الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد في البيت الأبيض، واشنطن العاصمة، فبراير 2025 (رويترز) بأقلامهم ترمب يفكك الاستخبارات الأميركية by admin 10 يوليو، 2025 written by admin 10 يوليو، 2025 167 تسييس النظام يزيد من احتمالية حدوث إخفاقات خطرة اندبندنت عربية / ديفيد جيو – مايكل هايدن ديفيد جيو أستاذ أكاديمي دولي في مجال الاستخبارات والأمن الدولي بالأكاديمية البريطانية في كلية كينغز كوليدج بلندن، وعمل سابقاً كمحلل وضابط عمليات داخل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. مايكل هايدن جنرال متقاعد في القوات الجوية الأميركية، شغل منصب مدير وكالة الأمن القومي بين عامي 1999 و2005، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية من عام 2006 إلى عام 2009. “تحدث بوضوح!”، صاح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وجه رئيس وكالة الاستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين خلال اجتماع تلفزيوني لمجلس الأمن، عقد عشية غزوه الفوضوي الشامل لأوكرانيا خلال فبراير (شباط) 2022. بدا ناريشكين متوتراً بصورة واضحة. وبعدما تلعثم أخيراً معبراً عن دعمه للاعتراف بمنطقتي دونيتسك ولوغانسك الأوكرانيتين كدولتين مستقلتين، وهي الكلمات التي كان بوتين ينتظر سماعها، تلقى أمراً مفاجئاً بالجلوس، كما لو كان تلميذاً غير مستعد فشل في اختبار شفهي. ومن المحتمل أن تردد ناريشكين في تبني ذريعة بوتين للحرب يعود إلى نقص المعلومات الاستخباراتية الموثوقة، التي تؤكد أن “العملية العسكرية الخاصة” ستعيد كييف إلى فلك موسكو الإمبريالي. ولكن بدلاً من إبداء أية تحفظات، اختار ناريشكين الامتثال والانصياع. فربما كانت المعلومات الاستخباراتية ملتبسة، لكن الأخطار المترتبة على معارضة بوتين كانت واضحة تماماً. في الواقع، يمثل اعتقاد بوتين الراسخ بأن أوكرانيا ستستسلم بسرعة أكبر فشل استخباراتي خلال فترة حكمه التي تمتد لربع قرن. فحين لم يتقدم الغزو كما تصور، استشاط غضباً، وألقى اللوم على بعض كبار مسؤولي الأمن، بل واعتقل بعضاً منهم. لكن بوتين كان نصب لنفسه هذا الفخ. فكما هي الحال مع عدد من الحكام الاستبداديين، خلق بيئة لا يخبره فيها المرؤوسون إلا بما يريد سماعه. وفي الحقيقة، إن العمل الاستخباراتي في أفضل حالاته يساعد القادة السياسيين على طرح الأسئلة الصحيحة وتحدي افتراضاتهم، والتفكير في ما قد يسير بصورة خاطئة. وعلى رغم أن ضباط الاستخبارات يتحملون مسؤولية مهنية تقتضي التكيف مع مصالح القادة الذين يخدمونهم، ومع أولويات سياستهم الخارجية، وأسلوب الإحاطة [تقديم المعلومات] المفضل لديهم، فإن أسمى صور الخدمة التي يمكن أن تقدمها الوكالات الاستخباراتية أحياناً هي أن تقنع القادة السياسيين بالتخلي عن فكرة راسخة ولكن خاطئة. تمتلك الولايات المتحدة مجتمعاً استخباراتياً يعد الأفضل على مستوى العالم. لكن في عهد الرئيس دونالد ترمب، بدأت بعض العلل التي تجعل الأنظمة الاستبدادية عرضة للإخفاقات الاستخباراتية تهدد النظام الأميركي أيضاً. فقد أدى أسلوب ترمب الشعبوي والشخصاني إلى تجاهله لقيمة الاستخبارات وإساءة استخدام الوكالات التي تنتجها. خلال