الثلاثاء, مارس 10, 2026
الثلاثاء, مارس 10, 2026
Home » المعماري السويسري لوكوربوزييه “يختلس عمارة” في الهند

المعماري السويسري لوكوربوزييه “يختلس عمارة” في الهند

by admin

 

“مبنى المجلس” في شانديغاره يستظل بالشمس باعتبارها حاجة بيئية ورمزاً دينياً

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

عندما انقسمت الأرض الهندية شطرين وتأسست في الشمال دولة باكستان لتضم مسلمي الهند، كان من ضمن الآثار المباشرة لذلك الانقسام حرمان ولاية البنجاب الهندية من عاصمتها لاهور التي ضمت إلى الدولة الشمالية. وحين أراد الرئيس الهندي جواهر لال نهرو، والذي كان وصل إلى السلطة حديثاً ليجابه سلسلة من المشكلات، أن يجعل للولاية عاصمة، آثر بدلاً من اللجوء إلى مدينة أخرى لتطويرها بديلة من لاهور أن يبني عاصمة جديدة تماماً وقد آلى على نفسه أن يطلق عليها اسم شانديغاره، تيمناً بالإله الهندوسي شاندي.

ونهرو الذي كان درس في الغرب وتأثر بالحضارة الكونية الجديدة في سياق انفتاحه على العالم ورغبته في أن تنفتح بلاده عليه أراد لهذه المدينة العاصمة أن تبنى خارج أنماط العمارة الهندية التقليدية لتكون مدينة شديدة الحداثة، من الناحية العمرانية داخلة زمن العالم الذي كان خلال فترة بعد الحرب العالمية الثانية يخطو خطوات حثيثة نحو عولمة لم تكن تحمل هذا الاسم على أي حال.

وهكذا، من أجل الشروع في بناء تلك المدينة وجد نهرو نفسه يستدعي بعض كبار العمرانيين في العالم، وكان في مقدمهم المهندس النيويوركي ألبرت ماير الذي تشارك مع البولندي ماثيو نوفسكي، ليضعا مخططات أولية شملت بناء المحكمة العليا وسكرتاريا الولاية وغيرها، ولكن نوفسكي قضى في تلك الأثناء بحادثة طائرة، ليجد ماير نفسه يستعين على الفور بواحد من كبار المعماريين الأوروبيين في ذلك الحين: لوكوربوزييه.

عمل شخصي

ولئن قام أول الأمر تعاون بين لوكوربوزييه وماير، إلا أن الأول سرعان ما انفرد بتصميم وتنفيذ عدد من المشاريع، التي نالت رضا نهرو وكبار أعيان الدولة الهندية في الوقت نفسه الذي مكنت لوكوربوزييه من تحقيق أحلام عمرانية كانت تراوده منذ زمن بعيد. وكان في حاجة إلى مشاريع تبدأ من درجة الصفر، حتى ينفذها.

والحقيقة أن هذا أتيح للمهندس السويسري الكبير، خصوصاً حين صمم ذلك المبنى البسيط والمدهش في آن معاً ونفذه: مبنى “المجلس” القائم في القطاع الأول من مجمع مباني شانديغاره الحكومية. واستغرق العمل في مبنى “المجلس” أكثر من 10 سنوات، إذ إن اللبنات الأولى فيه وضعت عام 1951، ليفتتحه الرئيس نهرو، وسط احتفالات صاخبة، عام 1962. غير أن المشاركين في الاحتفال، في ذلك الحين، لم يتنبهوا وسط إعجابهم ودهشتهم أمام ذلك المبنى وإنجازاته العمرانية الجميلة، كم أن لوكوربوزييه، جعل منه عملاً شخصياً بامتياز، كما لو أنه أراد منه، في الوقت نفسه أن يكون مبنى حكومياً هندياً، وصورة لأحلامه الشخصية الهندسية، وانعكاساً لكل ما شاء منه أن يكون تجديداً في عالم الهندسة المعمارية، بل حتى تحقيقاً، لذلك الحلم الذي حلمه ذات يوم حين كان، وهو بعد في شرخ صباه، زار مبنى يقدد فيه المزارعون اللحم في مسقط رأسه السويسري، ويبدو هرمي الشكل مفتوحاً على الشمس والهواء.

لوكوربوزييه (1887 – 1965) بصحبة نهرو (وسائل التواصل)

محاكاة مصانع تقديد اللحم

والحقيقة أن ذلك المبنى الريفي ظل يشغل بال لوكوربوزييه، حتى صمم انطلاقاً منه، أبراج التبريد في المبنى الهندي الجديد. وهي أبراج كان يحلو لكوربوزييه أن يسميها “القبعات” متوقعاً لها أن “تصبح مختبرات طبيعية حقيقية، مبنية في شكل يجعلها تؤمن لعبة الضوء والظل، إلى درجة يمكنها معها أن تصبح حتى، مقراً لأعياد شمسية تقول دائماً لابن الإنسان إنه ابن الشمس أيضاً”. وكان لوكوربوزييه يشير بهذا، طبعاً، من ناحية أن توقه وهو طفل إلى تلك الشمس التي كانت حين تطل بصورة نادرة على بلاده السويسرية تكون إطلالتها عيداً حقيقياً، ومن ناحية ثانية إلى الدور الذي تلعبه الشمس في الديانات الهندوسية.

ولئن كان هذا، عنصراً هندوسياً التف على رغبة نهرو في ألا يكون في مباني شانديغاره، أي خصوصية هندية، فإن ثمة عنصراً هندياً آخر، يلوح في المبنى حتى ولو نظر المرء إليه من بعيد: إنه يتمثل في انحناءة إلى أعلى يتشكل منها طرفا المبنى وسقفه. إنها انحناءة من الواضح تذكيرها بقرني البقرة، التي تعد حيواناً مقدساً في الهند. أما ما عدا هذا، فإن المبنى حديث جداً… وهو إضافة إلى هذا وظائفي جداً. إذ، إضافة إلى انفتاحه الكلي على الهواء الطلق وعلى الشمس، عرف لوكوربوزييه هنا كيف يجعل لكل زاوية وصالة وغرفة وظيفتها، وكيف يؤمن لكل هذه الأماكن ليس فقط إطلالتها على الشمس والهواء، بل كذلك على الحوض المائي المحيط بالمبنى من كل جانب. وفي الوقت نفسه يبدو واضحاً أن الأشكال التي جعلها لوكوربوزييه للمبنى، مستقاة من مصادر ومراجع شديدة التنوع، كانت قد حضرت في شتى التجارب العمرانية السابقة التي كان لوكوربوزييه قام بها، ولكن أيضاً من تأملاته المعهودة حول القوى الكونية.

أدوات فلكية

ومن هنا إذا كان الشكل اللولبي الذي جعله لوكوربوزييه لقائمة الاجتماعات الرئيسة مُستقى مباشرة من غرف تقديد اللحم في سويسرا، فإن السقوف تشير إلى ما يشبه طقوس تبجيل الشمس، هذا من دون أن نغفل أن ثمة في أعلى المبنى ما يبدو شبيهاً بأدوات فلكية كان لوكوربوزييه شاهدها حين زار مرصد جانتارمانتا في نيودلهي، والمقام في القرن الـ18.

غير أن هذا كله إنما يبدو موضوعاً في إطار مبنى يذكر بدير “لاتوريت” السويسري، بما في ذلك حوض الماء الذي يجب أن يبقى مملوءاً على الدوام. ويبدو من الواضح هنا أن لوكوربوزييه أراد من التصاق الماء بالمبنى، أن يشكلا معاً، عبر انعكاس الشكل المستطيل للمبنى في الماء، مكعباً كاملاً، وهو ما يلوح حقاً لمتأمل هذا المبنى من على بعد. ذلك أن المكعب، سواء كان حقيقياً، أم مركباً، يمثل بالنسبة إلى لوكوربوزييه، انعكاساً للقوة والسلطة. أما المدخل الرئيس للمبنى ككل، وهو غير المدخل الآخر الذي يربطه بمبنى الأمانة العامة للولاية، فيتألف من باب ضخم من الفولاذ المطلي، هو هدية من فرنسا إلى ولاية البنجاب. وعليه نقش لوكوربوزييه عدداً من المحفورات والرموز المختلفة، والتي يعكس تجاورها تقارباً بين المعتقدات والأديان، إذ من بينها قرص الشمس وسلحفاة وثور ونص “قصيدة الزاوية القائمة”، والسمكة ونسر زرادشت وما شابه.

ويمكننا أن نقدر هنا كم توقف الزوار عند هذا الباب متأملين، وكم أن الرموز التي حملها دفعتهم إلى التفكير، تحديداً في ما أراد نهرو من ناحية ولوكوربوزييه من ناحية أخرى، أن يفكروا فيه أمام جلال هذا المبنى ككل وبعده الإنساني الشامل، بل إن مثل هذه الرمزية، التي تكاد تكون مانوية أكثر منها هندوسية أو زرادشتية، تتجلى أيضاً في ذلك التفاوت التام بين الضوء الباهر في الخارج، وبين الظل الطاغي في الداخل، وخصوصاً على تلك الصالة المستخدمة للاجتماعات، والتي تملؤها غابة من الأعمدة والحواجز، خالقة في داخلها إيقاعاً مدهشاً يتناغم مع أدراج تبدو أحياناً وكأنها لا تفضي إلى أي مكان. أما القاعة السفلى فتبدو هنا وكأنها المكان الأساس في شكلها الدائري، الذي يكاد يكون لولبياً ويبدو أنه هو ما يؤمن تسرب الهواء والنور إلى الداخل.

سيرة ذاتية معمارية

منذ افتتاحه الصاخب على يد الرئيس نهرو عام 1962 لم يصبح هذا المبنى مركزاً لممثلي ولاية البنجاب وحدها، بل صار متقاسماً بينهم وبين ممثلي ولاية هاريانا المجاورة. أما لوكوربوزييه، فإنه وطوال السنوات التي عاشها بعدما أنجز هذا المبنى ليضاف إلى سجل إنجازاته الهندية، في شانديغاره، ولكن أيضاً في أحمد آباد من خلال مجموعة من الدارات لرجال أعمال وأعيان من المدينة، سيظل يقول إنه يعد مبنى المجلس واحداً من أروع ما حقق، والمبنى الذي “أردته دائماً أن يكون أشبه بسيرتي الذاتية… المعمارية”.

لوكوربوزييه، الذي ولد عام 1887 تحت اسم شارل إدوار جانيريه في مدينة لاشودي فون السويسرية، بدأ تحوله إلى الهندسة بعد دراسة فن الرسم وهو في الـ19 ليواصل بعد ذلك، وطوال ستة عقود تطوره وتقدمه بحيث صار واحداً من كبار معماريي القرن الـ20، على المستوى العالمي، تشهد على هذا إنجازاته في الهند وفرنسا، في اليابان والولايات المتحدة، وحتى في موسكو التي كلفته سلطاتها إنشاء واحد من أهم المباني الروسية، “سنترو سويوز” (مركز الشرق)، بين 1928 و1936.

المزيد عن: ولاية البنجاب الهنديةلاهورجواهر لال نهرومدينة شانديغارهالعمارة الهندية التقليديةالمعماري السويسري لوكوربوزييه

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00