من جو الفيلم البرازيلي (ملف الفيلم) ثقافة و فنون المخرج والتر ساليس ينبش الماضي البرازيلي الديكتاتوري by admin 16 نوفمبر، 2024 written by admin 16 نوفمبر، 2024 306 الخراب النفسي الذي تسبب به نظام العسكر في فيلم “لا أزال هنا” اندبندنت عربية / هوفيك حبشيان ينبش المخرج البرازيلي والتر ساليس اليوم فصلاً من فصول تاريخ بلاده، في عمل سيبقى مرجعاً عن تلك الحقبة الدموية، يظهر مدى تأثير الاستبداد العسكري في حياة المواطنين الذين عاشوا تحته. فيلم يرد الإعتبار إلى نصف قرن من نضال المرأة (ملف الفيلم) الديكتاتورية العسكرية في البرازيل حوصرت في عقدين من الزمن، لكن الأضرار النفسية والتروما الجماعية الناتجة منها تجاوزت تلك الفترة، إذ تركت خلفها آثاراً لم تمح بسهولة فصنعت كوارث إنسانية لا تحصى. والفيلم في طور توثيقه هذه الانتهاكات يهتم بمصير عائلة واحدة، لكن معاناتها تختزل مآسي كثر من الناس. الجرح الذي نكأه بطش العسكر وظلمهم لم يلتئم مع الزمن، خصوصاً إذا طاولت الخسارة التي تسبب بها فرداً من أفراد العائلة، وظل مصيره مجهولاً لسنوات طويلة. فبعضهم قضى تحت التعذيب في أقبية الأمن والاستخبارات ولم تعثر على جثته، فبات في عداد الأحياء الموتى. لكن، هل يموت الإنسان حقاً من وجهة نظر عائلته وأحبائه في غياب الجسد؟ أي حداد ممكن في مثل هذه الحالة؟ هذه المسألة لم تكن حكراً على النظام العسكري في البرازيل، بل رأينا مثلها في بلدان كثيرة من تلك التي عاشت حروباً أهلية وتقاتلاً. هناء العيش قبل الإعتقال (ملف الفيلم) الآلاف الذين قضوا من دون أن يعرف لسنوات طويلة ما حل بهم، هم الحجر الأساس لهذا الفيلم الذي يرد الاعتبار إلى عذابات أهاليهم. بعد سقوط الديكتاتورية ودخول البلد في مرحلة الديمقراطية، سلموا وثيقة وفاة تغلق نهائياً هذا الملف. والتر ساليس يوثق في “لا أزال هنا” الظلم الذي وقع على البرازيليين بين الستينيات والثمانينيات، من خلال فيلم سردي يستوفي كل شروط السينما التي تضع الإنسان في قلب التاريخ. الفيلم اقتباس لمذكرات مارسيلو روبنز بايفا، ابن نائب يساري (يلعب دوره سلتون ميللو). والكتاب روى في كتابه الصادر عام 2015 ما عانته أمه بعد الاعتقال التعسفي لوالده روبن بافيا. وكان هذا السياسي النزيه قد اعتزل العمل السياسي ليهتم بشؤون عائلته عندما داهمت عناصر من الجيش بثياب مدنية في يوم من أيام عام 1971. أُوقف وجُرَّ إلى التحقيق ثم سجن بعدما ألصقت به تهمة مساعدة أعداء النظام. مشهد الاعتقال يأتي بعد مقدمة جميلة نرى فيها هناء العيش الذي سيعكر النظام صفوه. يفتتح الفيلم على أحد شواطئ ريو دي جانيرو، واضعاً إيانا داخل تفاصيل الحياة العذبة. نلمس السعادة في عيون الكبار والبراءة في أفعال الصغار، علماً أن القمع والعسف كانا من يوميات البرازيليين منذ فترة لا تقل عن ست سنوات، عند لحظة بدء الفيلم. المخرج البرازيلي والتر ساليس (ملف الفيلم) بعد الاعتقال، تصبح الزوجة أونيس (أداء