أواخر يونيو (حزيران) الماضي، وقبل يوم واحد من إرساله قاذفات أميركية لضرب المنشآت النووية الإيرانية، رفض ترمب شهادة مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد أمام الكونغرس، التي أفادت فيها بأن إيران ليست قريبة من تطوير سلاح نووي، وهو تقييم يتعارض مع مزاعم الرئيس نفسه. وقال ترمب “لا يهمني ما تقوله”. وبعد الضربات الأميركية، أعلن منتصراً أن المواقع النووية الإيرانية المستهدفة “مُحيت تماماً وبالكامل”، في حين أن التقييمات الأولية لوكالة استخبارات الدفاع كانت أكثر تحفظاً في شأن حجم الأضرار. لكن المشكلة لا تكمن فقط في أن ترمب نفسه يقلل من شأن الاستخبارات، بل في أن إدارته أيضاً تخلق ظروفاً يعدل فيها كبار المسؤولين تقييماتهم لإرضائه. فقد كرر وزير الدفاع بيت هيغسيث ادعاءات ترمب المبالغ فيها في شأن المحو الكامل للمواقع الإيرانية المستهدفة، متجاهلاً تقرير وكالته الاستخباراتية. في حين قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن “التقييم المزعوم خاطئ تماماً”. وسرعان ما زعمت غابارد وجون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، أنهما عثرا على “معلومات استخباراتية جديدة” تدعم تفسير ترمب للأحداث، لكنهما امتنعا عن مشاركتها علناً. ومع تزايد تعيين موظفين ذوي ولاء شخصي بدلاً من أولئك ذوي الكفاءة المهنية، مثلما حدث حينما وضع أحد مكاتب مكافحة الإرهاب المهمة في وزارة الأمن الداخلي فجأة تحت قيادة خريج جامعي حديث العهد لا يملك أية خبرة في الأمن القومي، باتت الأجهزة الاستخباراتية تواجه خطر التسييس المفرط، وتتحول إلى أدوات تبرير للقرارات السياسية بدلاً من أن تكون أدوات لإرشادها. وخلال الوقت نفسه، تواجه الولايات المتحدة تهديدات خطرة للأمن القومي، ليس أقلها تزايد خطر الإرهاب مع سعي الجماعات المدعومة من إيران للانتقام من الضربات الأميركية. وسواء أدى ذلك إلى هجوم إرهابي أو سيبراني، أو سوء تقدير في السياسة الخارجية، أو مفاجأة عسكرية، فإن عواقب الفشل الاستخباراتي قد تكون وخيمة. والخطر يتزايد باستمرار. التغاضي عن الحقيقة تعد الإخفاقات الاستخباراتية أمراً لا مفر منه حتى في الأنظمة المتوازنة. فالوصول إلى الأسرار وتقييمها بصورة صحيحة يعد أمراً بالغ الصعوبة حتى في أفضل الظروف، إذ إن البشر يخطئون بطبيعتهم، بالتالي لا بد أن تقع أخطاء في العمليات وفي التحليل. لكن التشوهات داخل النظام تزيد من احتمالية الفشل. والمثال النموذجي على ذلك هو نظام استبدادي لا يتسامح فيه الحاكم الواثق من نفسه مع أية آراء أخرى. ويعمل ضباط الاستخبارات في مثل هذه الأنظمة ضمن بيئة لا يسمح فيها بقول الحقيقة لأصحاب السلطة، ويفضل فيها الخنوع على الخبرة، ويتغلب فيها التملق على البصيرة، ويطلب تقديم “حقائق بديلة” للحفاظ على الرؤية المفضلة لدى الزعيم. ويعد تقديم تقييمات صادقة تتعارض مع آراء الحاكم بمثابة خيانة تستدعي العقاب. ومن دون مساحة للاختلاف التحليلي وتقديم وجهات نظر صريحة، قد يتلقى القادة معلومات استخباراتية خاطئة ويتصرفون بناءً عليها، وهو أمر يمكن أن يشهد عليه ناريشكين التعيس الحظ. وتواجه الولايات المتحدة اليوم خطراً مشابهاً. فالشعبوية التي