لوحة للرسامة رندة مداح (صفحة الرسامة - فيسبوك) ثقافة و فنون “الكهل الذي نسي” يكتب سيرة متخيّلة لسمير قسيمي by admin 28 مايو، 2026 written by admin 28 مايو، 2026 14 المريض المُعتقل يعيش حياتين في لعبة سردية تجعل القارئ متواطئا اندبندنت عربية / سارة النمس يبدو عنوان الرواية أشبه بجملةٍ ناقصة، تفتح باب التأويل حول هويةِ الكهل الذي نسي وماذا نسي. يعتمدُ الكاتب كعادته سابقا، على عنصر المفاجأة، فيجعل التكهّن بمضمونِ العمل صعباً انطلاقاً من عتبةِ النصِ وحدها. وبرغم غرابةِ الحكايةِ، لا يبتعدُ قسيمي عن أسلوبهِ المعتاد، إذ يوغلُ في التخييل ويعيد تفكيك ثيمات تاريخية بأسلوب تجريبي، مبتعداً عن طرحها في قوالب تقليدية. ويتمسّك بحيلةِ الإيهام في لعبةٍ سردية يجدُ المتلقي نفسه فيها شريكاً مباشراً في بناءِ الشخصيةِ وتجميعِ تفاصيلها، وتقصي الحدث وصولاً إلى نهايةٍ تحتملُ قراءات متعدّدة. الكهل الذي نسيَ “اسمَه” الرواية الجزائرية (دار نوفل) تسرد روايةُ “الكهل الذي نسيَ” حكايةَ رجلٍ خمسيني لا يتذكّرُ اسمه، يقيمُ في مصحةٍ نفسية تحتَ رقابةٍ عسكرية تتابعُ تدهور حالته الصحية ومستوياتِ ذاكرته. يحملُ المريض المُعتقل الملف رقم 362ج، ويصفُ نفسهُ بأنُه يعيش حياتين، واحدة في ذهنهِ وأخرى بجسده، إذ يقول: ” لم أعد أعرفُ في أيّ عالمٍ أنا، عالم الشاب الذي أراه في ومضاتي، أم هذا العالم البارد الذي أعيش فيه بجلد كهل؟”. من خلالِ هذهِ النقطةِ المفصلية، يمكن تقسيم أحداث الرواية إلى ومضات يراها الكهل في ذهنه، تقوده إلى ذاكرة بعيدة أو هلوساتٍ ورؤى، وإلى أحداثٍ موازية يعيشها داخلَ غرفتهِ. وحتى ما يعيشهُ في المصحة لا يمكنُ الجزم بحقيقته، فالكاتبُ بتوظيفه المكثّفِ للتخييل، صعّب من الفصل بين حدودِ الواقع والمتخيّل، لا سيّما أن الأحداث يرويها مريضٌ يعاني من صدماتٍ نفسية وتشتّتٍ يمنعه حتى عن تذكّرٍ اسمهِ. تنطلق لعبةُ الأسماءِ، من الاقتباساتِ التي اختارها سمير قسيمي كمدخلٍ الى العمل لتغدو عتبةً ثانيةً للمتن، إذ يتركُ الكاتبُ إشاراتٍ عن الأسماءِ وحقيقتها وجدواها، قبل أن يفتتح السردَ بصوتِ كهل يروي ذكريات من طفولتهِ تعودُ إلى عام 1979، مستعيداً الطفل الذي كانه. يرسمُ خطاً على أنّهُ ثعبان يتحرّك، ثمّ يرسمُ دائرة وهو على يقينٍ أنّ الثعبان يعض ذيله، لتصغر الدوائر وتتحوّل في النهايةِ إلى نقطة. ويفسّر قسيمي في أحد حواراته، ما تعنيه له هذه الدلالات الرمزية على أنّ الخط المستقيم قد يحيلُ إلى الزمنِ أو إلى المسار الذي سلكه الإنسان ويحاولُ استعادته، فيما ترمز الدائرة إلى الذات أو العالمِ المغلق أو حتى اللانهاية. بينما تبدو النقطة بدايةً أو نهاية أو مركزاً للوجود. وهو ما يتسّق مع قرارِ الكهلِ بكتابةِ روايةٍ يقاوم بها النسيان، على دفترٍ كتب على غلافه عبارة: “الجدار يعلم، الكاتبُ ينسى، والدائرة تبتلع”. شخصيات غامضة ترتكزُ روايةُ الكهل الذي نسيَ، الى أكثر من ثيمةٍ واحدة، إذ تخوض بجرأة في مواضيع تاريخية وسياسية حسّاسة، مثل أحداثِ أكتوبر 1988 والربيع الأمازيغي في الجزائر. وإلى جانب هذا البعد السياسي، تحملُ الرواية همّ الكتابةِ وهاجسَ الإبداعِ في فصلٍ كاملٍ عنونهُ سمير ب”دائرةِ الكتّابِ المجهولين”. ورغم تعدّد الثيمات، يظل العمل مصنّفاً بالدرجةِ الأولى كروايةٍ نفسيةٍ لأنّ معظم الأحداثِ المروية تتدفق من ذاكرةِ شخصيةٍ مريضة ومشتّتة، تتأرجح وقائعها بين الرمزية والغرائبية. الروائي سمير قسيمي (صفحة فيسبوك) تبدو جميعُ شخصياتِ هذا العمل ضبابية ولا تظهرُ بهويةٍ ثابتة أو سماتٍ واضحة. فعلى سبيلِ المثلِ، يصفُ الراوي “عبد الله” كصديقٍ مقرّب له، ثمّ ينسبُ الاسمَ لنفسهِ لاحقاً، مشيراً إلى تشابه الأصوات بينهما لدرجة أنّه صار يسمعُ أفكارهُ تقالُ على لسانِ عبد الله، فيعبّر بقوله: “كل حكايةٍ أرويها تختفي من ذاكرتي لتصبح حكايته”. ويؤكّد الكهلُ هذا التلاشي لاحقاً عن عبد الله، أنّه اختارَ البقاء في ومضاتهِ ليتساءل: “هل يختفي الظل حقاً؟ أم يجد جسداً آخر ليتشبث بهِ؟”. من جهةٍ أخرى، يذكرُ الكهلُ، الطبيب ياسين كمعالجه النفسي، بينما يعرّفُ الأخير نفسه كطبيب برتبة نقيب في الجيش الشعبي الوطني، عيّنَ بأمرٍ عسكري. ويعترضُ على بعضِ ما يرويه الكهل وينفيه، كقوله: “أنا لم أخبرهُ بأنّني التقيتُ بأمّه، ولا قصصتُ عليهِ أياماً من طفولتهِ، ولم تكن أولى جلساتنا كما صوّرها على الإطلاق”. أمّا شخصيةُ خديجة، فتظهرُ في البداية كموظفةِ استقبالٍ غريبة، ثم ممرضةٍ في المصحة وحبيبةٍ سابقة للكهلِ في شبابهِ، ويصفها كذلك كبطلةٍ طارقية في لوحةٍ للرسّامِ خالد بوكراع. وتبقى شخصيةُ “أغالو أمت” الأكثر غموضاً، مثلَ أحجيةٍ يطرحها سمير قسيمي منذ بداية الروايةِ، عبر خربشاتِ الكهلِ المريضِ وهلوساتهِ، كاشفاً عنها في كلّ مرةٍ معلومة جديدة إلى غاية اكتمالِ الصورةِ عنه واتضاح علاقته المباشرة بهِ وبوجودهِ في المعتقل. انتفاضة أمازيغ الصحراء يمنحُ سمير قسيمي للأنثى حضوراً باهتاً ومساحةً ضئيلةً، بحيثُ تغيبُ تماماً في الفصولِ الأولى والقسمِ الأكبر من الرواية، كما لو كانت الأحداثُ تدور في فلك شخصياتٍ ذكورية فقط إلى غايةِ ظهورِ خديجة، الطالبة السمراء من أصول صحراوية، تنحدرُ من مدينةِ تمنراست، وابنةُ المناضل في الحركةِ الأمازيغية. من خلالِ هذهِ الشخصية وما تحملهُ من ثقلٍ أيديولوجي، يتناولُ الكاتب موضوع الربيع الأمازيغي من وجهةِ نظرٍ مغايرة عمّا هو مألوف. اقرأ المزيد سمير قسيمي يجعل من السلحفاة بطلة نسائية الجزائري سمير قسيمي يواصل لعبة السرد الفانتازي في جو سوداوي ففي حين يُعرف أنّ غالبية الأمازيغ الذين ناضلوا للاعترافِ باللغةِ الأمازيغية في الجزائر كانوا ينتمون إلى منطقةِ القبائل، يختار قسيمي شخصيةً من أقصى جنوب البلاد، طوارق تمنراست الذين عرفوا بوجودهم التاريخي والثقافي العريق، واعتزازهم بالهوية الأمازيغية كبعد “هوياتي” أكثر منه انخراطاً في حراكٍ سياسي مؤثّر. تشجّع خديجة حبيبها الصحافي على تبني القضية الأمازيغية، على خطى مولود معمري، قائلةً له إنّه وحدهُ من يستطيعُ الكتابة يستطيعُ أن يكونَ حارساً للذاكرة. من كتبَ سيرةَ الآخر: الكاتب أم الشخصية؟ من المفارقاتِ التي تستدعي التوقف عندها في روايةِ “الكهلِ الذي نسيَ”، هي تبادلُ الأدوارِ بينَ الروائي وشخصيتهِ الرئيسة. فمِنَ المفترضِ أن يكتبَ سمير قسيمي سيرةً للكهل، لكنّنا على خلاف ذلك نجد الكهلَ يؤلفُ سيرةً أخرى لسمير قسيمي. في الوقتِ نفسهِ، تؤدي تقنية الميتا سرد في هذا العمل وظيفةً تتجاوزُ هندسة البنية السردية وتداخل النصوص، إذ يمنح الكاتب الشخصيةَ اسمَ سمير، ويرسمها بدقة لتتقاطعَ معَ حياتهِ الشخصية في عدّة تفاصيل حقيقية معروفة عن الكاتب. الشخصية الروائية تقيم في الجزائر العاصمة، وتبلغ من العمرِ خمسين عاماً ودرست الحقوقَ أيضاً وعملت في مجالِ الصحافة. ويذكر في محيطها اسم الشاعر خالد صالح والرسام خالد بوكراع ، كما تردُ عناوين روايات قسيمي مثل “تصريح بضياع” و”في عشق امرأةٍ عاقر”. ولعلّ الرواية محمّلة بتفاصيل واقعية أخرى يتعامل معها القارئ على أنّها متخيّلة! هذه اللعبة الفنية تدعونا إلى التساؤل: من كتبَ سيرة الآخر؟ الروائي أم الشخصية؟ وبالعودةِ إلى حواراتِ سمير قسيمي الصحافية، نقرأ لهُ كلاما، لا يذكّرنا بأحد سوى “الكهل الذي نسيَ”، فيقول: “عشتُ طفولةً مرهقة بالكاد أذكر عنها شيئاً وكل ما أذكره منها مشهدان أو ثلاثة، شطبت منها متعمداً كل الوجوهِ إلاّ وجه أمي”. المزيد عن: روائي جزائري رواية المصحة النفسية الشخصيات الغامضة الكهل لعة السرد 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post النساء الليبيات حارسات الهوية الغذائية في عيد الأضحى next post عندما نأى إميل زولا عن تياره الأدبي “الطبيعي” You may also like “فلاسفة مقاومون” يبددون القلق الوجودي في زمن العنف 28 مايو، 2026 عندما نأى إميل زولا عن تياره الأدبي “الطبيعي” 28 مايو، 2026 قرية النبي صموئيل… هكذا تنسف إسرائيل هوية فلسطينية... 27 مايو، 2026 … وفي هوليوود ثورة قادها أصحاب اللحى 27 مايو، 2026 ليلى مراكشي تلاحق أصوات العاملات المنسيات في “توت... 27 مايو، 2026 مرصد المجلة للأفلام… جولة على أحدث عروض السينما... 27 مايو، 2026 “أوراق من حياتي” تكشف عن الوجه الصوفي لفيكتور... 27 مايو، 2026 ذكريات توفيق صالح الباريسية: ثرية ومبتورة 27 مايو، 2026 فنون الحج بمصر… تراث في محبة الرحلة 27 مايو، 2026 إصدارات.. نظرة أولى 27 مايو، 2026