الجمعة, مارس 6, 2026
الجمعة, مارس 6, 2026
Home » الشاعرة والروائية فينوس خوري غاتا عاشت حياة بين لغتين

الشاعرة والروائية فينوس خوري غاتا عاشت حياة بين لغتين

by admin

 

اللبنانية الفرنسية جعلت من المنفى وطناً ومن الشعر ذاكرة للعالم

اندبندنت عربية / مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN

.

تركت فينوس خوري غاتا ما يقارب 38 مجموعة شعرية، و27 رواية، وأربع مجموعات قصصية، ظل الألم فيها حاضراً حضوراً ثابتاً. ففي كتاباتها لم تتوقف خوري غاتا عن الحديث عن بلدها وحياتها وماضيها وتجربتها المعيشة، مستكشفة من خلالها توهج القصيدة، ورسوخ الرواية، وكثافة القصة القصيرة.

لمع اسم فينوس خوري غاتا في المشهد الأدبي الفرنسي كصوت استطاع أن يحول التجربة الشخصية، بما فيها من فقدان وألم ومنفى، إلى لغة إنسانية مشتركة، تجاوزت الحدود الثقافية والجغرافية وخاطبت القارئ أينما كان. كل كتبها التي استقت على نحو واسع وعميق من ذاكرتها الشخصية، منذ صدور مجموعتها الشعرية الأولى “الوجوه غير المكتملة” ساءلت دور الأمم ومعنى اللغة والثقافة في العالم المعاصر، معيدة تعريف هذه المفاهيم انطلاقاً من الإنصات إلى مصائر الكائنات المسحوقة بثقل القدر. وقد تبلورت وجهة مشروعها الأدبي في يقظة إنسانية وسياسية ولدت من رحم أزمات العائلة والشرق الأوسط والحرب الأهلية اللبنانية. لذا جاهرت بلا هوادة برفض هوس الحدود، وبإدانة الحرب والموت، باسم اللقاء الضروري بين الثقافات، ذاك اللقاء الذي رأت فيه الضمان الأخير للأمل وللتضامن الإنساني الكوني.

الشاعرة والروائية اللبنانية الفرنسية فينوس خوري غاتا (دار أكت سود)

في روايات فينوس خوري غاتا كما في أعمالها الشعرية، تأسيس لحوار متواصل بين محنة الجماعة ونداء التجربة الفردية، حوار غذته مخيلة خصبة استمدت مادتها من الواقع اللبناني، ومن الثقافة العربية، ومن الأدب الفرنسي، ومن الأسطورة اليونانية، ومن عوالم أميركا اللاتينية، لتزدهر عبر الجسور التي تشيد، نصاً بعد نص، وقصيدة بعد قصيدة، بين الثقافات، محولة التعدد إلى فضاء للخلق والمعنى. فمنذ صدور “بيت على حافة الدموع” و”بيت القراص”، مروراً بـ”حيرة الأرواح التائهة” و”كانت العروس على ظهر حمار” وصولاً إلى “من الذي يتكلم باسم الياسمين”، جمعت خوري غاتا بين السيرة الذاتية، القائمة على الإحساس بالفقد والمحن الجماعية، انطلاقاً من هاجس فلسفي ومن تأمل في الماضي، محاولة تخفيف وطأة الموت وتدعيم الذاكرة المهددة بالتشظي بفعل الزمن.

“صوت الأشجار”

تتصدر”الإليجيا” قصائدها من غير أن تغرقها في إبراز المشاعر الحميمية وفي الأساليب البلاغية والتعابير المستعملة باستعارات مقتبسة من اللغة العربية ومن يومياتها، يهيمن عليها موضوع التلاشي والموت والاندثار، كأن تكشف “الوجوه غير المكتملة” عن حبها الذي لم يهدأ لحبيبها ولمدينة بيروت، أو ترسم “أراض راكدة” على نحو إيحائي، لوحة من حياتها الزوجية والعائلية، ومن وطنها الأم المدمر بالحرب، أما “صوت الأشجار” فيعرض ألم رحيل الأشجار بوصفها كائنات عزيزة مضت إلى عالم آخر، ورحيل البيوت المنهكة بالحرب، أو الأبواب “المطروحة أرضاً” تحت وطأة العار.