يتبناها ترمب تتسم بالشكوك العميقة تجاه أصحاب الخبرات المعتمدة، وبعدم التسامح مع الخبراء الذين يقدمون حقائق أو تحليلات غير ملائمة تتحدى المعتقدات الأساس لحركته. وعلى غرار ما يفعله القادة الاستبداديون، أحاط ترمب نفسه بالموالين الذين يجتازون اختبارات الولاء الأيديولوجي، مثل الإصرار على أن انتخابات 2020 “سُرقت” منه. وهذه الثقافة المبنية على التحليل المسيس والرقابة الذاتية وقمع الحقائق غير المرغوب فيها، تشبه الظروف السائدة في الأنظمة الاستبدادية التي تؤدي إلى الفشل الاستخباراتي. إن الوصول إلى الأسرار وتقييمها بصورة صحيحة يعد أمراً بالغ الصعوبة حتى في أفضل الظروف والمؤهل الأهم للعمل ضمن إدارة ترمب هو الولاء الشخصي، وليس الكفاءة أو الخبرة المناسبة. وبالطبع، يحق لأي رئيس أميركي أن يتوقع درجة من الولاء من موظفي الحكومة الفيدرالية. لكن توقعات إدارة ترمب تضع الولاء الشخصي فوق الحقيقة. فقد طلب من عدة محترفين خدموا لأعوام طويلة في الدولة أن يكشفوا عن هوية من صوتوا له كشرط لتولي مناصب أمن قومي لا تتأثر تقليدياً بالسياسة الحزبية، وهو نوع من اختبارات الولاء التي تستبعد الموظفين الأكفاء وتوجه رسالة إلى من تبقوا بأن الاستمرار في الخدمة يعني الرضوخ والامتثال. وغالباً ما يقوم كبار مسؤولي الاستخبارات الموالين، الذين يخدمون زعيماً شعبوياً أو مستبداً، بتكييف أنشطة وكالاتهم بناءً على ما قد يرغب أو لا يرغب الزعيم في سماعه. وقد يؤدي هذا إلى توجيه الموارد الاستخباراتية بعيداً من التهديدات الحقيقية. على سبيل المثال، بصفته مديراً لمكتب التحقيقات الفيدرالي، أعاد كاش باتيل تنظيم الوكالة لتحويل العملاء والمحللين المتخصصين نحو إنفاذ قوانين الهجرة ومكافحة جرائم العنف، مما ترك التحقيقات في التهديدات التي تمثل خطورة أكبر على الأمن القومي، مثل مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية وأنشطة الاستخبارات الصينية أو الروسية في الولايات المتحدة، من دون موارد كافية. على رغم أن الحد من جرائم العنف هدف جدير بالثناء، فإن حماية الأمن القومي الأميركي تتطلب من مكتب التحقيقات الفيدرالي والوكالات الأخرى أن تتعامل مع مجموعة أوسع بكثير من الأخطار. هذا ليس المثال الوحيد على تهميش أو إغلاق إدارة ترمب لوحدات الاستخبارات التي تركز على عمليات التأثير الأجنبي الخبيث، كما أنه ليس المثال الوحيد على إعادة توجيه الموارد بعيداً من معالجة التهديدات الخطرة لخدمة المصالح السياسية. في أوائل مايو (أيار) الماضي، أعطت غابارد توجيهات لوكالات الاستخبارات الأميركية بزيادة جهود جمع المعلومات الاستخباراتية في غرينلاند، وتحديداً لتقييم مدى قوة حركة الاستقلال في الجزيرة. وغرينلاند، بوصفها إقليماً ذاتي الحكم تابعاً لحليف في الناتو، لا تشكل تهديداً أمنياً للولايات المتحدة، أما سبب جمع هذه المعلومات فكان دعم اقتراح ترمب بضم الجزيرة إلى الولايات المتحدة. في الحقيقة، لا تتمتع وكالات الاستخبارات بقدرات غير محدودة. فإذا أهدرت مواردها الثمينة على تهديدات غير موجودة أو خطط مشكوك فيها للسيطرة على أراضي دول أخرى، سيزداد احتمال أن تفاجأ بخطط ونيات خصوم مثل الصين وإيران وروسيا. الهدف: إرضاء الرئيس دائماً ما ينجذب السياسيون إلى تجاهل التحفظات، والمبالغة في مستويات الثقة التحليلية، أو التقليل من أهمية الآراء المعارضة، مثلما فعل ترمب عندما وصف التقرير الأولي لوكالة استخبارات الدفاع في شأن الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني بأنه “غير حاسم”. وليست إدارة ترمب أول إدارة أميركية تفضل المعلومات الاستخباراتية التي تتماشى مع رواية سياسية معينة. ففي أواخر ستينيات القرن الـ20، وأمام الإحباط بسبب عدم تحقيق الولايات المتحدة أي تقدم في حرب فيتنام، فضل الرئيس ليندون جونسون تقييمات البنتاغون المتفائلة في شأن مسار الحرب على آراء وكالة الاستخبارات المركزية الأكثر تشاؤماً، مما شوه فهمه لسير الحرب وأعطاه أملاً زائفاً في استراتيجية تصعيد فاشلة. وخلال عام 2002، أنشأ وزير الدفاع دونالد رامسفيلد “مكتب الخطط الخاصة” في البنتاغون من أجل إثبات وجود صلة بين العراق وتنظيم “القاعدة” (وهي صلة لم تجدها وكالة الاستخبارات المركزية موثوقة) ودعم مبررات غزو الولايات المتحدة للعراق. في كلتا الحالتين، قادت الانتقائية في اختيار المعلومات الاستخباراتية إلى انزلاق رؤساء الولايات المتحدة نحو فشل استراتيجي. لكن يبدو أن دروس التاريخ ذهبت سدى في البيت الأبيض الحالي. خلال مايو الماضي، أقالت غابارد القائم بأعمال مجلس الاستخبارات الوطني ونائبه بعد إصدار تقييم بأن جماعة “ترين دي أراغوا” الإجرامية، التي تتخذ من فنزويلا مقراً لها، لا تخضع لسيطرة الحكومة الفنزويلية، وهو ما يتعارض مع الادعاء الذي استخدمته إدارة ترمب لتبرير ترحيل الفنزويليين. عندما توصلا إلى هذا الاستنتاج للمرة الأولى، طلب رئيس موظفي غابارد، وهو من الموالين لترمب، من المجلس أن “يعيد النظر” في الأدلة وأن “يجري القليل من إعادة الصياغة” حتى لا يستخدم التقييم “ضد” غابارد أو ترمب، وهو طلب سياسي بحت. لكن قائدي المجلس تمسكا إلى حد كبير بتقييمهما الأولي بدلاً من تعديله بما يناسب سياسة الرئيس، مما كلفهما منصبيهما. إذا عدَّ حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها أن الاستخبارات الأميركية غير موثوقة فقد يختارون مشاركة معلومات أقل مع واشنطن من السهل التوقع كيف أن فصل مسؤولين استخباراتيين بسبب تقييمات قائمة على الأدلة يمكن أن يؤدي إلى دفع أولئك الذين ما زالوا في الخدمة إلى ممارسة الرقابة الذاتية والانخراط في التفكير الجماعي [عقلية القطيع]، وهما عنصران أساسيان في الفشل الاستخباراتي، وشائعان في الأنظمة الاستبدادية. قد لا يكون المحللون الشجعان على استعداد بعد الآن للمخاطرة وتقديم المعلومات التي يحتاج ترمب إلى معرفتها، حتى لو لم يرغب في سماعها. وإذا كان الرئيس لا يتلقى سوى التقييمات التي تهدف إلى إرضائه، فسيظل عالقاً في بيئة تردد صدى قناعاته من دون معارضة، غير قادر على اتخاذ قرارات مستنيرة تستند إلى واقع صعب. إن التسييس الصارخ للاستخبارات له عواقب تتجاوز أروقة البيت الأبيض. خلال أيام المظلمة لإدارة بوش حينما تصاعدت دعوات صاخبة تدفع باتجاه خوض الحرب في العراق، لم يفقد مجتمع الاستخبارات الأميركي صدقيته أمام الشعب الأميركي فحسب، بل أيضاً أمام الشركاء في