11:42 ص 593791 259273Following study a few of the blog articles for your web site now, and that i genuinely like your method of blogging. I bookmarked it to my bookmark site list and are checking back soon. Pls consider my internet internet site too and inform me what you consider. 58215 Reply สินค้ากิฟฟารีน 1 أكتوبر، 2025 - 2:17 م 61742 821748Youd outstanding guidelines there. I did a search about the field and identified that quite likely the majority will agree with your internet page. 94884 Reply แทงหวย24 19 أكتوبر، 2025 - 11:58 ص 959556 954901A weblog like yours really should be earning a lot dollars from adsense.~::- 935940 Reply Jav 22 أكتوبر، 2025 - 11:27 ص 771765 885016It was any exhilaration discovering your web site yesterday. I arrived here nowadays hunting new points. I was not necessarily frustrated. Your tips after new approaches on this thing have been useful plus an superb assistance to personally. We appreciate you leaving out time to write out these items and then for revealing your thoughts. 85596 Reply จำนำรถ 28 أكتوبر، 2025 - 12:42 م 606606 227499You can undoubtedly see your skills in the work you write. The world hopes for more passionate writers like you who arent afraid to say how they believe. At all times follow your heart 766441 Reply สล็อตเกาหลี 24 نوفمبر، 2025 - 6:38 م 607575 149342Can I simply say exactly what a relief to get someone who actually knows what theyre dealing with on the internet. You really know how to bring a difficulty to light and make it essential. The diet ought to see this and fully grasp this side on the story. I cant believe youre not more common because you undoubtedly hold the gift. 632071 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.