الجمعة, مارس 6, 2026
الجمعة, مارس 6, 2026
Home » بين”مونرو” و”دونرو”… أميركا من العزلة إلى الهيمنة

بين”مونرو” و”دونرو”… أميركا من العزلة إلى الهيمنة

by admin

كيف تشكلت السياسات الخارجية الأميركية عبر 250 عاماً؟ وما هو الدور الذي لعبه رؤساء أميركيون بعينهم في تشكيل مستقبل الإمبراطورية؟

اندبندنت عربية

على مشارف 250 عاماً من نشوء وارتقاء الولايات المتحدة الأميركية، يتساءل الأميركيون والعالم من خلفهم: كيف تبلورت هذه الرؤية الامبراطورية للهيمنة على العالم، وليس قيادته فحسب، الأمر الذي يتخذ مع سياسات الرئيس الحالي دونالد ترمب شكلاً صارخاً؟

لا يبدو الجواب في واقع الأمر سهلاً أو يسيراً، ولا يمكن الإحاطة به في قراءة واحدة قائمة بذاتها، لا سيما أنه ينطلق من عند فكرة العزلة والحياد، إلى رؤية الرسالة الكونية المتوجهة لبسط النفوذ على قارات الأرض الست، براً وبحراً وجواً، عطفاً على ما يجري في الفضاء الكوني خارج كوكب الأرض، وهذه قصة أخرى.

تبدو السياسات الخارجية الأميركية متناقضة بصورة غير مسبوقة، حال المقاربة بين الأعوام الـ50 الأولى من عمر الولايات المتحدة، مع الأعوام الـ50 الأخيرة.

“الحكيم” بنجامين فرانكلين فضل دولة بلا تحالفات (غيتي)

خلال الأعوام الـ50 الأولى من عمر الدولة، استرشد الدبلوماسيون الأميركيون بفكرة ضرورة التزام الولايات المتحدة بالعزلة السياسية عن القوى الأوروبية في أوقات السلم، والحفاظ على حيادها التام في أوقات الحرب. وقبل ذلك بسنوات لخص أحد أهم الآباء المؤسسين، وحكيمها الأشهر بنجامين فرانكلين، هذه الفكرة بقوله “ينبغي للدولة البكر أن تحافظ على طبيعتها البكر، وألا تسعى إلى التحالفات، بل أن تنظر بكرامة واحترام إلى مبادرات الآخرين”.

هنا يمكن القطع بأن أول عقيدة أو مبدأ في السياسات الأميركية الأولى، يعود لأول رئيس للبلاد الجنرال جورج واشنطن، وتبدو كلمات خطابه الوداعي عام 1796 دليلاً على فكرة أميركا الانعزالية، إذ قال “إن القاعدة الأساسية لسلوكنا تجاه الدول الأجنبية هي أن نبقى معها أقل قدر ممكن من العلاقات السياسية”. وأضاف “إن لأوروبا مصالحها الخاصة، وهذه المصالح تختلف اختلافاً كبيراً عن مصالح الولايات المتحدة، ولحسن الحظ فإن حالة  العلاقات الدولية تميل إلى منح الأمة حرية التصرف”.

توماس جيفرسون رأى أن العزلة والحياد هما المسار الأمثل للولايات المتحدة (غيتي)

طرح جورج واشنطن في وقت مبكر جداً تساؤلات مصيرية: لماذا نتخلى عن مزايا هذا الوضع الفريد؟ لماذا نقحم مصيرنا في صراعات الطموح الأوروبي والتنافس والمصالح والنزوات أو الأهواء؟

وخلص إلى القول “إن سياساتنا الحقيقية هي تجنب التحالفات الدائمة مع أي جزء من العالم الأجنبي، بقدر ما تسمح لنا الظروف حالياً”.

لم تكن فكرة العزلة مقتصرة على جورج واشنطن فحسب، ذلك أنه على رغم اختلاف الآراء السياسية لتوماس جيفرسون (الرئيس الثالث للبلاد وأكثرهم حكمة وحنكة) عن آراء سلفه، فقد اتفق جيفرسون على أن العزلة والحياد هما المسار الأمثل للولايات المتحدة، وفي خطابه الافتتاحي الأول عام 1801، تحدث عن “السلام والتجارة والصداقة مع جميع الأمم، من دون الدخول في تحالفات ملزمة مع أي منها”.

