من تقديم معاصر لمسرحية _بستان الكرز_ (موقع العرض) ثقافة و فنون “بستان الكرز” لتشيخوف والغوص في هموم الطبقات المندثرة by admin 2 نوفمبر، 2025 written by admin 2 نوفمبر، 2025 83 كيف كتب المؤلف مسرحيته معتقداً أنها هزلية وأخرجها ستانيسلافسكي بصورة درامية؟ اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب كان الكاتب الروسي أنطون تشيخوف يرتبط بصداقة كبيرة مع مؤسس الحداثة المسرحية الروسية عند نهايات القرن الـ19 قسطنطين ستانيسلافسكي. وما من شائبة كانت تعتور صداقتهما، بل حتى يسري ذلك على تفاهمهما شبه المطلق على الشؤون الفنية من خلال عملهما معاً ضمن إطار “مسرح الفن” في موسكو، حيث كان ذلك التفاهم بينهما مؤكداً. ومع ذلك حدث ذات مرة أن غضب الكاتب من صديقه المخرج غضباً شديداً أقسم من بعده أنه لن يعود إلى التعامل معه بعد ذلك أبداً. وفي مقدورنا على أية حال أن نستنتج هنا أن الغضب لم يكن شخصياً، وأن ندرك أن تشيخوف قد حنث بيمينه، حتى وإن كان ستانيسلافسكي لم يتراجع، ولو إلى حين، عن السبب الذي ذر الخلاف بينهما من جرائه. فالسبب أتى متعلقاً بتوجه المخرج في تعامله مع واحدة من أبرز مسرحيات صديقه الكاتب، “بستان الكرز”، إذ إن ستانيسلافسكي الذي تسلم مقدرات المسرحية ونفذها في غياب تام لتشيخوف، فاجأ هذا الأخير حين شاهدها، مع الجمهور في عرضها الأول، أنه إنما يشاهد عملاً درامياً، مع أنه كان في الأصل يتقصد من العمل أن يكون هزلياً، معتمداً خلال غيابه على إدراك المخرج للفارق بين الدراما والكوميديا، بالنسبة إلى هذه المسرحية كما بالنسبة إلى كل الأعمال المسرحية الأخيرة التي كتبها تشيخوف وكان إخراجها من إبداع صديقه ستانيسلافسكي. والمعروف أن تشيخوف على رغم عناده الأسطوري، “مررها” لصديقه هذه المرة، إذ تمسك هذا الأخير بالبعد الدرامي في العمل، وكانت النتيجة أن حاكاه في ذلك كثر من مخرجين قدموا “بستان الكرز” من بعده سائرين على خطاه الدرامية حتى قيض لهذه الأخيرة. وبعد زمن طويل أعيد إليها هزليتها وراحت تقدم حيناً ككوميديا وحيناً كدراما، حسب أمزجة مقدميها والمناسبات الاجتماعية العامة التي تقدم ضمن إطارها. والحقيقة أن قراءة متأنية لهذه المسرحية، بصرف النظر عن تقديمها الفعلي على الخشبة، تسمح بالاحتمالين، كما حال عديد من مسرحيات تشيخوف الكبرى التي تسمح بالفرضيتين معاً. خصوصية فرنسية ولعل في إمكاننا أن نشير هنا إلى أن الفرنسيين كانوا ومنذ البداية الأكثر تعلقاً بالبعد الدرامي للمسرحية حتى قيض لها قبل ما يقارب ربع القرن تقديم بدا حاسماً للأمور من ناحية أنه أصر على تبيان طابعها الكوميدي، ولكن من منطلق أخلاقي اجتماعي بدا بالنسبة إلى الفرنسيين مرتبطاً بما سيجري من أحداث ثورية واجتماعية كبرى في روسيا خلال المراحل التالية لظهور “بستان الكرز”، مما يتيح، ولو قسراً، اعتبار تشيخوف من الكتاب الروس المتنورين الذين مهدوا لثورتي 1905 و1917 الروسيتين، حتى من