الخارج. واليوم، تتكرر نفس عملية تآكل ثقة المواطنين وتراجع ثقة الحلفاء. إذا عدَّ حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها أن الاستخبارات الأميركية غير موثوقة، أو خافوا من تعرض استخباراتهم الخاصة للتسييس، فقد يختارون مشاركة معلومات أقل مع واشنطن، مما قد يحرم وكالات الاستخبارات الأميركية من دليل حيوي قد تكون في حاجة إليه لإفشال مؤامرة أو لفهم تطور مهم. فالتعاون مع الوكالات الأجنبية جزء أساس من عملية جمع المعلومات الاستخباراتية الأميركية. وصحيح أن واشنطن نفسها تمتلك قدرات هائلة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل ما يقدمه شركاؤها من عمليات جمع وتحليل للمعلومات. العقاب لمن ينقل الحقيقة في حين تزعم إدارة ترمب علناً أن إجراءاتها تهدف إلى نزع الطابع السياسي عن وكالات الاستخبارات الأميركية، فإنها في الواقع زادت من تسييسها من طريق الضغط على هذه الوكالات لإنتاج تقييمات تدعم الروايات السياسية المفضلة، ورفض التقييمات التي لا تتماشى مع هذه الروايات، وتطهير الموظفين الذين ينظر إليهم على أنهم غير موالين، ومضايقة القوة العاملة من خلال أساليب مثل اختبارات كشف الكذب العشوائية التي تجرى بذريعة التحقيق في التسريبات. وبات من الواضح لأعضاء الخدمة المدنية أن مناصبهم تخضع لأهواء الإدارة، فمثلما حدث مع قائدي مجلس الاستخبارات الوطني، يمكن أن يطردوا لمجرد قيامهم بعملهم. وكما هي الحال مع الموظفين العاملين في مكاتب التنوع والمساواة والشمول، يمكن طردهم لمجرد قيامهم بمهام لم تكن الإدارة ترغب فيها. أو مثلما حصل مع ستة موظفين في مجلس الأمن القومي استُغني عنهم بعد اجتماع ترمب مع الناشطة اليمينية المتطرفة لورا لومير، يمكن فصلهم بسبب مزاعم تتعلق بعدم الولاء. أو مثل مدير ونائب مدير وكالة الأمن القومي، قد يقالون من دون أي سبب معلن على الإطلاق. إن الفوضى الإدارية المتخفية تحت ستار تقليص الكلف استنزفت المعنويات. خلال مارس (آذار) الماضي زار إيلون ماسك، مستشار ترمب، برفقة عدد من موظفي ما يسمى “وزارة الكفاءة الحكومية”، مقري وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي، مما أثار القلق والرعب في قلوب المحترفين المخضرمين. وبعد ذلك بوقت قصير، أعلنت الوكالتان عن آلاف الخفوض في الوظائف، معظمها في صورة إلغاء عروض عمل وتسريح موظفين جدد وتقاعدات روتينية، واستقالات طوعية مقابل تعويضات مالية. إن هذه العروض والتعويضات أغرت عدداً من كبار ضباط الاستخبارات بترك الخدمة العامة، على رغم أن كثراً منهم صرحوا سراً بأن التعويضات لم تكن السبب بل ساعدتهم على تقبل قرار الاستقالة الصعب لا أكثر. في الواقع، إن مغادرتهم المبكرة تحرم الإدارة من خبراتهم وتجاربهم، في حين أن إلغاء عروض العمل يعني أنهم لن يُستبدل ضباط شباب واعدون مفعمون بالشغف والوطنية بهم. من الناحية المثالية، يجب أن ترحب وكالات الاستخبارات بالمواهب من جميع الخلفيات وتستفيد منها. فتقليص قاعدة الكفاءات المتاحة يحرم البلاد من فرصة استغلال كامل إمكانات مواطنيها، ويقوض مساهمات الاستخبارات في فن إدارة الدولة. ففي الاتحاد السوفياتي، لم يسمح إلا لأعضاء الحزب الشيوعي بالانضمام إلى جهاز الاستخبارات