على أن قيام أميركا الواثقة من نفسها، القوية الفتية، قد فرض عليها تحولات جذرية في سياساتها، من العزلة إلى الاندماج، ومن ثم إلى الشراكة الكونية خلال الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى إعلان قطبيتها العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، ومن ثم منافستها مع الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، وجميعها كان لا بد لها من رؤى وطروحات شكلت ملامح ومعالم السياسة الأميركية حتى الساعة.

تساؤلات مبكرة لجورج واشنطن هن مدى الحضور الخارجي لبلاده (غيتي)

“مبدأ مونرو” بداية الخروج من العزلة

يمكن اعتبار رسالة الرئيس الخامس للبلاد جيمس مونرو إلى الكونغرس في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1823، بداية رسم معالم للسياسات الأميركية خارج نطاقها الجغرافي، متطلعة إلى نوع من السيادة الأوسع في نصف الكرة الغربي.

من هنا ولد أول مبدأ أو عقيدة سياسية أميركية، تعلن صراحة أنه لن يجري التسامح مع أي توغل أوروبي آخر في القارة الغربية.

نص “مبدأ مونرو”، الذي أعلنه رئيس البلاد بشخصه، على ثلاثة قواعد رئيسة:

لن تخضع القارتان الأميركيتان للاستعمار المستقبلي من أية قوة أوروبية، وستعتبر الولايات المتحدة أية محاولة من جانب “القوى المتحالفة لتوسيع نظامها إلى أي جزء من هذا النصف من الكرة الأرضية بمثابة خطر على سلامتها وأمنها.

أعلن مونرو أن الولايات المتحدة لم تتدخل ولن تتدخل في المستعمرات أو التوابع القائمة لأية قوة أوروبية، وفي الوقت نفسه تطلب استقلال الولايات الأميركية الجديدة الأخرى.

لم تكن مخاوف مونرو التي دعته إلى إعلان مبدأه هذا بلا أساس،  ذلك أنه على أحد جانبي الحدود الأميركية، كانت كندا لا تزال مستعمرة بريطانية، وعلى الحدود الجنوبية، كانت المكسيك تابعة للتاج الإسباني حتى قبل عامين. وفي الشمال الغربي تقع ما يعرف الآن بآلاسكا التي كانت تابعة لروسيا.

بحلول عام 1823، كانت بعض دول أميركا اللاتينية نالت استقلالها عن إسبانيا أو البرتغال، بينما كانت دول أخرى لا تزال تناضل من أجل تحقيقه. وإذا حاولت الملكيات الأوروبية استعادة تلك المستعمرات وقمع الحركات الجمهورية، فإن ذلك سيترك الولايات المتحدة معزولة وربما تواجه غزواً، وفقاً لرأي وزير الخارجية الأميركي آنذاك جون كوينسي آدامز، الذي خلف مونرو في منصب الرئيس.

على أن السؤال المهم: هل نجح “مبدأ مونرو” في تثبيت نفوذ الولايات المتحدة الأميركية في أميركا الجنوبية على المدى الطويل؟

يمكن القطع بأنه نجح، في الحؤول دون سقوط أي من دول القارة في دائرة الاستعمار الأوروبي، خلال القرن الـ19، أو السوفياتي خلال القرن الـ20.

لكنه فشل جزئياً وبصورة متكررة في تحقيق الهيمنة المستقرة أو القبول السياسي والأخلاقي لهذا النفوذ.

لكن المثير أنه من رحم “مبدأ مونرو”، سيولد تطور آخر، ربما استلهمه الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، ماذا عن ذلك؟

وسّع الرئيس ثيودور روزفلت مبدأ مونرو بإضافة نصت على أن للولايات المتحدة الحق في في التدخل في دول أميركا اللاتينية (غيتي)

“ملحق روزفلت” والتطور الطبيعي لمونرو

بحلول أوائل القرن الـ20، أصبحت الولايات المتحدة الأميركية  قوة سياسية عالمية. في عام 1904، وسع الرئيس ثيودور روزفلت مبدأ مونرو بإضافة عرفت باسم “ملحق روزفلت”.

نص هذا الملحق على أن للولايات المتحدة الحق في في التدخل في دول أميركا اللاتينية لمنع ما وصفه بـ”سوء السلوك المزمن”، و”عدم الاستقرار”.

منذ ذلك الحين، نظر إلى الولايات المتحدة من “أشقائها الجنوبيين”، كقوة شرطية، بينما اعتبرت واشنطن أميركا اللاتينية “فناءها الخلفي”.

