مشهد من فيلم _الكاتب الشبح_ لبولانسكي (موقع الفيلم) ثقافة و فنون “الكاتب/ الشبح” يعيد اختراع السينما السياسية وينعى المهنة by admin 2 يوليو، 2025 written by admin 2 يوليو، 2025 73 عن رواية دنا فيها المؤلف روبرت هاريس من جوهر مفهوم التلاعب واستبق تكنولوجيا الغد وقدمه المخرج رومان بولانسكي بروح هيتشكوكية اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب هو واحد من تلك الأفلام التي في حديثها عن راهن ما، تنظر بعيداً إلى الأمام لتستشرف أزمنة مقبلة، حتى من دون أن تكون هي نفسها قد قصدت ذلك. ولعل هذه الحكاية تبدأ هنا من عنوان الرواية الذي سيكون هو نفسه عنوان الفيلم، والذي إذ نشاهد الفيلم نفسه اليوم بعد عقد ونصف العقد من عروضه الأولى، لن يرن في أذنينا كموضوع خرافي، كما قد يوحي عنوانه بالنسبة إلى الذين لا يعرفون دلالة مصطلح “الكاتب/ الشبح” في اللغة الإنجليزية، وهو أمر سنعود إليه على الفور، ولكن بعدما نستكمل الفكرة الأخيرة لنقول بأن العنوان، والموضوع المنطلق منه، سيبدوان لنا اليوم أشبه بورقة نعي لمهنة معينة. في اللغة الإنجليزية يشير المصطلح إلى أولئك الكتاب الذين يضعون موهبتهم اللغوية والأسلوبية في خدمة أفراد أكثر ثراءً ومكانة وطموحاً، يتوقون إلى كتابة مؤلفات في حقول معينة فيستأجرون الكتاب – الأشباح للقيام عنهم بالمهمة. ومن هنا بالطبع يصبح لقب من يفعل ذلك، الكاتب الشبح يقابله في الفرنسية “الزنجي” لأسباب تعصى علينا معرفتها، فيما يتعلق بالتسمية الفرنسية في الأقل، ولن نهتم هنا بمعرفتها على أية حال. بالنظر إلى أن هذا الاهتمام ينصب على الفيلم الذي يحمل “المصطلح” عنواناً له. وأشرنا إلى أنه لم يكن حين ظهر الفيلم يحمل من الدلالة “المقابرية” ما يبدو أنه يحمل اليوم. فحين ظهور الفيلم لم يكن الذكاء الاصطناعي قد انتشر بعد وباتت له الشعبية التي يتمتع بها اليوم، ولكن ما دخل الذكاء الاصطناعي في الأمر؟ المخرج رومان بولانسكي (ويكيميديا) نهاية معلنة لمهنة ما ليس ثمة في الحقيقة علاقة مباشرة. كل ما في الأمر أن الفيلم الذي حققه رومان بولانسكي عن رواية لروبرت هاريس، وقام ببطولته إيوان ماكغريغور وبريس بروزنان، يتحدث عن مهنة الكاتب الذي يستأجره المؤلفون ليكتب لهم نصوصهم. واليوم باتت هذه المهنة في سبيلها إلى الاختفاء تماماً كما حال عدد كبير من المهن الأخرى التي سيحل الذكاء الاصطناعي محل القوى البشرية في القيام بها. فالجديد هنا هو أن في الإمكان اليوم الطلب من الذكاء الاصطناعي أن يكتب أي نص على الإطلاق ولن يكلف الأمر صاحب الطلب شيئاً، بل سيمكنه حتى أن يتوقع من الشبح الحقيقي الرابض في أعماق التليفون المحمول هذه المرة، أن ينجز في أقل من دقائق عملاً قد يستغرق من الكاتب/ الشبح – الذي هو إنسان حقيقي وذو موهبة حقيقية ويمكنه أن يتكتم على هويته حين ينجز مهمته – أشهراً طويلة. صحيح أن الفيلم نفسه لا يبحث في هذا المصير، لكنه يستخدم المصطلح على سبيل الطرافة، غير دارٍ بأن الأزمنة التالية لظهوره ستجعل للعنوان دلالة مغايرة يمكن القول إنها لم تكن أبداً من سمات تلك العنونة. ومع ذلك يمكن القول إن في مقدورنا أن نلمح بعض إرهاصات هذا الموضوع في سياق الفيلم نفسه كنوع من مبدأ “رمية من غير رامٍ”، إذ إن في بعض مشاهد الفيلم لجوءاً إلى ما استبق الذكاء الاصطناعي من قدرة آلية على تحديد المواقع، ودور يلعبه التطور التكنولوجي المقبل في تبادل الرسائل وما يشبه ذلك، ولكن دائماً على صورة هوامش على حبكة الفيلم الأصلية التي هي حبكة سياسية أولاً وأخيراً وتتعلق بالصراعات على السلطة ومناورات كبار هذا العالم ولكن دائماً، بالنسبة إلى معظم مشاهد الفيلم انطلاقاً من جزيرة تكاد تكون مكاناً مغلقاً تتجابه فيها الأطراف المتصارعة، وتنمو فيه الصراعات في فضاء يكاد يكون مهجوراً، لتصب في المشهد الأخير وسط المدينة والعواصف العاتية بكل معنى الكلمة كما سنرى بعض سطور. غلاف “الكاتب الشبح” لروبرت هاريس (أمازون) التلاعب من حول كتاب وعلى عكس ما كان من شأننا أن نتصور بفعل ما جاء أعلاه، لا بد من التأكيد الآن أن موضوع الفيلم، والرواية من