دون أن يكون هو نفسه قد تنبأ بأي منهما. ونحن حتى من دون أن نرى لدى تشيخوف أية نزعات سياسية مباشرة، لا في تفكيره ولا في كتاباته، يمكننا النظر إلى البعد الاجتماعي في إنتاجه الابداعي بوصفه توجهاً اجتماعياً تغييرياً. أنطون تشيخوف خلال عامي (1860- 1904) (الموسوعة البريطانية) ولئن كان من الصعب التوصل إلى هذا الاستنتاج بمجرد الاطلاع على مسرحه أو قصصه القصيرة، يمكننا أن نتلمسه في الأقل، في كتابه المتأخر حول رحلته إلى جزيرة ساخالين، الذي لا يمكن حين التمعن فيه إلا التفكير بالكتابات التي سبقه دوستويفسكي إلى تدوينها حين كان منفياً في سيبيريا في مستهل شبابه، ولا سيما في تحفته “ذكريات من منزل الأموات”. ففي ذلك الحين أيضاً وصف صاحب “فقراء ومهانون” و”الجريمة والعقاب” مناخات ما قبل التغيرات الكبرى من دون أن يزعم أنه يتحدث عن أية ثورة. مستويات رمزية متعددة وبالنسبة إلى مسرحية تشيخوف التي نتحدث عنها هنا “بستان الكرز” ليس هناك ريب في أن ثمة مستويات رمزية عديدة تؤشر إلى ما سيحدث ليس فيها فقط على أية حال في المسرحية والمسرح التشيخوفي بصورة خاصة، بل في الواقع الاجتماعي الروسي برمته، لكن تشيخوف عالجها على مستوى كوميدي سيرى أن ستانيسلافسكي قد تجاهله لتبدو المسرحية بين يدي هذا الأخير، عملاً درامياً، بل حتى يدنو من الفجائعية في مناخها العام. فعمَّ تتحدث هذه المسرحية؟ بكل اختصار عن بستان حقيقي للكرز تملكه الوارثة الروسية المنتمية إلى طبقة موسرة لكنها غابت عنه طويلاً بعدما ورثته عن أهلها وعاشت سنوات في الغربة. وها هي المالكة السيدة ليوبوف أندرييفنا تعود عند بداية المسرحية مفلسة من باريس لتتفقد أول ما تتفقد ذلك البستان الذي يغرقها تأملها له في ذكريات عزيزة لديها تعود إلى طفولتها المبكرة وشبابها. إن ذلك البستان عزيز عليها لارتباط كل ما هو حلو في حياتها به. ومع ذلك ها هي الحقيقة القاسية تجابهها ولا ترى منه مفراً: ليس أمامها لكي تبتعد من غائلة الفقر وألم الحاجة ولكي تعيش مع قدر ما من الطمأنينة، سوى بيع هذا البستان، لكنها تصر على رفض هذا الحل لمشكلتها مع أنه الحل الوحيد المتاح لها. وهكذا تنطلق أيامها في صراع داخلي عنيف بين عنادها بالتمسك بما شكل سعادة عيشها وهناءها حتى اليوم، وبين الواقع الذي يفرض عليها أن تفعل ما لا يمكنها فعله بأي صورة من الصور. ومن هنا يبقى في الذاكرة ذلك الوداع المؤثر الذي تلفظه ليوبوف في الفصل الرابع والأخير من المسرحية، “وداعاً أيها البيت العتيق العزيز، وداعاً أيتها الجدة العجوز. سيمر الشتاء. وسيأتي الربيع تالياً له، أما أنت فلن تكون هنا أبداً”. أدوار أولى للجميع مهما يكن من أمر، لا شك أن الكاتب والمخرج انتهى بهما الأمر إلى نوع من تصالح من حول “بستان الكرز” بالنظر إلى أن “مسرح الفن” سيواصل تقديمها بعد ذلك، وسيحذو كُثر من مقدميها الآخرين في عقود تالية، وبصورة خاصة على منحها البعد الذي اقترحه لها المخرج وهم يتغنون