اهتم روزفلت بنوع خاص بالأزمات أو الصعوبات المالية أو غيرها في دول أميركا اللاتينية الضعيفة، واعتبر أنه ينبغي على الولايات المتحدة محاولة تسوية الوضع خشية تدخل الحكومات الأوروبية، واحتلالها للأراضي.

أكد روزفلت عام 1904، أن من واجب الولايات المتحدة أن تلعب دور الشرطي في نصف الكرة الغربي، وقد عبر عن ذلك بقوله: “إن ارتكاب المخالفات المزمنة، أو العجز الذي يؤدي إلى ارتخاء عام في روابط المجتمع المتحضر، قد يتطلب في أميركا، كما هو الحال في أي مكان آخر، تدخل دولة متحضرة في نهاية المطاف، وفي نصف الكرة الغربي، قد يجبر التزام الولايات المتحدة بمبدأ مونرو، مهما كانت مترددة، في الحالات الصارخة لمثل هذه المخالفات أو العجز، على ممارسة سلطة الشرطة الدولية”.

ترك روزفلت الباب واسعاً أمام الحضور الأميركي في القارة الجنوبية، ذلك أنه على رغم نفيه رغبة بلاده في التوسع على  حساب أراضي دول نصف الكرة الغربي الأخرى، إلا أنه ترك استثناء لما أطلق عليه “ما يصب في مصلحتها”، وهي مراوغة لفظية، مضيفاً “إن كل ما تتمناه هذه الدولة هو أن ترى الدول المجاورة مستقرة، ومنظمة، ومزدهرة. أية دولة يتصرف شعبها  بحسن سلوك يمكنه أن يعتمد على صداقتنا الصادقة، إذا أظهرت  دولة ما أنها تحسن التصرف بكفاءة ونزاهة في الشؤون الاجتماعية  والسياسية، وإذا حافظت على النظام وأوفت بالتزاماتها، فلا داعي لأن تخشى من أي تدخل من الولايات المتحدة”.

وعلى رغم النجاح الذي ظهر للعيان في تطبيقه، إلا أنه كسابقه “مبدأ مونرو”، خلف عداء قائماً وقادماً في حنايا صدور اللاتينيين وثنايا أضلعهم، لا يزال حاضراً حتى الساعة، وفتح الباب واسعاً لنمو عدم الثقة في دور واشنطن هناك، الأمر الذي لا يزال يقيد رؤية سادة البيت الأبيض جنوباً.

على أنه وبعد نحو 15 عاماً، سيقدر لرئيس أميركي آخر، أن يبسط رؤية أوسع وأشمل، يمكن من عندها التأريخ لأميركا القطب المتقدم بخطى حثيثة، على رغم أن بريطانيا العظمى كانت في أوج قوتها وحضورها حتى تلك الساعة.

قدم ودرو ويلسون عقيدة للسياسة الخارجية مكونة من 14 نقطة (غيتي)

 ودرو ويلسون والمبادئ الـ14

في الثامن من يناير (كانون الثاني) من عام 1918، قدم الرئيس الأميركي الـ28 ودرو ويلسون، للكونغرس، 14 نقطة تشكل عقيدة للسلم وإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى.

كان من المقرر أن تستخدم تلك النقاط في مفاوضات السلام من أجل إنهاء الحرب العالمية الأولى. تم تحديد المبادئ في خطاب ألقاه الرئيس ويلسون حول أهداف الحرب وشروط السلام، لكن زملاءه الحلفاء الرئيسين لا سيما جورج كليمنصو الفرنسي،  ودافيد لويد جورج البريطاني، وفيتوريو اولاندو الإيطالي، شككوا في قابلية تطبيق المثالية الويلسونية.

طُور الخطاب المعروف باسم المبادئ الـ14، انطلاقاً من مجموعة من المبادئ الدبلوماسية التي وضعها ويلسون، التي جاءت كنتيجة لنهاية الحرب العالمية الأولى وما تم استخلاصه منها.

في خطابه أمام الكونغرس، تناول ويلسون مباشرة ما اعتبره  أسباباً للحرب العالمية من خلال الدعوة إلى إلغاء المعاهدات السرية، والحد من التسلح، وتعديل المطالبات الاستعمارية لصالح كل من الشعوب الأصلية والمستعمرين، وحرية البحار.

