لويجي كومنتشيني (1916 – 2007) (موقع السينما الإيطالية) ثقافة و فنون “بينوكيو” يولد مرة جديدة على شاشة الإيطالي كومنتشيني by admin 27 أغسطس، 2025 written by admin 27 أغسطس، 2025 84 كيف تحول الصبي/ الدمية وغرائبيته الفاقعة إلى معبر عن ثورة شبيبة سنوات الـ60 اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب في عالم السينما المقتبسة عن الأعمال الأدبية الكلاسيكية غالباً، التي يخصص بعضها عادة لجمهور الصغار، هناك دائماً الرواية الأصلية التي يلحق بها الاقتباس السينمائي الذي يفترض به دائماً أن يكون أميناً، ولكن هناك بصورة أكثر ندرة، الأفلام التي يحدث لها أن تتميز في استقلاليتها، لأسباب أو لأخرى، أو بصورة خاصة، لكون صاحب الفيلم، كاتبه ومخرجه، مبدع كبير يريد أن يستحوذ على العمل الأدبي الأصلي ليحوله إلى عمل خاص به، ليخدم أهدافاً تخصه وأفكاراً كان في الأصل يريد التعبير عنها، سواء كان ذلك من خلال العمل المقتبس أو من دونه فيأتي العمل المقتبس مجرد ذريعة. ومن هنا يمكننا دائماً أن نلقي، مثلاً، على فيلم “بينوكيو” للإيطالي لويجي كومنتشيني نظرة فحواها أن هذا الفيلم ينتمي إلى النوع الثاني رغم الشهرة الطاغية لرواية كولودي التي لا يمكن غض النظر عن أن الفيلم إنما اقتبس منها. وهو لم يكن على أية حال أول اقتباس عنها. لكنه كان اقتباساً من إنجاز لويجي كومنتشيني وهنا يكمن الفارق الأساس بكل تأكيد. إذ من هنا بات يمكننا أن نقول إن ثمة “بينوكيو” كولودي وهناك “بينوكيو” كومنتشيني. والعملان كبيران يحكيان الحكاية نفسها ولكن لغايتين قد تتطابقان لكنهما تفترقان افتراقاً بيناً ذات لحظة. كارلو كوليدي (1826 – 1890) (ويكيميديا) لمسات مخرج كبير ففي شكل عام، يعد المخرج لويجي كومنتشيني أحد أبرز مخرجي تيار الكوميديا الإيطالية الجديدة، إلى جانب دينو ريزي وايتوري سكولا وماريو مونيتشيلي. وهو استحق هذا الموقع، بل حتى أن يكون في مقدم أصحاب هذا التيار من خلال عدد لا بأس به من أفلامه التي حققها طوال ما يقارب نصف قرن، إذ إنه بدأ تحقيق أفلامه عام 1937 ولم يتوقف إلا عند بداية تسعينيات القرن الـ20 بعدما هزمه المرض ولم يعد قادراً على الإبداع الجسدي، وإن كان ظل حتى رحيله عام 2007، متأملاً ساخراً كما كان دائماً ومتنبهاً إلى كل ما هو جديد في الفن السابع. غير أن كومنتشيني، على رغم تزعمه غير المعلن لتيار الكوميديا الجديدة، عرف كيف يجعل من بعض أفلامه أفلاماً درامية غارقة في أبعاد عاطفية مؤثرة لا تتمتع بها الأفلام الكوميدية عموماً. ومن أبرز هذه الأفلام فيلم “قلوب” الذي حققه عام 1983، فكان واحداً من آخر أفلامه. غير أن فيلمه الأبرز على هذا الصعيد يبقى فيلم “غير المفهوم” (وهي ترجمة عربية غير واضحة، بل مبهمة بعنوان فيلمه Incompresso)، الذي يتحدث عن طفل لم يفهمه أحد. والحقيقة أن الأطفال الذين يظلمهم أهلهم ومجتمعاتهم، جراء عدم الرغبة في فهمهم، يملأون عادة أفلام لويجي كومنتشيني. غير أن الفتى المقصود في فيلم “اللامفهوم” يظل أبرزهم وأكثرهم إثارة للمشاعر، والسخط على تلك