الخميس, أبريل 3, 2025
الخميس, أبريل 3, 2025
Home » بوح “فرويدي” لكافكا في رسالة لم تصل إلى والده

بوح “فرويدي” لكافكا في رسالة لم تصل إلى والده

by admin

 

قمة نادرة في تاريخ الأدب والسيرة الذاتية من صاحب “المحاكمة” و”المسخ” وتشكل الجزء الأهم من حكايته

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

“…ولكن هكذا كانت تربيتك كلها. وأظن أنك تملك موهبة في التربية. ولا شك أنه كان في ميسورك أن تفيد إنساناً من نوعك في تربيتك له، كان من شأنه أن يدرك رجاحة ما تقوله له، ولا يهتم بشيء آخر، وينفذ بكل هدوء ما يُطلب منه. ولكن بالنسبة لي كطفل، فقد كان كل ما تصرخ به وصية تنزل من السماء، وأنا لم أنس هذه الوصية يوماً، بل ظلت أهم وسيلة لي في حكمي على العالم. وقبل كل شيء في حكمي عليك. وهنا كنت فاشلاً كل الفشل، وإذ كنت في طفولتي ألتقي معك أكثر ما ألتقي على مائدة الطعام، فإن دروسك كانت دائماً دروساً في آداب المائدة. ما كان يوضع على المائدة كان يجب أن يؤكل. وما كان يجب الحديث عن جودة الطعام، لكنك أنت كنت غالباً ما تجد الطعام غير صالح للأكل، وتسميه “العلف” وتقول إن “البهيمة” (الطباخة) أفسدته. ولأنك – تبعاً لجوعك الشديد وولعك الخاص – كنت تأكل كل شيء ساخناً وبسرعة وبلقمات كبيرة، كان على الطفل أن يسرع ويتلقى التحذيرات من دون انقطاع: “كل أولاً ثم تكلم”، أو “بسرعة بسرعة بسرعة” أو “أنظر لقد أتيت على طعامي منذ فترة طويلة”. العظام لا يمكن لأحد أن يقرقشها أما أنت فنعم. الخل لا يجوز لأحد أن يرتشفه أما أنت فنعم….”. للوهلة الأولى قد تبدو هذه السطور منتزعة من مسرحية ليوجين يونيسكو لكنها ليست كذلك وإن كان لن يفوت هذا الأخير أن يخبر قراءه أنه كثيراً ما راجع ذلك النص الذي انتزعت منه، قبل كتابته أية مسرحية من مسرحياته. والحقيقة أن ثمة فارقاً كبيراً بين الحالتين هنا. فيونيسكو كان يكتب اعتماداً على خياله مطعماً بسطور واقعية كتلك، لكن كاتب تلك السطور إنما كان يقصد – ونظرياً على الأقل، كما سنرى -، من كتابتها أن تكون محاكمة للرجل الذي كان أقرب إليه في حياته: أبيه. لكن الرسالة لم تصل إلى الأب وعلى الأقل خلال السنوات الخمس التالية لكتابتها في عام 1919 وهي السنوات الفاصلة بين كتابة فرانز كافكا لها ورحيله عن عالمنا في عام 1924. فهو طواها و”صرف النظر” عن إيصالها إلى المرسل إليه بعدما سمح فقط لأخته الصغرى أوتلا بقراءتها.

الرواية الأكثر قسوة

بشكل عام، ومنذ كشف ماكس برود، صديق كافكا الأقرب عن الرسالة لاحقاً وبعد موت صديقه كاتب براغ المدهش، باتت تلك الرسالة تعتبر من أهم نصوص صاحب “المحاكمة” و”المسخ“، ناهيك بكونها المرجع الأساس للحديث عن سيرة ذلك الكاتب الذي افتتح حداثة القرن العشرين. ففي نهاية الأمر لا بد أن نقول إن “رسالة إلى الوالد” الذي انتزعنا الفقرات السابقة التي افتتحنا بها هذا الكلام من أفضل ترجمة لها وجدناها في اللغة العربية، وربما في الفرنسية والإنجليزية، وهي تحديداً الترجمة التي قام بها السوري المقيم في ألمانيا، إبراهيم وطفي ضمن إطار مشروعه العظيم والذي استغرقه معظم سنوات حياته، لنقل كل كافكا إلى العربية ليس فقط مترجماً مباشرة عن الألمانية بل كذلك مشروحاً ومعلقاً عليه ما ضاعف غير مرة حجم تلك الأعمال التي مكنته ظروفه من إنجاز ترجمتها وتقديمها. “رسالة إلى الوالد” لا بد من النظر إليها بكونها واحداً من أعظم نصوص كافكا، بل النص الذي يصعب فهم أدب هذا الكاتب وليس فقط، مجرى حياته، من دونه. إذ يقيناً هنا أن كل التفسيرات التي تطاول أعمال كافكا من “المسخ” إلى “مستوطنة العقاب” ومن “سور الصين” إلى “القصر” (أو “القلعة”) أو “المحاكمة”، يمكنها أن تتبدل وأحياناً جذرياً، على ضوء قراءة “رسالة إلى الوالد” – وليس بأية ترجمة أخرى غير ترجمة إبراهيم وطفي بالنسبة إلى الذين لا يتقنون غير العربية…-. وفي نهاية المطاف، من المؤكد أن كافكا حين جلس ذات بعد ظهر ليكتب تلك الرسالة لم يكن صبياً يريد أن يثأر من أبيه عبر محاكمته ولا أن يشهّر به ولا أن يحزنه… ولم يكن يسعى كذلك لتبرير أي مرحلة من حياته ومن حياة أبيه، ولا أن يضيع وقته

