بورتريه لباولا ماسينو ثقافة و فنون باولا ماسينو التي فجرت جدران الذكورية بصاعق الأدب by admin 10 ديسمبر، 2025 written by admin 10 ديسمبر، 2025 53 “ربة المنزل” رواية نسوية مبكرة بلغة الحلم والجنون المجلة / أنطوان جوكي ثمة كتاب يدخلون تاريخ الأدب بكتاب واحد يخلد أسماءهم. وثمة كتاب يحققون الإنجاز نفسه، لكنهم يبقون طويلا في دائرة الظل لأسباب لا تتعلق بقيمة كتابهم الأكيدة، بل بشكله ومضمونه الراديكاليين. من هؤلاء الكاتبة الإيطالية باولا ماسينو (1908 – 1989) التي تركت خلفها أعمالا قليلة: قصائد، قصص قصيرة، نص مسرحي مشترك مع رفيق دربها ماسيمو مونتيمبيلي، وروايتان: “ضواحي” (1933) التي كتبتها بأسلوب واقعي سحري، وأثارت حفيظة الرقباء الفاشيين في وطنها لانتقادها نظامهم، و”ولادة وموت ربة المنزل” (1945) التي صاغتها بلغة شعرية طلائعية، لكن شكلها ومضمونها الثوريين اللذين أدخلا ماسينو تاريخ الأدب، هما نفسهما اللذان أغلقا أبواب الشهرة أمامها، فوجب انتظار عام 2009 كي تنقل هذه الرواية إلى الإنكليزية، وعام 2018 كي تترجم إلى الفرنسية. عن “موت وولادة ربة المنزل”، لن نجد على الإنترنت ولو سطرا واحدا باللغة العربية. لذلك، نغتنم مناسبة مرور ثمانين عاما على صدورها، للتوقف عند هذه الرائعة الأدبية التي ينطبق عليها قول كافكا التالي: “على الكتاب أن يكون فأسا تكسر البحر المتجمد داخلنا”. غلاف رواية _ولادة وموت ربة المنزل_ رواية متفجرة في مقدمته لترجمتها الفرنسية، يذهب الشاعر والروائي الفرنسي كريستوف كلارو إلى أبعد من قول صاحب “التحول”، لوصفها، فيكتب: “بعض الكتب تتقاسم مع النيتروغليسرين عددا من الفضائل: غير مستقرة وخطرة، لا تتردد في إدماج عناصر تبدو متحجرة في ظاهرها، وفي استعارة شكل مألوف لتوقظ فينا، من حيث لا ندري، غريزة الصاعق. وحين توضع بين أيدينا، تغتنم الاهتزازات الحتمية الملازمة للقراءة كي تمارس أبسط حقوقها: الانفجار في وجوهنا”. سواء أكانت فأسا حادة أم إصبع ديناميت، فإن هذه الرواية تصدع من دون شك سبات قارئها، لكن بتقدمها غالبا متنكرة. لماذا؟ لأن ماسينو كتبتها في نهاية الثلاثينات، في إيطاليا الفاشية، حين الرقابة كانت “أشد نفاذا من النقد الأدبي”. لكن على الرغم من مظهرها الخادع الذي يوحي بحكاية خرافية، ومن صدورها أولا على شكل حلقات في مجلة “تيمبو”، لم تفلت من عين الرقابة المتحفزة، التي أجبرت صاحبتها على تنقيحها ومحو كل أثر إيطالي فيها، قبل أن تحسم أمرها بتفجير المطبعة التي كانت مكلفة طبعها في كتاب عام 1941. أكانت فأسا حادة أم إصبع ديناميت، فإن هذه الرواية تصدع من دون شك سبات قارئها، لكن بتقدمها غالبا متنكرة لفهم هذا القرار الراديكالي العنيف، علينا أن ندرك أن هذه الرواية تقع على النقيض من دعوة الفاشيين إلى “عودة النساء إلى المنازل”، بتقديمها دفاعا محكما عن حق المرأة في التحرر من الدور المنزلي المفروض عليها، وفضحها بفعالية نادرة الاستلاب الملازم لهذا الدور. كيف؟ من خلال شخصيتها الرئيسة التي تخرج عن المألوف: فتاة أدركت منذ سن الطفولة ما ستكون عليه حياتها كامرأة في مجتمع لا يعترف بها ككائن بشري مكتمل، ويرفضها سلفا، فآثرت الانسحاب من العالم الخارجي للتأمل في معنى الوجود من داخل “صندوق مملوء بأغطية ممزقة، وقطع خبز يابس، وكتب”، مما أغرق والديها في اليأس. مع مرور السنوات، تتحول هذه الطفلة، التي لا ترى نور الشمس ولا تغتسل، إلى كائن قبيح ومنفر. وحين تقبل أخيرا، في سن المراهقة، الخروج من عزلتها الغريبة والطوعية لتتزوج من عم عجوز وأبله، لكن شديد الثراء، وتصبح ما ينتظره الآخرون منها، تنغمس في هذا الدور وتصير ربة منزل مثالية إلى حد الهوس. الروائية باولا ماسينو هكذا تنكب على تلميع أدق زوايا منزلها الجديد، حتى تغدو أقل ذرة غبار في نظرها تهديدا وجوديا لها. لكن هذه الفتاة التي لطالما حلمت بحقائق جسدية وانعتاق روحي من العالم، سرعان ما تدرك أن “البيت، كبيرا كان أم صغيرا، ليس سوى حجر رحى تربط إليه النساء يوم زفافهن”، فيخيب أملها بحياتها الجديدة وترى فيها “قميص نسوس” يخنق حواسها وأفضل ما فيها: “أيها الحلم الغدار! عصيتني، أليس كذلك؟ كان عليك أن تريني أنه حتى في رتق جوارب يمكن اكتشاف كون بكامله، لا أنني تركت الكون لأرقع جوارب”. لا عجب إذن في طرحها الأسئلة التالية على نفسها: “لماذا أصر على عيش هذه الحياة؟ لماذا لا أهبهم كل ما أملك وأعود إلى صندوقي كي أكون نفسي من جديد؟ (…) أين حدائق الماضي الطاهرة، المسورة بالزعرور، والمزينة بأحواض بسيطة من زهر القرنفل؟ متى تعلمت أن أنسى التنزه في الدروب المفروشة باللبلاب، حيث تشكل أغصان الأشجار العالية قبة تخفي السماء؟”. عواطف أنثوية حميمة من خلال سردها قصة هذه الفتاة، تقارب ماسينو ببصيرة نادرة وضع المرأة في زمنها، متجنبة العموميات المبتذلة للغوص في النسيج المقلق للعواطف الأنثوية الحميمة، فتنفخ فيها الحياة وتشعلها بنثرها الناري، ولا تكتفي بفضح استعباد المرأة في معبد الحياة المنزلية، بل “تحرف مسار السرد عن غايته الظاهرة والمتوقعة (الحكاية الرمزية)، لتقودنا إلى داخل الجغرافيا المؤلمة والساحرة لجنون يعبث بكل الحيل الروائية”، كما أصابت ناقدة فرنسية في وصف إنجازها. تتمكن ماسينو ببراعة في موازنة ضيق الدور المفروض على بطلتها بحرية مذهلة، ورؤى حلمية سوريالية وتأملات تلمع شعرا وفلسفة، وسخرية حميمة يواجه الجسد فيها رغباته فعلا، في هذا البورتريه التعبيري لربة منزل تسير على حافة الجنون، ولا شيء قادر على إخماد ثورتها، بما في ذلك الموت، تتمكن ماسينو ببراعة في موازنة ضيق الدور المفروض على بطلتها بحرية مذهلة، ورؤى حلمية سوريالية وتأملات تلمع شعرا وفلسفة، وسخرية حميمة يواجه الجسد فيها رغباته، ومشاهد مسرحية تتخذ من الحيوان الاجتماعي مادة لها، وبحوارات هلسية تعري تفاهة العلاقة الزوجية وعقمها من الداخل. كل هذه العناصر قد تربك قارئ الرواية في البداية، إلى أن يقبل طوعا التيه في متاهة ذهن بطلتها، وذهن ماسينو خلفها، تماما كما تستدعي روايات إيتالو كالفينو من قارئها، ولكن أيضا روايات الروسي ميخائيل بولغاكوف الذي تتقاسم الكاتبة معه ليس فقط ذلك الفيض في الخيال، بل أيضا انسياقها خلف سرديتها إلى حد تمنح فيه الانطباع بأنها تترك لمخيلتها مهمة حبكها. من جهته، يرى الشاعر كلارو أن هذه الرواية التي “تتألق في مواضع كثيرة بميلها إلى المجاز، وتنتفخ وتنكمش بفعل تشنجات شحنة انقلابية، وتنم