المبادئ والأعراف الاجتماعية التي تجعل الهوة بين الصغار والكبار (والمجتمع بالتالي) هوة واسعة، خصوصاً أن كومنتشيني يوصل الدراما – الفجائعية – في فيلمه هذا إلى حدود قصوى، بحيث لا يبقى مجال لمساومة أو تبرير. مشهد من فيلم “بينوكيو” لكومنتشيني (موقع الفيلم) استخدام اجتماعي إن الإدانة هنا واضحة والمذنب محدد. أما الوسيلة للوصول إلى إدراك وقوع “الجريمة” فهي انسداد التفاهم، أو بالأحرى صم الأهل أو بعضهم آذانهم من دون الاستماع إلى صراخ النجدة الذي يطلقه الصغار، حين يجدون أن كل دروب العطف والحنان مسدودة في وجوههم. وهذا الموضوع لئن كان يصل في “غير المفهوم” إلى ذروة تعبيره، فإن تعامل كومنتشيني الأشهر معه يبقى من دون شك من خلال اقتباس هذا المخرج الأشهر في عام 1972 وفي ذروة مساره الفني لرواية “بينوكيو” الاقتباس الذي عد مميزاً بالنظر إلى أن الفيلم لم ينظر إليه فقط كفيلم للصغار، بل للكبار وربما للكبار بصورة خاصة إنما ليس كدرس في السينما كما افترض بعض النقاد ولكن كـ… درس في الحياة. أي من المنظور نفسه الذي انطلاقاً منه كتب كارلو كولليدي روايته الشهيرة في عام 1878 التي عدت حينها واحداً من أفضل التطبيقات للكتابة للصغار. وهنا قبل أن نتابع الحديث عن الفيلم قد يكون من الملائم التذكير برواية كولليدي نفسها وهي التي تروي لنا حكاية النجار جوبيتو الذي يحدث له ذات ليلة خلال الربع الأخير من القرن الـ19 وتحديداً وسط عزلته في محترفه في إيطاليا حيث اعتاد أن يصنع دمى خشبية للصغار، يحدث له أن تساعده جنية على صنع دمية تنفخ فيها حياة تحولها إلى طفل حقيقي صغير، بيد أن الجنية تحذر الفتى إذ راح يتلاعب بما صار عليه، بأنها ستعيده على الفور إلى حالته كدمية إن لم يسلك سلوكاً عاقلاً. قائلة له ولصانعه النجار إنها ستعاقبه وتكافئه تبعاً لما يقوم به من أفعال. نجاح مدهش ونعرف طبعاً بقية الحكاية ومعانيها التي، ومنذ نشر الرواية مسلسلة في عام 1878 في صحيفة “مجلة الصغار” في فلورنسا ثم في كتاب مستقل راح يطبع ويطبع بل ويقلد إلى درجة أن رواية الإنجليزي باري “بيتر بان” تبدو مجرد محاكاة حدثية وفكرية لها حتى لا سيما من منظور الاستقلالية التي تتخذها الشخصية، شخصية الدمية/ الطفل والدعوة المبطنة في العمل ككل لتوفير استقلالية للأطفال كي ينشأوا نشأة سليمة تهيئهم لفعل مهم في مجتمعاتهم. والحقيقة أن تواتر مقروئية “بينوكيو” واقتباساتها الأوبرالية ثم السينمائية وغير ذلك من عشرات الطبعات المصورة والمختصرة والمدرسية وغير المدرسية، كل ذلك راح تدريجاً يغيب الرسالة الفكرية للعمل. وهو التغييب الذي من الواضح أن لويجي كومنتشيني رأى في عام 1972، أي في ذروة زمن الانتفاضات الشبابية وصراعات الأجيال المتجددة وخصوصاً في إيطاليا، قد وجد أن الوقت قد حان للعودة إليه من خلال ما يتيحه نص تلك الرواية من استعادة لأفكار باتت تبدو غائبة من واجهة المشهد. ومن هنا فرادة اقتباسه الذي شاركته فيه الكاتبة التي عرفت بالبعد الاجتماعي الحاد لاقتباساتها السينمائية، سوزو تشيكي داميكو، للرواية اقتباساً بدا ابن ساعته ومرتبطاً بما بات الزمن يحتاج إليه من تحرير للطفل من أسر الحكايات التبسيطية. وهكذا ولد هذا الفيلم الذي لفت نظر النقاد إلى جهود كومنتشيني المنصبة فيلماً بعد فيلم على معالجة القضايا الاجتماعية، لا سيما منها القضايا المتعلقة بالطفولة وبسيكولوجيا الأطفال فعدوا أنه هنا “يندفع بالنقد السيكولوجي – الاجتماعي إلى حدوده القصوى، لكن من دون أن يلغي ما هو أساس أصلاً في الرواية، وبالتحديد البعد الغرائبي فيها، بمعنى أنه تمكن من أن “يزاوج بين منطقه كمتهم، بكسر الهاء، بين الواقعية الجديدة التي تلوح من خلال اشتغاله الفكري على الفيلم، والباروكية الفللينية، نسبة إلى سينما فلليني طبعاً، مع حرصه في كل لحظة على اللجوء إلى بساطة لغة الرسوم المائية متمازجة مع تهريجية الكوميديا ديل آرتي” كما قال ناقد مجلة “لاكروا” الفرنسية الدينية اليمينية، بينا قال ناقد يساري في مجلة “الأدب الجديد”، إن “نظرة كومنتشيتي ليست نظرة فنان ينحني نحو فكرة ما، بل نظرة مبدع متورط مليئة بالتفهم والتعاطف تضع صاحبها بصورة متواصلة على مستوى الكائن الذي يصوره. هو الذي كبديل للهم التربوي والوعظي الذي يحمله العمل الأصلي، يملأ الشاشة بنوع من تربية معاكسة تمجد الجمال الحتمي لثورة الطفولة ودمج الغرائبي في صلب القمع الأخلاقي الذي اعتاد الكبار ممارسته”. إرث منطقي كبير بالنسبة إلى لويجي كومنتشيني (1916- 2007) فإنه، بعد بدايات كانت بالنسبة إليه منذ فيلمه القصير الأول في عام 1946 “أطفال في المدينة”، فترة مرارة عسيرة، تابع طريقه السينمائية التي كان بدأها وهو في الـ30 من عمره، بأفلام كانت ترفيهية مسلية على رغم رنتها الاجتماعية أول الأمر، مثل “السرقة ممنوعة” (1948) حتى كان نجاحه الجماهيري الكبير في “خبز وحب وفانتازيا” (1953) الذي جعله بين ليلة وضحاها أحد أكثر المخرجين شعبية في إيطاليا، ثم تتابعت أفلامه، متنوعة جيدة الصنعة حتى عام 1992، حين عرض له آخر أفلامه “مارتشيلينو”، الذي على رغم نجاحه، جعله يحس بالتعب فتوقف عن الإخراج تاركاً ابنتيه كريستينا وفرانشيسكا ترثانه في مهنته، وربما في مكانته أيضاً، بالنسبة إلى كريستينا في الأقل، التي صارت من صاحبات أفلام المهرجانات. المزيد عن: الاقتباس السينمائيشخصية بينوكيوالمخرج الإيطالي لويجي كومنتشينيتيار الكوميديا الإيطاليةدينو ريزيايتوري سكولا 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post (5 نصائح) تساعدك على التذكر إذا كنت تعاني النسيان next post آني إرنو: جهل الأدب العربي في الغرب يحرمه من “نوبل” You may also like “البحث عن الإمبراطور” رواية استشرفت سقوط الاتحاد السوفياتي 9 مارس، 2026 الحرب على سرير التحليل النفسي والثقافي 9 مارس، 2026 “ثلاثمئة حكاية” لفرانكو ساكيتي: وقائع إيطالية في زمن... 9 مارس، 2026 زيارة رمضانية إلى دوستويفسكي عن الجوع الاختياري 9 مارس، 2026 ندى حطيط تكتب عن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن... 9 مارس، 2026 “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026