فرانتز كافكا الشاب (1883 – 1924) (متحف كافكا)

 

 

فرويدية مبهمة

كان بالأحرى يكتب نصاً لن يهتم بأن يقرأه أحد ولا حتى أباه نفسه. وهو لئن كان قد سمح لأوتلا بقراءته فإن ذلك لم يكن إلا بحكم العادة لأنها كانت دائماً قارئته الأولى المتواطئة معه. كان يسعى، ومن دون أن يدرك ذلك، إلى أن يمارس ما كان فرويد يطالب به المحللين النفسيين من أن يجروا تحليلاً لذواتهم قبل إقدامهم على تحليل الآخرين. ونعرف طبعاً أن التحليل بالنسبة إلى فرويد سواء كان تحليلاً للآخر أو للذات، يقوم على الحكي وما “رسالة إلى الوالد” سوى حكي ولنقل بالأحرى هنا: سوى حكي يحمل تحليلاً للذات يبدو هنا مزدوجاً طالما أننا نعرف أن كافكا يقوم هنا بتحليل سلوك – بل نفسية – أبيه من خلال تحليل نظرته الخاصة إليه كما أنه في الوقت نفسه – ويبدو لنا الأمر هنا أكثر أهمية بكثير – يقوم بتحليل ذاته ومحاكمتها من خلال أبيه. والحقيقة أننا هنا لكي نقطع المسافة الفاصلة بين التفسير والتبرير نحتاج خطوة واحدة يمكننا بسهولة أن نقطعها إن نحن عرفنا حقاً كم أن كافكا قد شعر براحة غريبة بعدما أنجز كتابة تلك الرسالة التي ربما كان يعرف منذ البداية أنها لن يوصلها إلى أبيه أبداً وبالتحديد لأنه كان يعرف منذ البداية أنه لن يكتبها ليقرأها ذلك الأب بل كتبها لمجرد أن يكتبها. ولنتذكر هنا أن كافكا كان حين دبجها في السادسة والثلاثين من عمره وقد بلغ ذروة مجد أدبي، لم يكن قائماً على كون أدبه منشوراً ومعروفاً ومترجماً، بل فقط على كونه أدباً قد كتب وبات حاضراً بقوته على الورق، ولسوف نعرف دائماً أن ذلك الحضور كان هو وحده ما يهم الكاتب الذي لن يتوانى عندما اقتربت نهايته عن أن يطلب من صديقه ماكس برود إحراق كل أوراقه والاستنكاف عن نشر أو إعادة نشر أي نص له. بالنسبة إلى كافكا كانت الكتابة هي أقصى ما يسعى إليه. وهذا ينطبق بالتأكيد على “رسالة إلى الوالد”.

الطفولة وعذاباتها

فهلا يمكننا هنا أن نرى أن كافكا حين كتب هذه الرسالة التي استغرقت نحو سبعين صفحة مستعرضاً فيها، وهو يوجه حديثه إلى أبيه، جميع عذابات طفولته “التي لم يكن بالإمكان تخطيها وما زالت تثير – لديه – مشاعر الانقباض لا بل يُلمس منها تزايد تلك العذابات، وذلك من خلال السعي البائس وغير المجدي للفرار من التورط النفسي مع الوالد من خلال محاولات الزواج، تلك المحاولات التي تتكرر ويحكم عليها بالفشل سلفاً مثلما هي الحال في عصاب نفسي قسري، بالنظر إلى أن غايته لم تكن أكثر من الإفلات من الوالد وضغوطه” بحسب تفسير الناقد الألماني إيمرتش وأيضاً في ترجمة لإبراهيم وطفي. ولعل اللافت هنا قول كافكا لأبيه في صفحة من صفحات الرسالة: “لقد كانت كتابتي كلها تدور من حولك، والحق أنني كنت أشكو فيها ما كنت لا أستطيع أن أشكوه وأنا واضع رأسي على صدرك”. لقد كانت كتابة كافكا كلها إذاً على ضوء العبارات السابقة أشبه بـ”وداع منك أطلته عمداً…”. لكن، أولسنا هنا أيضاً أمام إمكانية إضافية تسمح بقراءة “رسالة إلى الوالد” بوصفها رسالة كتبها فرانتز كافكا لنفسه عن نفسه؟ هو سؤال لا بأس أن نختم به كلامنا هنا عن هذا النص الذي حسناً فعل ماكس برود، حين امتنع عن حرقه لينشره في نهاية الأمر بين كتابات كافكا الذاتية، ضمن سياق تلك الصفحات الكافكاوية الرائعة التي تشكل “تحضيرات عرس”، حتى وإن كنا نعرف أنه فعله لغايات تجارية لا لغايات أدبية بالأحرى… فترك لنا أثراً نادراً يمكننا من الافتراض بأن ثمة لدى كافكا جانباً فرويدياً لا يزال في حاجة لأن يُكتشف ما سيكون من شأنه تمكين قارئ أعماله من قراءتها بشكل مختلف… ومختلف بشكل جذري بالأحرى هنا أيضاً.

المزيد عن: فرانز كافكايوجين يونيسكوسيغموند فرويدرسالة إلى الوالد

 

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili