دومنيكو سكارلاتي (1685 – 1757) (الموسوعة البريطانية) ثقافة و فنون النهضوي الإيطالي سكارلاتي ينهل من الفواجع الإغريقية by admin 10 سبتمبر، 2025 written by admin 10 سبتمبر، 2025 89 “إيفيجينيا في أوليدي” بدايات غير مجيدة للأوبرا المهتمة بالفرد وصراعاته ضد قسوة المجتمع ولعبة الأقدار اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب من الصعب، اليوم، حسبان الإيطالي دومنيكو سكارلاتي في عداد الموسيقيين الكبار الذين أعطوا فن الأوبرا أكبر نتاجاته وأكثرها خلوداً على مر الزمن، فالرجل الذي عاش وعمل خلال النصف الأول من القرن الـ18، لا سيما بين الجزيرة الإيبيرية وموطنه الأصلي إيطاليا، عرف دائماً بكونه واحداً من الذين أبدعوا في فن الكتابة لآلة البيانو، لا سيما في كتابة المقطوعات القصيرة (من سوناتات وغيرها)، وكتابة شتى أصناف الكونشرتو، ومن هنا فإنه حين يذكر ويمجّد، فإنما يكون منطلق ذلك إنتاجه في مجال الكتابة لتلك الآلة التي أحبها وأبدع فيها، وخلّدته. ومع هذا، هناك أوبرات عدة وضعها سكارلاتي، لا سيما للمسرح الميلودرامي، عاشت طويلاً من بعده، وبعضها لا يزال يقدم إلى اليوم بنجاح. ومن هذه الأعمال ثلاثية عن “هاملت” اقتبسها من شكسبير، وضاع الكثير من صفحاتها على أية حال، وأعمال مقتبسة من المسرح الإغريقي التراجيدي. وعلى رأس هذه الأعمال الأخيرة تقف أوبرا “إيفيجنيا في أوليدي” التي لحّنها على أساس نص كتبه كارلو سيغسموندو كابيتشي في استيحاء مباشر من مسرحية يوريبيدس الشهيرة. وهي على أية حال واحدة من أوبراتين كتبهما سكارلاتي انطلاقاً من تلك المسرحية، وتتكاملان في ما بينهما، أما الثانية فهي “إيفيجينيا في توريدي”. وحتى إذا كان تاريخ الموسيقى الأوبرالية في أيامنا هذه ينحو إلى تفضيل أوبرا بنفس الموضوع والأجواء كتبها غلوك (1714 – 1787)، أو أخرى أيضاً كتبها كيروبيني (1760 – 1842)، فإن الريادة، في مجال موسقة هذا العمل التراجيدي الإنساني الكبير تبقى لسكارلاتي. لا يليق بالملوك وبالنسبة إلى هذا الأخير يبقى أن أوبرا “إيفيجينيا في أوليدي” تعتبر، كما كل أعماله الأوبرالية الأخرى، من أعمال “الشباب”، ذلك أنه لحنها في وقت لم يكن انصرف بعد فيه إلى كتابة أعماله الأوركسترالية – وللبيانو – الكبيرة، وبخاصة حيث انضم إلى البلاط الإسباني ووجد نفسه هناك غير معني بكتابة الأوبرا، طالما أن ذلك البلاط لم يكن يستسيغ كثيراً ذلك النوع من الفن، معتبراً إياه أقرب إلى الانحطاط والمستوى الشعبي ولا يليق بالملوك وبلاطهم. المهم أن سكارلاتي لحّن هذه الأوبرا عام 1713 وكان في الـ28 من عمره. وهي قدّمت للمرة الأولى في خريف العام نفسه، علماً أن ثمة مؤرخين يقولون إن تقديمها الأول كان في بلاط الملكة ماريا كازيمير في بولونيا، فيما يقول آخرون إنها إنما قدّمت للمرة الأولى في روما، وتحديداً في قصر زوكاري يوم الـ11 من كانون الثاني (يناير) من ذلك العام. المهم أن هذا العمل ينتمي تماماً إلى ذلك الزمن، وقد حرص ملحنه فيه على أن يماشي التجديدات التي كانت طرأت على فن الأوبرا في عصره، لا سيما من ناحية إعطاء المكانة الأولى للبطل الفرد، والتركيز على مجابهة هذا الفرد للمجتمع والأقدار، على غرار ما كانت تقوم عليه التراجيديات اليونانية تماماً. وفي هذا الإطار لم يكن غريباً، أن يختلط البشر بآلهة اليونان في عمل من هذا النوع. كما لم يكن غريباً أن يكون الخير في جانب البشر، بالتعارض مع غضب الآلهة وجبروتهم. وهو أمر عبرت عنه موسيقى سكارلاتي تماماً، في انسيابيتها وتركيزها على الأحاسيس الميلودرامية، بدلاً من اصطناع الفخامة في اللحظات الأكثر حرجاً. ومن هنا ما قيل دائماً من أن سكارلاتي إنما شاء من الموسيقى التي وضعها لذلك العمل، أن تخدم روح العمل، لا أن يتفنن في فرض موسيقاه، كما كان دأب زملائه وسابقيه. حيث إن الأوبرا جاءت في نهاية الأمر وكأنها مجرد موسقة لعمل راسخ له كيانه، بدلاً من اتخاذ النص ذريعة لا أكثر، لوضع موسيقى صاخبة. ويقيناً أن هذا يعود إلى أن سكارلاتي كان يعلم منذ البداية أن توجهه النهائي سيكون نحو التأليف الموسيقي الخالص (لا سيما لآلة البيانو) أما تلك الأوبرات التي ينهمك بوضعها فليست سوى تمارين وفتح آفاق بالنسبة إليه. مشهد من تقديم معاصر لأوبرا سكارلاتي (موقع العرض) عواصف في غير موسمها تدور أحداث أوبرا “إيفيجينيا في أوليدي” في الأزمان الإغريقية القديمة، كما نعرف، وبالتحديد أيام الحروب الطروادية. تبدأ الأوبرا والسفن اليونانية على وشك الإبحار متوجهة إلى حيث الحروب قائمة للمشاركة فيها. وفجأة تهب عواصف عاتية، أرسلتها الإلهة آرتيميس في رغبة منها بالحيلولة دون إبحار السفن. وإذ يتساءل الملك آغا ممنون عما حدث، وعن السبب الذي يجعل تلك العاصفة تهب في غير موسمها وفي شكل غير متوقع، ينبئه العراف/ الكاهن كالكانتي أن آرتيميس غاضبة عليه بسبب إهانة كان سبق، هو، أن وجّهها إليها في خاليات الأيام. فكيف يمكننا أن نهدّئ من غضبها ونمكّن السفن، بالتالي، من الإبحار؟ يسأل آغا ممنون الكاهن، فيجيبه هذا أن الثمن الذي تطلبه آرتيميس ليس أقل من حياة ابنة الملك الأميرة إيفيجينيا. يجب أن يضحي الملك بابنته إن كان حقاً راغباً في إبحار سفنه. وهنا يسقط في يد آغا ممنون ويشعر أنه ممزّق بين أمرين أحلاهما مرّ بالنسبة إليه: حبه لابنته من جهة، ومن جهة ثانية عدم قدرته على التضحية بها، وإلحاح الشعوب الإغريقية عليه بالإبحار لكي ينقذها من الهزيمة. وتستغرق حيرة الملك وتساؤلاته زمناً، تتصارع لديه فيه الأهواء والرغبات والمشاعر ويحس أنه معرض للضغوط من كل جانب. وفي نهاية المطاف لا يجد بداً من أن يخضع مكرهاً ومخنوقاً، لرغبات الإلهة أرتيميس. ويستدعي ابنته إيفيجينيا مصحوبة بأمها الملكة كليتمنسترا، ليبعث بها في رحلة طويلة إلى معسكر الآخيين، حيث يغمر الفتاة الاعتقاد بأنها إنما ذاهبة إلى هناك لتتزوج من فارس أحلامها الأمير الشاب