الرئيس، “كي جي بي”. وألحق هذا الالتزام الأيديولوجي الماركسي اللينيني الصارم ضرراً بالأداء التحليلي لجهاز “كي جي بي”، إذ كان الجهاز يقلل باستمرار من قوة التماسك الغربي ويبالغ في تقدير قوة الدول التابعة للاتحاد السوفياتي والحركات الثورية. وخلال الحرب العالمية الثانية، استفادت الاستخبارات البريطانية من عبقرية آلان تورينغ في فك الشفرات جزئياً، لأنه أخفى ميوله الجنسية المثلية. وللأسف، تدفع إدارة ترمب المواهب بعيداً من خلال التوضيح أنها لم تعد تقدر وجهات النظر المتنوعة في وكالات الاستخبارات الأميركية. فبدلاً من إعادة تعيين الضباط المفوضين موقتاً بالعمل على مبادرات التنوع والمساواة والشمول في وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية، فُصلوا من وظائفهم فور إيقاف تلك المبادرات، في رسالة واضحة مفادها أن الإدارة تتوقع الولاء الأيديولوجي. تعلي إدارة ترمب من شأن الولاء الشخصي على حساب الحقيقة إن مجتمع الاستخبارات الأميركي الذي يزداد عمله شبهاً بنظرائه في الدول الاستبدادية، سيواجه صعوبة في الحفاظ على موظفيه واستقطاب موظفين جدد. خلال الوقت الراهن، قد لا تبدو الخدمة العامة خياراً جذاباً لأفضل العقول وألمعها في أميركا. والأسوأ من ذلك أن القوى العاملة الحالية محبطة ومشتتة بسبب ما تشهده من حملات تطهير وإساءة استخدام للنظام. في الواقع، بدأ آلاف من ضباط الاستخبارات في الاستعانة بشبكاتهم ومعارفهم المهنية وتجهيز سيرهم الذاتية السرية تمهيداً للتقديم على وظائف في القطاع الخاص [هؤلاء الضباط يعملون في وظائف سرية أو حساسة، بالتالي يجب عليهم مراجعة سيرهم الذاتية مع الجهات الأمنية للتأكد من أنها لا تحوي معلومات سرية قبل إرسالها إلى مؤسسات خاصة]. ومن الطبيعي ألا تكون القوى العاملة القلقة والمشتتة الذهن قادرة على تقديم أفضل أداء لها. كما أن قرب إدارة ترمب من نظريات المؤامرة يضعف أيضاً علاقتها بالمجتمع الاستخباراتي. فلومير، التي أدى لقاؤها مع ترمب إلى فصل عدد من كبار موظفي وكالات الاستخبارات، معروفة بترويج نظريات مؤامرة، بما في ذلك الادعاء غير المثبت بأن هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) كانت “عملية مدبرة من الداخل”. على نحو مماثل، روج أعضاء آخرون في إدارة ترمب، مثل دان بونجينو، نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، علناً لنظريات مؤامرة تتهم “الدولة العميقة” بإخفاء الحقيقة عن الشعب الأميركي في كل موضوع، بدءاً من وفاة المتهم بقضايا جنائية جيفري إبستين في السجن، ووصولاً إلى اغتيال الرئيس جون كينيدي. ولم تكشف أية مؤامرات حقيقية، لكن تشويه سمعة وكالات الاستخبارات الأميركية، التي ينظر إليها على أنها جزء من “الدولة العميقة” له تأثير دائم على الشرعية المتصورة للعمل الذي تقوم به. في الحقيقة، إن شيطنة الاستخبارات تجعل الولايات المتحدة أقل أماناً في نهاية المطاف. فوكالات الاستخبارات تحتاج إلى دعم الرأي العام لكي تؤدي مهامها بفعالية. على سبيل المثال، تعتمد أجهزة إنفاذ القانون الفيدرالية على بلاغات المواطنين، لكن وصف مكتب التحقيقات الفيدرالي مراراً بأنه “فاسد بصورة غير قابلة للإصلاح”، على حد تعبير