عن نبرة نسوية لا شك فيها، هي قبل أي شيء نشيد استقلال راديكالي، ومرثية امرأة لا يكف جسدها الملتهب عن اختبار عبثية قانون عالم أوكل إلى المصالح الذكورية. أثيرية ومادية حد الدوار، لا تتردد صاحبتها داخلها في تصديع القالب السردي عند كل فرصة، فتجرفنا داخل انمحاء بطيء وعنيف، كأن قدر الحياة الزوجية المنزلية، حين يبلغ ذروته، لا يمكنه إلا أن يفضي إلى الهاوية”: “أدركت أنه الفراغ اللانهائي، الأبدي. وفي ذهلة هذا الإدراك، مدت ذراعيها بحثا عن سند، فرمتها من بعيد شفاه الفراغ، المنشغلة في امتصاص العدم، بخيوط من لعاب، تشابكت فوق رأسها في كل اتجاه، وربطتها بإحكام بالزمان والمكان”. نقرأ أيضا في مقدمة كلارو: “مؤثرة حتى في جانبها الهزلي، تخبئ ملحمة هذه الـ”سندريلا” الحديثة أكثر من مفاجأة، ويدرك قارئها سريعا أن “الانغماس في السواد” وسيلة جذرية بقدر ما هي مدهشة لهزم أحلك الظلمات. أما بطلتها، فمستعبدة حقا، وإلى حد يجعل البيت الذي حبست فيه مهددا في كل لحظة بالانفجار، تماما كالرواية التي تحاول احتواءها”. ثورة سردية ومزيج أشكال في اختصار، تشكل “ولادة وموت ربة المنزل” ثورة في ذاتها، ليس فقط لأنها تجمع بين الحكاية الفلسفية والأسطورة والجدارية العائلية والسيرة والسرد المسرحي والمذكرات، كما لاحظ أحد النقاد، بل لأن “مضمونها ومبناها يثوران أيضا باستمرار، فيجب عدم الفصل بينهما، ولأن المبنى هو تعبير أصيل عن المضمون، وبنية السرد قصة في ذاتها”. تنقلنا ماسينو في هذا العمل الرائع من الفردي إلى الشامل، بتصويرها سقوط كائن بشري في السجن الضيق للدور الذي يفرضه المجتمع عليه ولدى مزجها فيها كل هذه الأشكال السردية بلامبالاة متعمدة وألمعية استفزازية، لا تحاول ماسينو التخفي وراء بطلتها وراويتها، بل تتركنا نميز صوتها بلا جهد، خصوصا لدى مهاجمتها الأسرة، والمؤسسات الدينية، والسلطة السياسية، والتربية، ومكانة المرأة في المجتمع، إضافة إلى عدد من المحرمات. باولا ماسينو لكن بخلاف الكثير من الكاتبات النسويات اللواتي يبقين في كتاباتهن منغلقات على ذواتهن أو جنسهن، تنقلنا ماسينو في هذا العمل الرائع من الفردي إلى الشامل، بتصويرها سقوط كائن بشري في السجن الضيق للدور الذي يفرضه المجتمع عليه، وبتوقيعها مسار هذا السقوط برؤى وأحلام وهلوسات تبدو وكأنها “التشنجات الأخيرة لجسد يأبى أن يفارق الحياة التي وعده بها لاوعيه”. المزيد عن: النسوية ايطاليا الرواية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أونتاريو: تمويل عام لعمليات الورك والركبة في أربع عيادات خاصة next post صفقة “نتفليكس” تبتلع ذاكرة العالم الإبداعية You may also like مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 مارس، 2026 الأيديولوجيات عندما تشكل الهويات وتوجه الرأي العام 4 مارس، 2026 دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة... 4 مارس، 2026 وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين 2 مارس، 2026 رينوار استلهم من الجزائر كلاسيكيته بدلا من أن... 2 مارس، 2026 المخرجة ليلى بوزيد تستحضر أسئلة تونسية مؤجلة 1 مارس، 2026 في ذكرى رافيل… كيف أعاد ابتكار إسبانيا موسيقياً؟ 1 مارس، 2026