“الكلمات كانت ذئابا”مختارات شعرية (دار غاليمار)

وتستلهم “ست قصائد رحالة” حياة أخيها المؤلمة وقسوة الأب، وتستحضر قصائد “نصب للغائب” الموت من خلال الشواهد الجنائزية في العصور الوسطى، أما “النهر” و”لمجرد الوجود” فيتحدثان عن “ضجيج” نهر بشري، بلدتها الأم، وعن بيوت مفجوعة في وطنها. وتجسد “سيدة سيروس” فتاة محبوسة في حجر تمثال رخامي، راقدة تحت الأرض منذ أكثر من 4 آلاف عام. ولا تبقى الشاعرة بمنأى عن المأساة اللبنانية، فديوان “ابتعدوا عن نافذتي” ما هو إلا رد شعري على فاجعة بيروت عام 2020، الذي تتقدمه قصيدة حملت عنوان “4 آب 2020 – بيروت”، إلخ.

سواء كانت الكتابة صرخة مكبوتة بالكاد، أم مسودة حدسية، فإنها تظل عند فينوس خوري غاتا موسومة بإرادة أداء دور الناقل للرسائل التي تترجم رؤيتها للعالم وللكينونة، انطلاقاً من تجربتها الذاتية الخاصة.

ولدت فينوس خوري غاتا في بشري شمال لبنان، في بيئة ريفية جبلية ظلت حاضرة في كتاباتها كخزان للصور والرموز والإيقاعات. نشأت في بيت منقسم لغوياً وثقافياً: أب فرنكوفوني عمل كمترجم في ظل الانتداب الفرنسي، وأم تنتمي إلى عالم فلاحي شفهي، مشبع بالحكايات والأساطير والأمثال الشعبية، لكن هذا الانقسام المبكر بين لغتين وعالمين لم يكن شرخاً أو عبئاً ثقافياً، لعله تحول لاحقاً إلى نواة مشروعها الأدبي، القائم على التوتر الخلاق بين العربية بوصفها لغة الذاكرة الأولى، والفرنسية بوصفها لغة الكتابة والاختيار.

معنى الهشاشة

“ما يبقى من الرجال” (دار أكت سود)

منذ طفولتها، عرفت فينوس خوري غاتا معنى الهشاشة والعنف الرمزي، فارتبطت باللغة ملاذاً وحصناً، في مقابل تعقيدات الواقع العائلي والاجتماعي، ولعل علاقتها بوالدها العسكري القاسي، وحضور أمها الطاغي، ثم تجربة فقدان الأخ الشاعر، شكلت عناصر تأسيسية في وعيها الإبداعي ومحاور مركزية في أعمالها الشعرية والسردية، فجراح الطفولة كانت مؤسسة في حياتها، لذا راحت تتناسخ في معظم أعمالها شعراً وسرداً روائياً، ولأن الكتابة لم تكن عندها ترفاً جمالياً أو لعبة لغوية، فقد كانت ضرورة وجودية، ووسيلة للبقاء وفعلاً من أفعال مقاومة الانهيار الداخلي، هكذا صرحت الشاعرة مراراً، مؤكدة أن الكتابة أنقذتها من اليأس والجنون.