نائب مديره، قد يجعل الناس يترددون في التعاون حينما يتواصل معهم العملاء الخاصون. وإذا كانت وسائل الإعلام الموالية لترمب تطلق خطاباً شعبوياً حول التهديد الداخلي، وتحديداً حول التهديد الذي تشكله وكالات إنفاذ القانون والاستخبارات الفيدرالية على الحريات المدنية، فقد يجد السياسيون صعوبة في دعم التشريعات التي تتيح جمع المعلومات الاستخباراتية اللازمة. خلال أوائل العام الماضي، عندما حان الوقت لتجديد المادة 702 من قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية لعام 2008، وهي مادة رئيسة تتيح للحكومة الأميركية مراقبة المواطنين الأجانب خارج الولايات المتحدة، تعاون نفس الأشخاص الذين يقودون مكتب التحقيقات الفيدرالي الآن مع وسائل الإعلام اليمينية المتطرفة لتصوير هذا القانون بصورة مضللة على أنه يمنح سلطة أورويلية [سلطة شمولية على غرار ما صوره جورج أورويل] لدولة عميقة غير خاضعة للمساءلة. وعلى رغم إعادة تصديق المادة في نهاية المطاف لمدة عامين آخرين، فإن هذه الحادثة أظهرت هشاشة الأدوات الأكثر قيمة لدى وكالات الاستخبارات أمام الخطاب السياسي المبالغ فيه. صورة الفشل ترمب ليس من النوع الذي يهتم بطبيعته بالمعلومات الاستخباراتية. وبالنظر إلى ندرة الإحاطات التي يتلقاها في هذا المجال، إذ لم يتضمن جدوله العام أكثر من إحاطة واحدة أسبوعياً بينما كان أسلافه يتلقون بالعادة ست إحاطات، فهو يبدو غير مهتم بالفوائد التي يمكن أن توفرها المعلومات الاستخباراتية الجيدة. إنه يعتمد على الحدس، وغالباً ما يبرر سياساته بأنها “منطق سليم”، وهو نهج شعبوي مبني على تبسيط الأمور، يتجاهل التحليل العميق ولا يتماشى مع المنهجية التي يتبعها محللو الاستخبارات. يفضل ترمب الشعارات على الجوهر، ويبحث عن الرواية لا عن التفاصيل الدقيقة، وتغريه نظرية المؤامرة أكثر من الفضول. وهو يتجنب الخوض في التفاصيل. وتتناقض مواقفه الأيديولوجية بصورة صارخة مع الحقائق التجريبية، مثلما تبين في صراع إدارته مع الاقتصاديين حول آثار سياسة التعريفات الجمركية. يبدو أن ترمب لا يقدر الاستخبارات إلا عندما تؤكد حدسه، فهو لا يلجأ إليها لتحدي قناعاته أو لتوسيع رؤيته من خلال زوايا مختلفة. إن الطريقة التي تدير بها إدارة ترمب النظام الاستخباراتي الأميركي تزيد من احتمالية حدوث فشل استخباراتي. وقد يتخذ هذا الفشل صورة هجوم مفاجئ، أو سوء فهم لنيات الخصم، أو عدم القدرة على التنبؤ بحدث مهم آخر. وقد سبق لترمب أن تجاهل التحذيرات. فخلال ولايته الأولى، تأخر في الاستجابة للتحذيرات المتعلقة بانتشار فيروس كورونا، مما أعاق استجابة الولايات المتحدة للجائحة بصورة مبكرة، كما تجاهل الأخطار الأمنية الناجمة عن النزعة القومية العدوانية التي أشار إليها محللو الاستخبارات في مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي خلال الفترة التي سبقت اقتحام مبنى الكابيتول الأميركي في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. يبدو أن ترمب لا يقدر الاستخبارات إلا عندما تؤكد حدسه وقد يتكرر السيناريو ذاته اليوم. فالتحذيرات، إذا ما قوبلت بلا مبالاة وتحامل في كل مرة، قد تنقطع في النهاية. ومن الممكن أن تفشل الاستخبارات لأن المعلومات الحرجة قد لا تصل إلى ترمب أساساً. وخوف المسؤولين من الانتقام قد يدفعهم إلى ممارسة الرقابة الذاتية أو تجنب تقديم تقييمات قد تثير رد فعل بدوافع أيديولوجية، مثل التحذيرات في شأن التطرف العنيف المحلي بين الجماعات اليمينية المتطرفة أو في شأن العمليات الاستخباراتية الروسية. وكما كتب برايان أونيل، وهو من كبار المحللين السابقين في وكالة الاستخبارات المركزية، في مجلة “جاست سيكيوريتي” Just Security الشهر الماضي، فإن “الفشل الاستخباراتي المقبل لن يكون مفاجئاً، بل سيكون خياراً”. من يذكر أن الفشل الاستخباراتي في عهد ترمب قد لا يجبره على إصلاح المشكلات التي أدت إلى حدوثه فيه. وبدلاً من ذلك، قد يلقي اللوم على وكالات الاستخبارات الأميركية لتقصيرها في أداء وظيفتها، أو حتى يشير زوراً إلى أنها كانت دائماً تسعى للإيقاع به. وأي إصلاح قد تقدم عليه إدارته بعد وقوع فشل استخباراتي سيكون على الأرجح مصمماً لزيادة تسييس مجتمع الاستخبارات، وإضعاف استقلاليته، ومنح السلطة التنفيذية سيطرة أكبر على موازناته وموظفيه وصلاحياته. ولكن قد يتمكن فريق رياضي موهوب من تحقيق فوز متواضع، على رغم التدريب السيئ. وإذا تمكنت الولايات المتحدة من تجنب فشل استخباراتي كبير خلال الأعوام القليلة المقبلة، فسيعود الفضل في ذلك إلى الروح المهنية والاحترافية الراسخة في وكالاتها الاستخباراتية. لكن هذه الوكالات لن تبلغ أقصى إمكاناتها، فإذا أُسيء استخدامها وجرى تجاهلها وتسييسها بصورة مستمرة، فلن تتمكن هذه الأجهزة من توفير التفوق المعلوماتي الذي صمم مجتمع الاستخبارات لتقديمها لرئيس الولايات المتحدة. إن ترمب مفتون بالموارد الطبيعية التي تملكها الولايات المتحدة، من النفط والغاز الطبيعي إلى الغابات والزراعة. وفي الواقع، يعد مجتمع الاستخبارات الفريد من نوعه في البلاد مورداً ثميناً آخر، وركيزة من ركائز “العظمة” التي يسعى ترمب إلى تحقيقها. ويعتمد ضمان الأمن الأميركي اليوم وللأجيال القادمة على رعايته الصالحة لهذا الكنز الوطني. مترجم عن “فورين أفيرز”، الثاني من يوليو (تموز) 2025 المزيد عن: دونالد ترمبأجهزة الاستخبارات الأميركيةوكالة الاستخبارات المركزيةإدارة ترمبالسياسة الشعبويةاليمين الأميركيفورين أفيرز 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post ستيفن والت… من رأى نهاية أميركا بمنظار الواقع next post سالمة الموشي تكتب عن: من البونكر إلى الحسينية.. كيف تعيد إيران ترميم صورة القائد؟ You may also like داليا داسا كاي تكتب عن: وهم الشرق الأوسط... 8 مارس، 2026 دانيال بايمان يكتب عن: هل لا يزال “حزب... 8 مارس، 2026 ريتشارد فونتين يكتب عن: الحرب على طريقة ترمب 8 مارس، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب عن: نهاية إيران كقوة... 8 مارس، 2026 دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 مارس، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 مارس، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 مارس، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 مارس، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 مارس، 2026