قدم ويلسون أيضاً مقترحات من شأنها أن تضمن السلام العالمي في المستقبل. على سبيل المثال، اقترح إزالة الحواجز الاقتصادية بين الدول، وطرح وعد تقرير المصير للأقليات القومية، وإقامة  منظمة عالمية تضمن “الاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية للدول الكبيرة والصغيرة على حد سواء”، ومن هنا نشأت فكرة عصبة الأمم.

كان مصير مبادئ ويلسون مركباً ومتبايناً، بين القبول الجزئي، والتشويه في التطبيق، ثم التراجع العملي، على رغم بقائها مرجعية أخلاقية وفكرية، في النظام الدولي لاحقاً.

بعد مرور عقدين من طرح ويلسون أفكاره، سيتغير حال ومآل العالم، بعد الدخول في معترك الحرب العالمية الثانية، لتبدأ حقبة جديدة ومغايرة من العقائد السياسية الأميركية، التي سيغلفها طابع العسكرة والصدام، إذ سيغيب السلام ويتوارى في أفق غيوم الأخطار، من عند النازية والفاشية تارة، وخلف الستار الحديدي الشيوعي تارة أخرى، الأمر الذي لن يترك للمثالية حيزاً أو فضاء استراتيجياً، بل على العكس من ذلك ستتراجع رؤاه لصالح “عصا ثيودور روزفلت الغليظة من جديد”.

أقر الرئيس هاري إس. ترومان أن الولايات المتحدة ستقدم مساعدات سياسية وعسكرية  واقتصادية لجميع الدول الديمقراطية المهددة من قوى استبدادية  خارجية أو داخلية (غيتي)

مبدأ ترومان ومواجهة انفلاش الشيوعية

أرست الحرب العالمية الثانية ونهايتها، ملامح عالم جديد، صعد فيه الاتحاد السوفياتي إلى مدارك القطبية الأممية، وبدا أن العقائد والمبادئ السياسية سالفة الذكر قد توارت.

في فجر عالم جديد ظهر مبدأ ترومان، إذ أقر الرئيس هاري إس. ترومان أن الولايات المتحدة ستقدم مساعدات سياسية وعسكرية  واقتصادية لجميع الدول الديمقراطية المهددة من قوى استبدادية  خارجية أو داخلية. وقد أعاد مبدأ ترومان توجيه السياسة الخارجية  الأميركية بصورة فعالة من موقفها المعتاد المتمثل في الانسحاب من النزعات الإقليمية التي لا تشارك فيها واشنطن بصورة مباشرة، إلى موقف التدخل المحتمل في النزاعات البعيدة.

وفقا لوزير الخارجية كوينسي آدامز فإنه وإذا حاولت الملكيات الأوروبية استعادة مستعمراتها  فإن ذلك سيترك الولايات المتحدة معزولة وربما تواجه غزوا (غيتي)

نشأت عقيدة ترومان من خطاب ألقاه الرئيس أمام جلسة مشتركة  للكونغرس في الـ12 من مارس (آذار) 1947. وكان السبب المباشر للخطاب هو إعلان الحكومة البريطانية أنها، اعتباراً من الـ31 من مارس (آذار)، لن تقدم مساعدات عسكرية واقتصادية للحكومة اليونانية ضد الشيوعيين. كما طلب من الكونغرس تقديم المساعدة لتركيا، نظراً إلى أن تلك الدولة كانت تعتمد سابقاً على المساعدات البريطانية.

في ذلك الوقت، اعتقدت الحكومة الأميركية أن الاتحاد السوفياتي يدعم المجهود الحربي الشيوعي اليوناني، وخشيت من أنه في حال انتصار الشيوعيين في الحرب الأهلية اليونانية، سيؤثر السوفيات في نهاية المطاف على السياسة اليونانية.

والشاهد أنه في ضوء تدهور العلاقات مع الاتحاد السوفياتي، وظهور تدخل موسكو في الشؤون اليونانية والتركية، شكل سحب المساعدات البريطانية لليونان حافزاً ضرورياً لإدارة ترومان لإعاة  توجيه السياسة الخارجية الأميركية، وبناء على ذلك طلب الرئيس ترومان في خطابه من الكونغرس تقديم مساعدات بقيمة 400 مليون دولار لكل من الحكومتين اليونانية والتركية، ودعم إرسال  أفراد ومعدات مدنية وعسكرية أميركية إلى المنطقة.