وبطل الحرب المقدام آخيل، المعروف في ذلك الحين بـ”أمير أمراء اليونان”. نحو الزواج أم نحو الموت وهكذا تنطلق الفتاة نحو ما تعتقد أنه الزواج من فارس أحلامها، بينما تكون انطلاقتها في الحقيقة نحو الموت. وحين تتضح الأمور في النهاية، يبدأ الكاهن كالكانتي باقتياد الأميرة الشابة الحسناء، نحو المحرقة ليتم التضحية بها، على رغم صراخ أمها ونحيبها واعتراض الأمير آخيل. ولكن، لأن النهاية، هنا، يجب أن تكون سعيدة، ولأن الآلهة لا بد لها، في مثل هذه الظروف، من إبداء أعلى درجات التسامح كما عهدها دائماً إنما في مخيلات المبدعين الكلاسيكيين في الأقل، يصل عفو أرتيميس في اللحظات الأخيرة، وإيفيجينيا على وشك الموت حرقاً. وهكذا تنتهي المأساة وسط فرحة تعطيها موسيقى سكارلاتي كل حقها، إذ تبدو مستقاة مباشرة من الأهازيج الشعبية والأعياد الصاخبة. وتقول لنا الحكاية على أية حال، إن أوبرا “إيفيجينيا في أوليدي” قد حققت منذ عروضها الأولى، نجاحاً كبيراً، وانضمت إلى شقيقات لها كان سكارلاتي قد بدأ يصنفها منذ عام 1703 (وكان بعد في الـ18) في مسار أوبرالي سيوقفه عام 1720 منصرفاً بعده إلى كتابة روائعه الموسيقية الأوركسترالية الخالصة. ودومنيكو سكارلاتي كان ابناً، ولد عام 1685 في نابولي لأب كان موسيقياً شهيراً بدوره (هو أليساندرو سكارلاتي). ومنذ عام 1701 عين دومنيكو عازف أورغن في كنيسة نابولي، لتكون تلك بداية عمل موسيقي تواصل حتى رحيله عام 1757 في مدريد. صحيح أن حياة هذا الفنان المبكرة غير معروفة في تفاصيلها كلها، ولكن من المعروف أنه بعد بدايات جيدة، في الأوبرا تم في فن الكونشرتو والسوناتا وبخاصة في الكونشرتو غروسو حيث يعتبر دائماً المنافس الكبير في هذا المجال لفيفالدي، عيّن وهو في الـ35 موسيقياً في بلاط لشبونة، حيث راح يعلم العزف على البيانو للأميرة ماريا باربارا أميرة أستورياس. وحين أصبحت هذه، بالزواج، ملكة إسبانيا، توجه معها إلى مدريد حيث بقي حتى رحيله. وفي مدريد كتب القسم الأعظم من مقطوعات صغيرة (بلغ عددها أكثر من 500 مقطوعة) تعتبر حتى اليوم آية في البهاء الموسيقي، بدأها بـ30 مقطوعة نشرها في لندن… وتبدو فائقة القوة في بعدها الارتجالي بخاصة. والطريف أن أعظم ما كتبه سكارلاتي في هذا المجال إنما يعود إلى ما بعد عامه الـ50. وهذا ينطبق بخاصة على معظم ما نعرفه اليوم من أعماله. المزيد عن: دومنيكو سكارلاتيعصر النهضة الإيطاليةالتراجيديا الإغريقيةالموسيقى الكلاسيكيةمسرحية يوريبيدسفيفالديفن الأوبرا 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أقمار التجسس الاصطناعية… المراقب “الخفي” للفضاء next post ما لا يقوله اللاجئون عن مآسيهم في ظل الاضهاد المزدوج You may also like “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 مارس، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 مارس، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026