Saturday, March 7, 2026
Saturday, March 7, 2026
Home » “الموتى الثلاثة” لأبولون مايكوف: الموت في صحبة الديكتاتور

“الموتى الثلاثة” لأبولون مايكوف: الموت في صحبة الديكتاتور

by admin

القصيدة الفلسفية التي استوحاها الشاعر الروسي من تأمله القلق للوحة “الفلاسفة” للهولندي روبنز

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

بماذا يفكر الفلاسفة حينما يختلون بأنفسهم؟ وعماذا يتحدثون حينما يجتمعون إلى بعضهم بعضاً؟ بأمور كثيرة، ولكن، بالتأكيد، ليس بالفنان الذي قد يتخيل ذات يوم مشهدهم وهم متجمعون، ليحول المشهد لوحة. ثم بماذا يفكر الفنان الرسام حينما ينجز مثل تلك اللوحة ويقف متأملاً إياها جامعة الفكر والفن في بوتقة واحدة؟ بأمور كثيرة أيضاً، ولكن بالتأكيد ليس بالشاعر الذي سيأتي ذات يوم ليشاهد اللوحة ويتأمل حال وفكر المرسومين فيها ليحول ذلك كله قصيدة شعرية. ذلك ببساطة أن المفكر أو الفنان، أو حتى الشاعر، حين ينجز عملاً ما أو موقفاً ما، يحب أن يعتقد دائماً أن ما أنتجه نهائي، لا مجال لفن أو لفكر من بعده وإلا… لكان هو من تجاوز نفسه وراح إلى أبعد مما أنتج. تلك هي طبيعة المبدع وعلاقته بإبداعه، مهما كانت رجاحة الآراء الناقضة هذه الفكرة.

من دون تلك الطبيعة ما كان ليقوم لأي فن أو أي فنان وجود. أما هذا التراكم الذي نشير إليه هنا بين الفكر مصوراً، ثم الصورة موحية بالشعر، فإنه أول ما قد يأتي على بال من يقرأ قصيدة “الموتى الثلاثة” للشاعر الروسي الذي يبدو منسياً إلى حد كبير في أيامنا هذه أبولون مايكوف، علماً أن ثمة شاعرين روسيين يحملان الاسم نفسه، ومن المؤكد أن من يهمنا منهما هنا، أقربهما إلينا زمنياً، أي ذاك الذي عاش بين عامي 1821 و1897، وكانت “الموتى الثلاثة” الأشهر والأكثر بقاء بين قصائده وكتاباته الكثيرة.

أبولون مايكوف (1821 – 1897) (موسوعة الأدباء الروس)

فلاسفة من لوحة لروبنز

“الموتى الثلاثة” في هذه القصيدة هم فلاسفة ثلاثة تأمل الشاعر جلسة لهم، ومعهم شخص رابع صعب عليه أن يعرف من هو، في لوحة شهيرة لروبنز. وعلى الفور ما إن شاهد تلك اللوحة في معرض وسحره جوها وما توحي به، تخيل الشاعر أن الثلاثة يمكن أن يكونوا سينيكا الروائي، ولوقيانوس الإبيقوري، وزميلهما الشاعر الشاب لوكايينوس… والقاسم المشترك بين هؤلاء هو أن نيرون طاغية روما وحارقها، كان قد حكم عليهم معاً بالإعدام. ومن هنا أتى عنوان القصيدة، التي لم تكن لوحة روبنز سوى ذريعة غير مباشرة لها، بل إن حكاية الفلاسفة الثلاثة معاً، لم تكن سوى ذريعة لكي يكتب مايكوف قصيدة يتحدث فيها عن زمنه هو، الزمن الذي اشتد فيه قمع الفكر في روسيا القيصرية، علماً أن القصيدة كتبت في عام 1852، لتنشر بعد ذلك بأربعة أعوام.

ولنذكر منذ البداية هنا أن مايكوف كان في الأصل ميالاً إلى أن يصبح رساماً، لكن ضعف بصره أجبره على أن يتجه إلى الشعر بدلاً من الرسم. والمدهش في الأمر أن هذا الشاعر استوحى القسم الأكبر من قصائده من لوحات تشكيلية عدة، كما أن لغته نفسها تميزت بكونها لغة بصرية، توحي للقارئ وهو يقرأ، بأنه إنما يتفرج على مشاهد متحركة ومتنوعة، وعلى شخصيات تتحرك أمامه فيها، حتى ولو كانت شخصيات فلاسفة قابعين دائماً في جلساتهم يتأملون.

هكذا تكلم سينيكا

يعلمنا مايكوف في قصيدته أن سينيكا كان، في الأصل، تلميذاً لأفلاطون، بالتالي فإن الموت لم يكن بالنسبة إليه إلا لحظة انتقالية كل ما يحدث فيها أن “أغلال الجسد التي تربط صاحبه بعالم الفناء الذي تعيش فيه هذا، تتحطم، لينعتق الإنسان من مادية الجسد ويدخل روحية إلهية لا نهائية”.

هذا ما يقوله سينيكا لنا مؤكداً في الوقت نفسه منذ بداية القصيدة، أن الحياة نفسها “لا تكون مهمة وخيراً إلا بالنسبة إلى ذاك الذي إذ يشعر أنه أشبه بحلقة لا بد منها في سلسلة هي حياة كل البشر” إنما “يلج المعبد مع الشعب، ويخشع هناك مصلياً مع هذا الشعب للآلهة نفسها”.