جادل ترومان بأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الوقوف مكتوفة الأيدي والسماح بالتوسع القسري للنظام الشمولي السوفياتي في الدول الحرة والمستقلة، لأن الأمن القومي الأميركي بات يعتمد على أكثر من مجرد الأمن المادي للأراضي الأميركية.

على العكس، وفي قطيعة حادة مع نهجها التقليدي المتمثل في تجنب الالتزامات الخارجية الواسعة النطاق خارج نصف الكرة الغربي في أوقات السلم، ألزمت عقيدة ترومان الولايات المتحدة بتقديم المساعدات الفعالة للحفاظ على السلامة السياسية للدول الديمقراطية  عندما يعتبر هذا العرض في مصلحة الولايات المتحدة.

أيزنهاور ومبدأ “ملء الفراغ” السياسي

تبدو عقيدة أو مبدأ أيزنهاور، المتممة والمكملة لرؤية ترومان، وتعود لعام 1957، وغالب الظن أن معركة السويس، ونهاية عصر الإمبراطوريات القديمة في الشرق الأوسط، لا سيما البريطانية والفرنسية، قد ولدت حاجة إلى سد الفراغات، في ظل الخوف من أن يقوم الاتحاد السوفياتي بملئها.

لا تتجاوز سياسية “ملء الفراغ” في واقع الحال، رؤية استعمارية مقنعة، تبنتها الولايات المتحدة، ووظفتها بهدف بسط السيطرة على  المناطق التي زال منها الاستعمار الأوروبي في أفريقيا وآسيا  والشرق الأوسط، بهدف حماية المصالح الاقتصادية للدول الرأسمالية أمام الزحف الشيوعي الذي يطالب بالمساواة.

قامت هذه السياسة على أضلع عدة:

** التدخل الاقتصادي: تقديم مساعدات اقتصادية للدول العربية وغيرها من دول آسيا وأفريقيا.

** التدخل العسكري: السماح للرئيس الأميركي باستخدام القوات المسلحة لمساعدة الدول التي طلبت ذلك لحماية نفسها من العدوان.

** التعاون لمواجهة الشيوعية: دعم الدول في مواجهة التهديدات الشيوعية.

** ضمان أمن إسرائيل: أي تعزيز الدولة العبرية كجزء من الاستقرار الإقليمي.

غير أن مبدأ أيزنهاور في نهاية المشهد أدى إلى صراعات داخلية  واضطرابات، إذ لم تنجح الولايات المتحدة في خلق أنظمة سياسية مستقرة ومستقلة.

عطفاً على ذلك، لم يستسلم الاتحاد السوفياتي، بل نجح في خلق ثغرات واسعة، بسبب سياسات العنت الأميركي، مما أدى إلى خروج دول بأكملها من دائرة النفوذ الأميركي، وخير مثال على  ذلك ما حدث في مصر، حين تراجعت الولايات المتحدة عن تمويل مشروع السد العالي، مما فتح الباب واسعاً أمام الاتحاد السوفياتي ليكون هو البديل الحاضر، الأمر الذي استغرق نحو 25 سنة لتعود مصر مرة أخرى لدائرة النفوذ الأميركي بعد اتفاق كامب ديفيد.

ماذا عن أشهر السياسات الاستراتيجية الأميركية التي ملأت فترى الستينيات بقوة وحضور بالغين؟

ارتبط مصطلح “سياسة حافة الهاوية” بجون فوستر دالاس وزير الخارجية الأميركي (غيتي)​​​​​​​

أميركا واستراتيجية “حافة الهاوية”

يبدو جوهر هذه العقيدة استراتيجية “حافة الهاوية” الأميركية واضحاً من اسمها في حد ذاته، وهي ممارسة تهدف إلى تحقيق نتيجة إيجابية من خلال دفع الأحداث الخطرة إلى وضع يقترب من الصدام الفعلي.

كان الهدف المنشود منها هو دفع الطرف المناوئ إلى حافة الخطر الفعلي، كي يتراجع ويقدم تنازلات، بدلاً من المخاطرة بالدخول في صراع لن يعود بالنفع على أي من الطرفين.

ارتبط مصطلح “سياسة حافة الهاوية” بصورة رئيسة بجون فوستر دالاس، وزير الخارجية الأميركي من عام 1953 إلى عام 1956  خلال إدارة إيزنهاور. وقد سعى  دالاس إلى ردع أي عدوان من جانب الاتحاد السوفياتي من خلال التحذير من أن الثمن قد يكون رد فعل انتقامي واسع النطاق ضد أهداف سوفياتية.

