فردريك نيتشه (1844 – 1900) (مواقع التواصل) ثقافة و فنون العودة المتأخرة لما يمكن اعتباره جذورا فكرية لفلسفة فردريك نيتشه by admin 20 November، 2025 written by admin 20 November، 2025 83 حين كان “فيلسوف المشاكسة الأكبر” يوزع وقته وطاقته بين فلاسفة الإغريق اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب كان ذلك قبل فترة من المرحلة التي أصبح فيها الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه مفكراً معترفاً به، وبالطبع قبل زمن طويل من إصابته بالجنون الذي انتهت إليه حياته وختم إبداعه الفكري مبكراً. كان ذلك في الزمن الذي بدأ فيه نيتشه الكتابة، ولكن ليس على صورة كتب ودراسات وأبحاث غاية في العمق وجزالة اللغة ومشاكسة على كل ما هو سائد قبل أي شيء آخر. وبالتحديد يوم كان يكتب نصوصاً قصيرة ومتوسطة الطول لم يعبأ لاحقاً بجمعها في كتب، وإن كانت معظم أفكار كتبه التالية وحتى نهايات وعيه ومساره التأليفي، قد استندت إليها. ومن هنا لئن كان نيتشه قد رحل عن عالمنا من دون أن يضع لتلك المجموعات من المقالات أطراً تنظيمية تحريرية متكاملة، فإن “نيتشويين” أوفياء لذكراه وحريصين على ألا تضيع كلمة من كلماته، تمكنوا أخيراً وبعد قرن وأكثر من ربع قرن مضت على رحيله، من جمع عدد كبير من تلك النصوص في كتاب سرعان ما بات يشكل جزءاً أساسياً من المكتبة النيتشوية. وهذا الكتاب صدر أخيراً مترجماً إلى الفرنسية بعنوان في منتهى البساطة، وإن لم يكن “نيتشوياً” بما فيه الكفاية هو “العبادة الإغريقية، كتابات فيلولوجية” كجزء 12 من مجموعة كتابات حول الفيلولوجيا، أي علم دراسة الفلسفة، وهو الصنف الفكري الذي تربى عليه نيتشه في الجامعة وقام بتدريسه لاحقاً. وصيغ الكتاب انطلاقاً من مجموعة مخطوطات نشرتها دار “الآداب الجميلة” الفرنسية. دراسات معمقة وغريبة ومن المعروف بصورة عامة أن نيتشه وحتى من قبل أن يدرس الفلسفة، عند بداية مساره الفكري في بازل السويسرية كان فيلولوجياً، علماً بأن النصوص التي كتبها خلال تلك المرحلة لم تنتشر انتشار كتبه الكبرى مثل “جينيالوجيا الأخلاق”، و”إنساني، إنساني أكثر مما يجب”، أو حتى “هكذا تكلم زرادشت”. بل إن عدداً من تلك النصوص لم يترجم إلا منذ سنوات قليلة إلى لغة غير الألمانية التي كتبت فيها. ومن تلك النصوص هناك خاصة دروس حول العبادة الإغريقية التي تشكل على أية حال متن هذا الكتاب الصادر أخيراً. ولا بد من الإشارة أولاً إلى ما أجمع عليه المعلقون على الكتاب من أن الدراسات الواردة فيه حول كل ما يتعلق بضروب العبادة الإغريقية “يبدو ساحراً” بالطريقة التي استعرض بها المفكر الذي كان في أوج جبروته الفكري حينها، هو الذي يفتتح دروسه تلك، والكتاب بالتالي، بعبارة شديدة الوضوح والحماسة، يقول فيها “لم يعرف التاريخ أية عبادة تماثل عبادة الإغريق، التي يمكن اعتبارها فريدة من نوعها في التاريخ والعالم من ناحية جمالها وأريحيتها وتماسكها. بل من ناحية كونها تشكل أعظم استكمال لذهنيات متابعيها”. والواقع أن ما يسعى إليه نيتشه من خلال دراسته هذه العبادة، إنما كان، كما تقول مقدمة الكتاب: “استعادة الجذور الما – قبل – تاريخية للذهنية الإغريقية”، والبرهنة على أن “الأدب الكلاسيكي برمته إنما تطور على أرضية تلك العبادة نفسها”، أي أرضية العبادة غير الصافية بالنظر إلى أنه في صلبها يختلط الدين بالخرافة، والنزعة الروحية بالسحر. وللوصول إلى هذه الغاية يغوص كاتبنا في دراسة وتحليل بنى المعابد، بقدر ما يفعل مع طقوس التطهر أو التطويب أو الأضاحي، إلى نشاط العرافين ودورهم والجنازات في ممارساتها الأكثر غرابة، وصولاً إلى سحنات رجال الدين وتصرفاتهم اليومية. سقراط مفسد أكبر في رأي نيتشه (مواقع التواصل) نيتشه واليونان والحقيقة أن هذا كله يعود بنا لحضور اليونان في فكر نيتشه على مدى مساره الكتابي، إذ نعرف أن ليس هناك فيلسوف حديث ارتبطت هويته الفكرية باليونان بقدر ما ارتبطت هوية نيتشه. فقد رأى