وإذ تعم هذه الفكرة ينبئنا مايكوف على لسان سينيكا أن “جيلاً جديداً يحق له، عند ذاك أن يظهر، حاملاً معه تصورات جديدة تتعلق بمشاعر جديدة”. أما ذلك الرجل الذي يلج المعبد على النحو الذي ذكرنا، وكان سينيكا يتحدث هنا عن نفسه كما يمكننا أن نفترض، فإنه سيكون في وسعه، إن كان صلب الإرادة عميق الإيمان قويه، أن يستعيد ويصدق كل الأساطير التي كانت قد داعبته في سني شبابه، بيد أن الشاعر ينبهنا هنا إزاء هذا التأكيد، أنه لو فعل كل إنسان هذا الشيء فإن ما سيكون لدينا إنما هو تجميد لأي صعود يحاول الجيل الصاعد أن يمارسه، فما العمل؟ ببساطة شديدة، إن على الإنسان، حتى وإن كان يرى ضرر هذا لنفسه، أن يفتح الطريق: أي أن يحطم قيود الجسد، وهذا ما يفعله سينيكا، إذ يقبل الموت طوعاً، ويتحرك إلى الأعالي حيث سينضم إلى أستاذه أفلاطون، وأستاذ أستاذه سقراط، الذي لم يقبل الموت، في رأي سينيكا، إلا لكي يطبق ذلك التصور نفسه.

أحلام لم تتحقق

في مقابل هذا، نفهم بسرعة كيف أن الشاعر لوكايينوس، أصغر الثلاثة سناً، يكشف لنا عن أن حياته إنما امتلأت بأحلام لم تتحقق أبداً، وها هو أمامنا على شفا الموت يبدي ندمه لأنه عجز دائماً عن تحقيق تلك الأحلام، ومن هنا نراه في القصيدة يموت أمامنا، كما يحدث لبطل أسطوري من آلهة الأولمب وهو محاط بإبداعات عدة لم يتح له العمر أن يحقق أياً منها ويستكمله.

مهما يكن، فإن لوكايينوس، ليس على رواقية سينيكا، لذلك لا نراه يتقبل مصيره بسهولة. إنه حزين حتى اللحظات الأخيرة، ولكن على عكسه نرى الفيلسوف لوقيانوس تلميذ إبيقور، فهذا يرى موته مقبولاً، مثل موت سينيكا، ولكن ليس للأسباب الفلسفية السقراطية نفسها، وليس من أجل الشبيبة التي كان سينيكا قال لنا إن في موته، كما في موت سقراط، حياة جديدة لها. موت لوقيانوس موت فرح سعيد، وهو إذ بات على وشك الموت يخبرنا أنه لا يخشى الماوراء، حتى ولو كان سيصل إلى الجحيم، لأنه، وكما يخبرنا، سبق له أن عرف الحياة، كل الحياة، وذاق ملذات الحياة، كل الملذات، ولم يعد له ما يشتهيه، فأهلاً بالموت “تجربة جديدة لعل فيها مزيداً من السرور” يهتف وهو يخطو على وجه الدنيا الفانية آخر خطواته.

ولوقيانوس كان، في احتفاله بموته، أشطر من زميليه، إذ إنه، وهو الذي كان يعرف تماماً أنه لن ينجو من ظلم نيرون وجبروته وأنه هالك لا محالة، استدعى إليه “الباخوسيات” جماعة كما استدعى كورساً بهيمياً، وطلب من الجميع أن يغنوا ويشربوا ويمرحوا، وأن يغطوا بمئات الورد تلك الكنبة التي سيستلقي عليها لينام سباته الأبدي. وضحك ضحكة مجلجلة بعدما تناول كأس السم وشربها مهللاً، وقد ناولته إياها حبيبته ليديا في خطوة حب أخيرة.

سيرة مبدع

لقد عرفت قصيدة “الموتى الثلاثة” في زمنها نجاحاً كبيراً في بلد كروسيا كان الشعر فيه يقوم مقام الغناء والموسيقى، ومقام المسرح والحفلات الاستعراضية. وكان أبولون مايكوف حينما كتب القصيدة، وذاعت إذ أنشدها مراراً قبل نشرها، كان بالكاد جاوز الـ30 من عمره. وهو في الأصل ابن رسام، ولد في موسكو وسيموت في سان بطرسبورغ، نال دراسة رهيفة في صغره إذ كان أبوه مثقفاً مطلعاً على الشعر الفرنسي. ولقد توجه شقيقاه فاليريان وليونيد، بدورهما، وجهة فكرية، إذ عمل الأول ناقداً، فيما تخصص الثاني في تاريخ الأدب.

أما هو، فإنه بعد دراسة الحقوق، وبعد التخلي عن الرسم، قام برحلة طويلة إلى بلدان أوروبية منها إيطاليا حيث أمضى عاماً، عاد بعده إلى بلده حيث بدأ يكتب الشعر وينشر القصائد وكتباً أدبية مستوحاة من المدن الإيطالية التي عاش فيها روما، نابولي، وغيرهما، كما كتب بعض المسرحيات التراجيدية على النمط الروماني. وزار لاحقاً باريس حيث ارتاد “السوربون” و”الكوليج دو فرانس”، وحين عاد إلى بلاده شغل منصباً في وزارة المال قبل أن يعين حافظاً في مكتبة متحف روميانتزيف، مما أتاح له أن يقرأ مئات الكتب ليصبح بعدها رئيساً للجنة الرقابة على الكتب الأجنبية.

المزيد عن: أبولون مايكوفالموتى الثلاثةسينيكا الروائيلوقيانوس الإبيقوريالشاعر لوكايينوس

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00