كانت سياسة حافة الهاوية تكتيكاً فعالاً خلال الحرب الباردة، لأنه لم يكن بإمكان أي من طرفي النزاع التفكير في الدمار المتبادل المؤكد في حرب نووية. هدد الردع النووي كلا الجانبين بحدوث دمار هائل للطرف الآخر، وفي نهاية المطاف أدت سياسة حافة الهاوية  إلى تفاقم العلاقة بين السوفيات والأميركيين.

كانت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، مثالاً بارزاً على سياسة  حافة الهاوية خلال الحرب الباردة. دام النزاع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في كوبا، قرابة 13 يوماً.

كانت كلتا القوتين مدججة بأسلحة نووية، دفع الأمور نحو حافة التصادم. لم تكن أزمة الصواريخ الكوبية أقرب ما وصل إليه  الأميركيون والسوفيات من نقطة صراع مسلح فحسب، بل كانت أيضاً أقرب ما وصل إليه العالم من مسافة تجاه حرب عالمية  نووية شاملة.

بدت سياسة حافة الهاوية نوعاً من أنواع الفن السياسي الاستراتيجي إن جاز التعبير، فن التصعيد من غير الدخول في عمق الحرب التي لا تصد ولا ترد، ولعله من حسن طالع موسكو وواشنطن، أن الأمر لم يصل إلى حد اختبار الإرادات الحقيقية للدخول في عالم الشتاء النووي، وفي كل الأحوال نجحت هذه السياسة في تجنيب العالم حالة الدمار المتبادل.

غير أن هذا النجاح لم يمنع من التفكير في جاهزية خوض الحروب ومن هنا نشأت الاستراتيجية أو العقيدة التالية.

استراتيجية “الحرب ونصف” الأميركية

ظهرت استراتيجية “الحرب ونص” السياسية ـ القتالية الأميركية في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، وتدور حول قدرات التخطيط الدفاعي الأميركي وتهدف إلى بناء قوات قادرة على تحقيق النصر في حرب رئيسة واحدة، مثل صراع إقليمي واسع النطاق، مع ردع أو احتواء صراع ثان أصغر حجماً، يمكن أن يصل إلى نصف الصراع الأول، في مكان آخر حول العالم.

بدا هذا المفهوم كنوع من التحول عن معيار الحربين الرئيستين خلال الحرب الباردة، مع التركيز على المرونة وتجنب الإرهاق. تطورت هذه الاستراتيجية مع مواجهة الولايات المتحدة لتهديدات جديدة، فانتقلت من نهج مسرحي حرب رئيسين إلى نهج “حرب ونصف” الأكثر مرونة، مدركة الحاجة إلى إدارة احتمالات متعددة من دون أن تكون مصممة لخوض صراعين ضخمين متزامنين، وهو مفهوم طعن فيه وعدل لاحقاً من إدارات مختلفة.

الجوانب الرئيسة لهذه الاستراتيجية تمثلت في التركيز على  الصراع الرئيس، أي إعطاء الأولوية للقدرة على تحقيق نصر حاسم في حرب واحدة مهمة ضد خصم رئيس.

ثم ردع النصف، بمعنى الصراعات الثانوية الأصغر أو الحروب المتفرقة التي تحتاج الولايات المتحدة إلى حتوائها أو ردعها، أثناء انخراطها في الصراع الأساس.

على أن هذه الاستراتيجية في واقع الأمر، لم يقدر لها أن تختبر في ساحات الحرب اختباراً حقيقياً، بمعنى أنه منذ الحرب العالمية الثانية، وشراكة واشنطن في تخليص أوروبا من النازية، لم تخض الولايات المتحدة حروباً رئيسة، ولكن عرفت أكثر من عملية  عسكرية، تعد تدخلاً أجنبياً خارجياً مسلحاً، مما يجعل منها أقل حتى من فكرة النصف حرب التي نصت عليها الاستراتيجية سالفة الذكر.