نيتشه في الإغريق مرآة لروح أراد أن يستعيدها لا بوصفها ماضياً كلاسيكياً مجيداً، بل بوصفها طاقة وجودية خام، تسبق العقلانية وتتفجر بالحياة. لم تكن اليونان بالنسبة إلى نيتشه مدرسة للانضباط العقلي، بل أرض الميلاد الأولى للمأساة والإنسان الذي يواجه العالم بقوة الجسد والروح، لا بمنطق التجريد وحده. ومن هنا تصبح دراسة علاقة نيتشه بالفكر اليوناني مدخلاً لفهم فلسفته نفسها: انحيازه للرغبة الحرة على حساب القيود المكبلة، وللغريزة المنطلقة على حساب التدجين، وللمأساة على حساب المثالية الأفلاطونية. ولعل في هذه الأبعاد يكمن ما يقوله المؤرخون من أن الإغريق كانوا دائماً بالنسبة إلى نيتشه غاية أحيائية لا دراسة، وغوصاً سلوكياً لا تأملاً نخبوياً عن بعد. ونعرف أن علاقة نيتشه بالفكر اليوناني بدأت مبكراً إذاً، حين كان استاذاً شاباً للفيلولوجيا كما أسلفنا. بيد أنه لم يكن فيلولوجياً بالمعنى الضيق للكلمة، لم ير النصوص القديمة مجرد مادة للتحليل اللغوي، بل بوابة تقوده إلى مزاج حضاري أراد له أن يعود للحياة. لقد رأى نيتشه الإغريق باعتبارهم أول من فهم الإنسان في تعدديته، كقوة واندفاع ورغبة من ناحية، وكعقل وفن وتشريع من ناحية أخرى. وكان يرى أن هذا التوازن ضاع تماماً بعد سقراط، حين سيطرت روح الجدل على روح الحياة. بين ديونيزوس وأبولو في كتابه المبكر “مولد التراجيديا” يبني نيتشه نظرية متكاملة تربط الفكر اليوناني بقوتين رمزيتين “متعارضتين”، يمثل أولاهما “ديونيزوس” إله الخمر والنشوة والرقص، رمز الانبعاث والفوضى واتباع الغريزة، ويمثل الثانية “أبولو” إله النور والفن المتوازن، رمز الشكل والوهم الجميل. ويرى نيتشه أن التراجيديا الإغريقية العظيمة إنما ولدت من توتر خلاق بين هاتين القوتين، حيث “أبولو” يعطي الشكل، و”ديونيزوس” يمنح العاطفة والفيض، والإنسان لا يكون إنساناً إلا حين يحتضن القوتين معاً. وفي هذا الاحتضان “يمكننا العثور على جذور العقلانية الغربية: إذ اتجه التاريخ في رأيه إلى تضخيم الأبولونية على حساب الديونيزوسية، أي إلى قمع الغريزة لصالح العقل، وترويض الحياة لصالح المفهوم. وإلى ذلك اعتقد نيتشه أن الفلسفة الإغريقية انحرفت عن مسارها الحيوي مع سقراط، ومن هنا فإن هذا الأخير ليس بالنسبة إلى فيلسوفنا المعاصر بطلاً للحكمة، بل أول مفسد لغرائز الإنسان بالنظر إلى أنه هو كان من أكد أن العقل هو سيد الحياة، وأن الفضيلة لا تقاس إلا بالمعرفة، وأن الانفعالات التي اعتادت أن تكون حرة، يجب أن تخضع للمنظومة الأخلاقية. وبهذا بدأ العصر السقراطي الذي حلت فيه مركزية العقل، محل قوة الأسطورة”. وبحسب نيتشه فإن موت التراجيديا بدأ من هنا بالذات، لأن الإنسان خسر احتفاءه بالمأساة، وفقد شجاعته في مواجهة الوجود من دون تفسيرات عقلية مريحة. من هنا نفهم لماذا صرخ نيتشه ذات يوم قائلاً إن “سقراط هو رمز الانحطاط الأول في تاريخ الروح الإغريقية”. في السياق نفسه بالتالي، لم يبد نيتشه أيما إعجاب بأفلاطون ولا بمثالياته، بل كان مولعاً بيونان ما قبل الفلسفة. كان مولعاً بهوميروس، وهسيود والشعراء الذين تمردوا على الآلهة، والأساطير التي تقدس الصراع، وصولاً إلى الأرواح التي لا تخجل من قوة الجسد. وهذه اليونان “البدائية” هي بالتحديد ما أراده نيتشه نموذجاً للإنسان الأعلى، أي الكائن الذي يعيش بدافع الخلق لا بدافع الخوف أو الأخلاق المفروضة. ومن هنا جاءت مركزية فكرة “العود الأبدي” و”إرادة القوة” في الفلسفة النيتشوية، إذ لا ينظر نيتشه إلى العالم كنظام عقلاني، بل كصراع متواصل، وما على الإنسان إلا أن يقبل هذا الصراع كشرط للوجود. المزيد عن: فريدريك نيتشهسقراطأفلاطونالفلسفةآلهة الإغريقاليونان 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الذكاء الاصطناعي يساعد في تشخيص وبحوث مرض ألزهايمر next post “ظلال التيتانيك” تطرح سؤال الهجرة اللبنانية إلى أميركا You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026