دائماً بمزايا عديدة فيها، ذات سمات تشيخوفية تجديدية أخرى، لعل من أهمها كونها الأبرز بين أعمال هذا الكاتب التي حرصت على ألا تجعل للعمل بطولة بخاصة أن كانت البطلة هنا هي ليوبوف أندرييفنا نفسها. فهذه الأخيرة كما تقدم في المسرحية قد تكون وبستانها محور الأحداث، لكنهما ليسا الكل في الكل، إذ إن الأحداث، والحضور على الخشبة بالتالي، متقاسمان بالعدل والقسطاس بين مختلف الشخصيات من دون اللجوء إلى أية تراتبية خاصة. فالنساء والرجال، والسادة والخدم، وأهل المدينة العابرون وأهل الريف الراسخون، والكبار والصغار، كلهم يتحركون ويتحدثون وينفعلون على الخشبة أمامنا سواء بسواء، حتى وإن كان من الواضح أن هناك من بينهم من يرمز إلى أفراد في المجتمع معينين، بينما هناك من يعبر عن طبقات أو يكون مرآة للحظات اجتماعية معينة. بالنسبة إلى واقعية تشيخوف ليس ثمة أفراد يعيشون وحدهم، بل المجموعة كما في الحياة، تعيش سواسية في بؤرة اجتماعية يتشكل منها ذلك التاريخ الصغير الذي تصبح البطولة الدرامية فيه، ولو تحت غطاء الهزل الذي توخَّاه الكاتب أسلوباً وقلل المخرج من شأنه، لحظة تاريخية هي هنا لحظة إدراك طبقة اجتماعية معينة أن نهايتها باتت ماثلة في صلب الحدث التاريخي. وبالنسبة إلى تشيخوف، بما أن التاريخ لا يمكن أن يصنعه أفراد مهما كان شأنهم، فإن مسرحه، وبالتحديد هنا على غرار ما يحدث في “بستان الكرز”، لا يمكنه أن يكون سوى مسرح كورالي، لكل فرد من الأفراد المتحركين أمام ناظرينا فيه، دوره وحواراته. كل شخص له الحق في التعبير، سواء كان سيداً أو خادماً أو أي شيء آخر. وهو ما حدده المخرج المسرحي الفرنسي الذي أعاد تقديم هذه المسرحية في الكوميدي فرانسيز عام 2009 مصراً على الجانب الهزلي الذي بات منذ ذلك الحين أقرب إلى أن يكون بديهياً خالصاً، مما دفع إلى إعادة النظر في مسرح تشيخوف بأسره هذه المرة ليعتبر وعنوة متناقضاً مع ما أراده ستانيسلافسكي، إذ وسمه بالدراما الأكثر جدية، مستعيناً، وفي مجال آخر يتعلق بالجانب الكورالي من رغبات تشيخوف، بما وصف به المخرج الألماني بيتر شتاين مسرح هذا الأخير بأنه “كورال ديمقراطي”. المزيد عن: فرنساروسياأنطون تشيخوفقسطنطين ستانيسلافسكيمسرحدراما 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post من خيمة القذافي إلى قصر إبستين… لعنة الفضيحة تطارد الزعماء والملوك next post مهرجان “بيروت كتب” يعيد السجال حول عودة المعرض You may also like “البحث عن الإمبراطور” رواية استشرفت سقوط الاتحاد السوفياتي 9 مارس، 2026 الحرب على سرير التحليل النفسي والثقافي 9 مارس، 2026 “ثلاثمئة حكاية” لفرانكو ساكيتي: وقائع إيطالية في زمن... 9 مارس، 2026 زيارة رمضانية إلى دوستويفسكي عن الجوع الاختياري 9 مارس، 2026 ندى حطيط تكتب عن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن... 9 مارس، 2026 “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026