ماذا عن أهم المبادئ والعقائد الأميركية السياسية لا سيما تلك التي تماست مع الشرق الأوسط والمنطقة العربية عموماً؟

عقيدة كارتر وحماية المصالح الأميركية 

تنسب هذه العقيدة إلى الرئيس الأميركي جيمي كارتر، لكن في واقع الأمر يعد العقل المفكر وراءها، هو مستشار الأمن القومي الأميركي الأشهر زبيغينو بريجنسكي، الذي كتب ذات مرة يقول: “دعونا نوضح موقفنا بصورة قاطعة: إن أية محاولة من جانب أية جهة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي ستعتبر بمثابة اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأميركية، وسيتم صد هذا الاعتداء بكل الوسائل اللازمة، بما في ذلك القوة العسكرية”.

تم إعلان هذه العقيدة العسكرية بصورة صريحة في الـ23 من يناير (كانون الثاني) عام 1980 خلال خطاب حالة الاتحاد من جانب الرئيس كارتر، وإن كان بعض المفكرين الغربيين مثل الأميركي دانيال برجين، قد أشار في كتابه “الجائزة: السعي الملحمي للنفط والمال والسلطة”، إلى أن مبدأ كارتر “يحمل أوجه تشابه لافتة”، مع إعلان بريطاني صدر في عام 1903، حذر فيه وزير الخارجية البريطاني اللورد “لانسداون” روسيا وألمانيا من “أن البريطانيين سيعتبرون إنشاء قاعدة بحرية أو ميناء محصن في الخليج العربي من أية قوة أخرى تهديداً خطراً للغاية للمصالح البريطانية، وستقاومه بكل الوسائل المتاحة”.

كان الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979، سبباً رئيس وراء إعلان كارتر، لا سيما بعد اقتراب السوفيات من المياه الدافئة.

في الخطاب المشار إليه تحدث كارتر بالقول “إننا نواجه تحدياً  أوسع وأكثر جوهرية في هذه المنطقة بسبب العمل العسكري الأخير للاتحاد السوفياتي”، وأكد أن “الاتحاد السوفياتي اتخذ خطوة  جديدة جذرية وعدوانية، إنه يستخدم قوته العسكرية الهائلة ضد دولة شبه عاجزة عن الدفاع عن نفسها”.

غير أن هذه السياسة لم توضع بدورها موضع الاختبار العملي في مواجهة الاتحاد السوفياتي، وإن جرى تفعليها ضد إيران الخمينية في أبريل (نيسان) 1988 حين تعرضت الفرقاطة الأميركية صموئيل روبرتسون لبعض الألغام البحرية في مياه الخليج العربي.

ومع سقوط الاتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينيات بدا وكأن استراتيجية كارتر لم تعد موضع تنفيذ عملي مع غياب التهديد الرئيس.

ومع صعود الرئيس الأميركي رونالد ريغان إلى سدة الحكم، ستعرف أميركا حقبة ريغانية ومبدأ سياسياً مختلفاً، سيقود في النهاية إلى هزيمة السوفيات بصورة ساحقة، ومع مجيء الرئيس بيل كلينتون ستعرف الولايات المتحدة الأميركية حقبة هدوء نسبي لا سيما في ظل الاضمحلال السوفياتي.

لكن الهدوء لن يسود طويلاً، فمع بداية الألفية الثالثة ورئاسة  جورج بوش الابن، ستدخل أميركا منطلقات سياسية في مقدمها مفاهيم الحروب الاستباقية ومنطلقات الفوضى الخلاقة لوزيرة الخارجية كونداليزا رايس، التي ستشهد حروباً أميركية غير مسبوقة في منطقة الشرقين الآسيوي والأوسط.

لاحقاً ستكون رئاسة أوباما مجالاً مثيراً لتجارب ومبادئ سياسة  التعاطي مع البدائل السياسية غير مأمونة العواقب.

وبالوصول إلى إدارة الرئيس دونالد ترمب الثانية، سيحتل عنواناً عريضاً يسمى نهج أو عقيدة، وربما مبدأ “دونرو” عناوين الأخبار والقراءات السياسية، عبر عتبة فنزويلا.

يبدو “عالم دونرو” وكأنه في رحم التشكل والتجهز لعالم أميركي جديد، يمتد من ريغان وحتى الساعة.

المزيد عن: الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترمب السياسة الخارجية الأميركية جيمس مونرو ثيودور روزفلت ودرو ويلسون هاري إس. ترومان دوايت أيزنهاور جون فوستر دالاس ريتشارد نيكسون هنري كيسنجر أزمة الصواريخ الكوبية الحرب الباردة رونالد ريغان

 

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00