قبله، يدور من حول كتاب بالمعنى البالغ التقليدية للكلمة. كتاب يريد رئيس حكومة سابق، في بريطانيا بلا ريب، هو آدم لانغ – بريس بروزنان الذي يبدو هنا نسخة متطورة من توني بلير – يريد أن يصدرها باسمه فيلجأ، كما حال معظم السياسيين في حالات مشابهة، إلى استئجار كاتب/ شبح يحدث له أن يموت “انتحاراً” قبل أن ينجز المخطوطات نهائياً ويكون من الضروري الاستعانة ببديل له سيكون ماكغرغور، الذي يُدعى إلى الإقامة على تلك الجزيرة البعيدة المهجورة التي يقيم رئيس الحكومة المذكور فيها، في أوقات استراحته، حيث يمتلك فيلا ضخمة وبالغة الأناقة في أجمل زوايا الجزيرة. وتدور الأحداث هناك على أية حال، بيد أنها ليست في الحقيقة أحداثاً ذات بال، إذا استثنينا الحراك الذي يقوم به الكاتب وقد راحت شكوكه تستثار على الطريقة الهيتشكوكية، ومن خلال إشارات غامضة واكتشافات صغيرة ورسائل غفلة، تثير لديه كثيراً من الشكوك مع أنها ستبدو كثيرة ضروباً من التلاعب تريد أحياناً أن توصله إلى استنتاجات ما، وفي أحيان أخرى أن تبعده عن استنتاجات أخرى، علماً أن بعض تلك الإشارات والرسائل يتعلق بما يراد له أن يبدو حقائق تتجاوز الكتاب لتصب في انتحار الكاتب السابق. بالطبع لن نتوقف طويلاً عند هذه التفاصيل، على رغم أنها ليست في حقيقتها تفاصيل، إذ ستبدو في نهاية الأمر، سواء كانت ناتجة من تلاعب واضح، أو عن أحسن النيات الراغبة إلى رفع الظلم عن الكاتب “المنتحر”، ستبدو جزءاً أساساً ليس فقط من الفيلم، بل من الكتاب الذي سيحمل مواقف رئيس الحكومة السابق… وتبعاً، كما سيبدو، لاكتشافات مدهشة، وربما مرعبة أيضاً كان الكاتب السابق قد توصل إليها وتتعلق بالعلاقات بين المال والسياسة والرغبات الفاسدة في التمسك بالسلطة والحقائق الكامنة في خلفية صنع السياسة والسياسية. والحال، إن هذا كله يحول الفيلم من عمل بوليسي سياسي شيق على طريقة روبرت هاريس، إلى أطروحة سياسية في الحكم والحاكمين، ويعطيه تلك النكهة التي يتقن رومان بولانسكي عادة تزيين أفلامه بها، ولا سيما حين يحلو له أن يتذكر، كما حاله في هذا الفيلم أنه تلميذ نجيب لسينما هيتشكوك وسينما كوستا غافراس في آنٍ معاً. عواصف قاتلة ولعل المشهد الأخير الذي يختتم الفيلم ويدور في قاعة احتفالات لندنية شديدة الحداثة والأناقة، حيث يتجمع السياسيون والإعلاميون وشتى أنواع رجال العصابات السياسية والشركات الأممية، لتقديم الكتاب الذي سيفتخر به آدم لانغ معتبراً إياه طريقه المعبدة الآن للعودة إلى السياسة، لعل هذا المشهد، يضعنا في قلب أسلوب بولانسكي في مقاربة السياسة والتشويق السينمائي معاً، حيث وسط المجموع يظهر الكاتب/ الشبح الذي يجب أن يختفي تماماً، كي يعتقد الجمع أن آدم لانغ هو المؤلف الحقيقي للكتاب. يظهر وهو يتأبط المخطوط الحقيقي الذي أنجزه وقد عزم على أن يفضح فيه كل الحقائق الدامغة التي توصل إليها، لكنه يخفق في مسعاه، وتحديداً بفعل عاصفة سياسية كادت تنفجر في وجهه، ولكن أيضاً بفعل عاصفة مناخية تسلبه صفحات الكتاب الذي يتطاير في كل مكان ليختفي بدوره. المزيد عن: فيلم الكاتب الشبحرومان بولانسكيروبرت هاريسإيوان ماكغريغوربريس بروزنانالذكاء الاصطناعي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عقار جديد مبشر لمرضى السكري بجرعة إنسولين أسبوعية next post “حساء فيلة” و”لحم جرذان”… ماذا أكل الفرنسيون خلال حصار باريس 1870 You may also like السينما الإيرانية الجديدة ولدت من قلب الرقابة 10 مارس، 2026 فاطمة أيديمير تروي دراما الاغتراب في أوروبا 10 مارس، 2026 أدورنو يحتج على تشييء الفنون وابتذالية الفكر الاحتجاجي 10 مارس، 2026 “البحث عن الإمبراطور” رواية استشرفت سقوط الاتحاد السوفياتي 9 مارس، 2026 الحرب على سرير التحليل النفسي والثقافي 9 مارس، 2026 “ثلاثمئة حكاية” لفرانكو ساكيتي: وقائع إيطالية في زمن... 9 مارس، 2026 زيارة رمضانية إلى دوستويفسكي عن الجوع الاختياري 9 مارس، 2026 ندى حطيط تكتب عن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن... 9 مارس، 2026 “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026