مع اندلاع الحرب اللبنانية وجدت خوري غاتا نفسها في مواجهة لحظة تاريخية كبرى، غادرت لبنان إلى فرنسا، واستقرت في باريس، حيث كتبت معظم أعمالها وتزوجت بالطبيب والباحث الفرنسي جان غاتا. غير أن هذا المنفى لم يكن، في يوم من الأيام، قطيعة مع الوطن وذكرياته ورائحة ترابه وأساطيره، بل شكل شكلاً آخر من أشكال الحضور، فلبنان ظل يسكن نصوصها جرحاً مفتوحاً، وذاكرة جماعية، وعالماً رمزياً تتقاطع فيه الأسطورة بالتاريخ، والعائلة بالحرب، والخاص بالعام، فكانت تعود إليه، مشدودة بخيط الكتابة، على رغم الألم والحزن والغضب، وأحياناً الشعور بالذنب. ولئن كانت كتاباتها الشعرية والروائية استعادة للماضي، فإنها نجحت في ربط الحاضر بالماضي، وشرق الطفولة بغرب الإقامة، والعالم المتخيل بالواقع المعيش، كذلك نجح قلمها المقيم على تقاطع ثقافتين والمتنقل بين لغتين في خلق أسلوب خاص سعى إلى تحويل المعاناة إلى صور رمزية ذات طابع خيالي يحتفل أحياناً بالحياة.

اختارت فينوس خوري غاتا أن تكتب بالفرنسية التي غدت بالنسبة إليها أداة مقاومة تتيح لها إبعاد الموت، والتصالح معه، ثم تجاوزه، لكن هذه “اللغة” لم تكن لغة “نقية” مطابقة لمعايير الثقافة الباريسية، فقد عملت على “تهجينها”، مدخلة في نسيجها إيقاعات وزخارف عربية، سواء على مستوى التراكيب اللغوية والصور والمنطق الشعري. كانت تقول إنها تكتب بالفرنسية، لكنها “تسترق النظر” دوماً إلى العربية، وكأنها تعبر حدوداً خفية مع كل جملة، فلغة موليير ليست بعرفها بديلاً عن العربية، إنها الفضاء الجديد لإعادة تشكيل الذات والذاكرة والهوية، فهي لغة الآخر التي استطاعت التعبير من خلالها عن جراح الروح وندوبها العميقة، بفضل ما تختزنه من طاقات لغوية وشعرية.

رواية “العائدة” (فناك)

هكذا تحولت الكتابة بالفرنسية المطعمة بنفس عربي عند خوري غاتا إلى فعل مقاومة ضد النسيان، وإلى وسيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فتميز شعرها الذي ينتمي إلى تيار الشعراء المحدثين في القرن الـ20، بنبرة خاصة جمعت بين الكثافة والشفافية، وبين العنف الرمزي والحنان الخفي.

الصور المفاجئة

قصيدتها غنائية، غالباً قصيرة، تعتمد على الصور المفاجئة والانزياحات الدلالية التي تستند إلى معجم غني يستحضر عناصر الطبيعة والجسد والموت والطفولة، فالشاعرة مولعة بالكلمات وبصياغتها، متمسكة ببساطة شكلها، عبر شعر حر، ذي أسطر قصيرة، بلا قافية ولا ترقيم. غير أن بساطة الشكل في أبياتها تخفي عملاً عميقاً على مستوى أسس الشعرية، إذ تجعل الشاعرة من مهمتها الكشف عن عمق الدلالة الكامن في الكلمات، غير أن هذه العناصر لا تستعمل استعمالاً زخرفياً، إنها تدخل في نسيج رؤية وجودية عميقة، يتجاور فيها الواقعي والأسطوري، واليومي والميتافيزيقي، والحياة والموت.

عملت خوري غاتا في كل قصائدها وسردياتها، على رغم استحضارها الماضي الأليم، على تحييد الشعور الفردي، فاتحة المجال أمام كتابة رثائية تجاوزت الذات، هكذا انتقل الألم في شعرها ورواياتها من انفعال مباشر إلى كتابة تأملية، أفسحت المجال لإعادة بناء الهوية، على المستوى الشخصي كما على المستوى الوطني، في سياق تاريخ وحياة شعب لبناني خبر مآسي الحرب وأهوالها.

أسهمت أشعارها واستعاراتها الأسطورية في توسيع أفق الوعي الوطني وبلوغ آفاق إنسانية كونية. ولعلها، كما أورفيوس الساعي إلى استعادة يوريديس من العالم السفلي، غاصت في ماضيها بحثاً عن الأحبة الذين رحلوا والذين شكلوا معالم تجربتها الوجودية، فأعادتهم إلى الوجود بالكلمات، مما قادها إلى مواجهة الموت والتصالح معه.