بديع لفرناندا توريس) بطلة الفيلم. تحاول طوال الساعتين التاليتين البحث عن زوجها ومحاولة الإفراج عنه، وصولاً إلى المصالحة مع فكرة أنه لن يعود بعد اليوم، وذلك عندما تعي أنه قُتل. لن يبقى لها بعد ذلك سوى إعالة أطفالها وكأن شيئاً لم يحدث، في سلوك إنساني حكيم يمكن وصفه بالنموذجي، خصوصاً لجهة تعاملها مع الأزمة على نحو يجنب الأطفال التروما النفسية الناتجة من غياب والدهم المحبب. لكن هذا كله سيكون له مخاض عسير نرى تفاصيله في الفيلم، إذ ستحاول مراراً التدخل لدى السلطات للإفراج عنه، بيد أن كل المحاولات سيكون مصيرها الفشل. أونيس ستبحث عن الحقيقة، كل ما تريده هو أن تعرف ما حل بزوجها، كي تحسم أمرها وتتابع حياتها، لكن لا جواب، فلا هو حي ولا هو ميت. وعليه، ستحتكر كل الأدوار، لتصبح أماً وأباً لأولادها الخمسة، فمناضلة حقوقية ومحامية في آن معاً. الفيلم إعادة اعتبار إلى هذه السيدة العظيمة التي لن تستسلم ولن تنتهي حربها مع الواقع الذي فرض عليها سوى مع رحيلها. تفاصيل كثيرة في الفيلم يمكن الإشارة إليها، منها المنزل العائلي الذي كان ينبض بالحياة. بعد غياب الأب/الزوج، سيصبح فجأة بؤرة ذكريات أليمة ينبغي على الزوجة التعايش معها بصورة يومية. ذكريات تحاول هي عدم تحويلها إلى ذكريات كونها لا تزال مقتنعة (في البداية)، بأن الأمر لم ينته تماماً والأمل لا يزال قائماً. المطبخ حيث يجتمع أفراد العائلة له رمزية أيضاً. في هذا المكان حيث كانت تعلو الأصوات سيعشش الصمت والموت والجمود. كل حادثة تحتاج إلى مكان، وفي غياب جسد المعتقل/المقتول، يصبح بيته (الغائب عنه) دليلاً على وجوده السابق وحضوره. داخل جدران البيت، سيجتمع الخاص والعام، حد الانصهار الكلي. مع هذا العمل الذي يحرص على تذكيرنا بأن العالم الذي نعيش فيه اليوم قد ينتج ديكتاتوريات جديدة في أي لحظة، يختزل ساليس نضال نصف قرن، راسماً على وجه بطلته المرهفة ملامح مرور الزمن وقسوة الغياب الذي يترجم بحضور. إلا أن ما يميز تلك الملامح هو القوة التي لا تفتقر إلى الهشاشة. هذه سمة الذين لا ينكسرون، وإذا حاربوا الوحوش ظلوا في منأى عن الوحشية. المزيد عن: فيلم برازيليالديكتاتوريةالبرازيلمهرجان القاهرةالبندقيةمخرجتصوير 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الحقيقة المزعجة حول العمل الفائز بجائزة “بوكر” لهذا العام next post تظاهرة أمام بلدية ريجاينا احتجاجاً على إلغاء مراسم رفع علم فلسطين You may also like “البحث عن الإمبراطور” رواية استشرفت سقوط الاتحاد السوفياتي 9 مارس، 2026 الحرب على سرير التحليل النفسي والثقافي 9 مارس، 2026 “ثلاثمئة حكاية” لفرانكو ساكيتي: وقائع إيطالية في زمن... 9 مارس، 2026 زيارة رمضانية إلى دوستويفسكي عن الجوع الاختياري 9 مارس، 2026 ندى حطيط تكتب عن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن... 9 مارس، 2026 “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026