“سبعة حجارة للمرأة الخائنة” (فناك)

أما في رواياتها فقد استطاعت أن تجعل من اللغة الروائية فضاءً للتجريب الأسلوبي والتأمل الفلسفي، إذ تقاطعت تيمات الحرب والعائلة والجنون والسلطة الأبوية وقمع الجسد في سياقات سردية استلهمت التاريخ اللبناني، من دون أن تقع في فخ التوثيق أو الخطاب السياسي المباشر، ففي كتاباتها الشعرية والسردية لم يكن لبنان مجرد مكان، بل جرح مفتوح، وذاكرة جماعية، ومرآة لعنف العالم.

الذاكرة المزدوجة

إن مسألة الذاكرة الوطنية والذاتية احتلت في مجمل أعمالها موقعاً محورياً، على رغم أن الكتابة عندها مواجهة نقدية “نبشت القبور”، معيدة إحياء الأصوات المهمشة، كأصوات النساء والأطفال والمجانين والضحايا الصامتين، مما منح قصائدها ورواياتها بعداً نسوياً خفراً، لقد كتبت خوري غاتا عن المرأة بوصفها كائناً مقموعاً ومقاوماً في آن، وعن الجسد الأنثوي باعتباره ساحة صراع بين السلطة والرغبة، بين القانون والحرية.

نالت فينوس خوري غاتا اعترافاً واسعاً وحصدت جوائز أدبية مرموقة، وترجمت أعمالها إلى لغات كثيرة، منها الإنجليزية، والألمانية، والإسبانية، والعربية، والسويدية، واليونانية، والكورية، والتركية، غير أن شهرتها لم تقتصر على فرنسا والعالم الفرنكوفوني، بل امتدت إلى الفضاء العالمي، إذ قرئت أعمالها بوصفها نموذجاً للأدب العابر للحدود، القادر على تحويل التجربة المحلية إلى سؤال إنساني شامل.

تكمن قوة مشروع فينوس خوري غاتا الأدبي في قدرتها على الجمع بين الخصوصية والكونية، فهي تكتب عن لبنان، لكنها تكتب في الوقت عينه عن المنفى الإنساني، وعن العنف بوصفه بنية عالمية، وعن اللغة بوصفها بيتاً هشاً نسكنه ونقيم فيه موقتاً. لغتها الفرنسية تحمل إيقاعات العربية، وتستبطن خيالاً شرقياً واضح المعالم، مما يمنح نصوصها فرادة أسلوبية يصعب تصنيفها ضمن تيار أدبي واحد، فكل أحداث قصصها ورواياتها مستقاة من الواقع اللبناني، الذي تؤكد أنه لم يغادرها أبداً وأن عيناها تقفز في كل مرة تشرع في الكتابة لتعبر البحر الأبيض المتوسط، عائدة بها إلى البلدة الشمالية الواقعة على حدود الوادي المقدس وغابة الرز الخالدة وإلى نبتة القراص التي كانت موضوعاً لرواية ثم لمجموعة شعرية.

برحيل فينوس خوري غاتا يطوى فصل من فصول الأدب اللبناني في المهجر ويفتقد ضمير شعري ظل وفياً للضحايا والمنفيين، وللأصوات التي لا تجد من ينصت إليها. ستظل أشعارها ورواياتها، بما تحمله من كثافة شعرية وعمق إنساني، شاهدة على قدرة الأدب على تحويل الألم إلى معرفة، والذاكرة إلى فعل مقاومة، والكلمة إلى وطن بديل، واضعة إياها في مصاف الكتاب الذين استطاعوا أن يمنحوا للمنفى معنى، وللفقدان لغة، وللصمت صوتاً، وللموت حياة.

المزيد عن: روائية فرنكوفونية شاعرة لبنانية اللغة الفرنسية اللغة العربية  الأميركيون الوطنيون المنفى الوطن

 

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00