قاتل لبنانيون خلال الحرب السورية لسنوات بعضهم لمساندة للنظام وأخرون لمساندة المعارضة (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي) عرب وعالم “الحرب أسهل من العيش بعدها”… شهادات لبنانيين قاتلوا في سوريا by admin 18 يناير، 2026 written by admin 18 يناير، 2026 62 تبقى أعداد المشاركين فيها غير معروفة حتى الساعة ولكل منهم أسبابه الخاصة اندبندنت عربية / سوسن مهنا صحافية @SawsanaMehanna على رغم مرور أكثر من 14 عاماً على اندلاع الحرب السورية، لا يمكن التعامل معها كحدث مضى أو كملف أغلق. فما جرى في سوريا لم يتوقف عند حدودها، ولم ينتهِ بتبدل خرائط السيطرة أو سقوط أنظمة أو صعود أخرى، إذ تحولت الحرب السورية إلى زلزال إقليمي طويل الأثر، لا تزال ارتداداته السياسية والأمنية والاجتماعية تعيد تشكيل لبنان والمنطقة، وكأنها حرب مستمرة بأدوات مختلفة. في الحالة اللبنانية تحديداً، لم يكُن هذا البلد مجرد متفرج، بل كان طرفاً بصورة مباشرة وغير مباشرة، ذلك أن لبنانيين قاتلوا في سوريا من موقعين متناقضين، بعضهم ذهب لدعم نظام بشار الأسد ضمن معادلة إقليمية واضحة، وبعضهم الآخر قاتل دعماً للثورة السورية أو بدافع المظلومية والاصطفاف المذهبي. وهذا الانضواء حول لبنان من دولة تحاول النأي بنفسها إلى ساحة خلفية للحرب وإلى مخزن بشري وأمني للصراع السوري. ونتائج هذا التورط لم تكُن عسكرية فقط، بل أعادت صياغة التوازنات الداخلية اللبنانية، فالسلاح الذي عبر الحدود لم يعُد لها كما كان، والخطاب السياسي الذي تشكل في ساحات القتال عاد أكثر حدة وانقساماً، ولم تخرج الطوائف اللبنانية من الحرب السورية كما دخلت إليها، فكل بيئة عادت محملة بسرديتها الخاصة، هناك بيئة تعد نفسها انتصرت ومنعت سقوط محور، وأخرى تشعر بأنها خذلت وخسرت معركة كانت تراها وجودية، وثالثة وجدت نفسها محاصرة بين الخوف من الفوضى والخشية من الهيمنة. منطق المحاور على حساب الحدود السيادية إقليمياً، رسخت الحرب السورية منطق المحاور وكسرت فكرة الحدود السيادية بوصفها خطوطاً فاصلة، وما حصل في سوريا أعاد تعريف دور الفاعلين غير الدوليين، وشرعن عملياً انتقال المقاتلين والسلاح والأجندات عبر الدول. ولكن لبنان كان النموذج الأكثر هشاشة لهذا التحول، إذ انعكست الحرب السورية عليه كأزمة دائمة لا كحدث طارئ، وأزمة ثقة بين المكونات وأزمة سلاح وقرارات خارج الدولة وأزمة هوية سياسية لم تحسم. وبعد أكثر من 14 عاماً، لا تزال الحرب السورية حاضرة في لبنان ليس عبر الجبهات، بل عبر آثارها، في الاقتصاد المنهك والخطاب الطائفي والخوف الأمني المزمن وملف النازحين، والسؤال المؤجل حول دور لبنان وموقعه في صراعات المنطقة. وما تغير هو الشكل فقط، أما في الجوهر، فلا يزال صراعاً مفتوحاً على معنى الدولة وحدودها ومن يملك قرار الحرب والسلم فيها. بشار الأسد مستقبلاً الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد بحضور الأمين العام السابق لـ”حزب الله” حسن نصرالله عام 2010 في دمشق (غيتي) لبنان كـ”هامش قتالي” لحرب أكبر منه لم تكُن الحرب السورية ساحة خارجية بالنسبة إلى لبنان، بل امتداداً مباشراً لصراعاته غير المحسومة مثل الهوية والسلاح والدولة والطائفة والحدود، لذلك شارك لبنانيون فيها من اتجاهين متعاكسين، شيعة شاركوا بمعظمهم ضمن بنية منظمة ومتماسكة كـ”حزب الله” وحلفائه وشبكاته، وسنة شاركوا عبر مسارات أكثر تفككاً وتعدداً، من الفصائل المعارضة وشبكات الدعم ومجموعات متشددة أو محلية ومقاتلين أفراد. ولم تكُن النتيجة تجربة مقاتلين فقط، بل تجربة مجتمعين عاد كل منهما محملاً بنسخته الخاصة من الحرب، وبمخاوفه وأساطيره ومظلومياته. والأمين العام السابق لـ”حزب الله” حسن نصرالله كان اعترف وللمرة الأولى في الـ25 من مايو (أيار) عام 2013 بأن “ثلة من مقاتلي الحزب يشاركون في القتال في سوريا”، متعهداً بالنصر هناك، وقال حينها “نحن صناع انتصارات معركة سوريا (…) نحن أهل ورجال معركة القصير وصناع انتصاراتها”، ولاحقاً في أغسطس (آب) من العام نفسه، قال نصرالله “إذا احتاجت المعركة مع هؤلاء الإرهابيين التكفيريين أن أذهب أنا وكل ‘حزب الله’ إلى سوريا فسنذهب إلى سوريا”. القصير ضاحية “حزب الله” الثانية في البداية، ووفقاً للمعلومات التي حصلت عليها “اندبندنت عربية”، قُدمت المشاركة في القتال في سوريا على أنها دفاع حدودي، عن القرى اللبنانية وخطوط التماس مع الأراضي السورية وحماية “المقامات الدينية”، ثم تحولت إلى مشاركة استراتيجية لحماية محور إقليمي كامل. وأكثر من ذلك، استقر الحزب في مناطق قريبة من لبنان مثل قارة والقصير ويبرود والقلمون. وخرجت إلى وسائل الإعلام عبارة “القصير ضاحية ‘حزب الله’ الثانية”، للدلالة على الأهمية الاستراتيجية الكبيرة لتلك المدينة السورية، بخاصة بعد سيطرة الحزب عليها بالكامل عام 2013، فأصبحت تمثل امتداداً لوجستياً وعسكرياً ورمزياً لـ”ضاحية” بيروت الجنوبية (معقل الحزب)، مما ضمن للحزب نفوذاً عميقاً في الأراضي السورية وأمن خطوط الإمداد مع معاقله في لبنان. وأعادت تلك الحرب تشكيل الأسس داخل البيئة الشيعية، من بينها عسكرة الخبرة اليومية فصار المقاتل نموذجاً اجتماعياً، وتحولت الحرب إلى جزء من معنى الرجولة والهيبة والالتزام، وأيضاً قداسة التضحية كدرع سياسي، والدم صار يستغل كحجة تمنع النقد الداخلي. ومن ينتقد يُتهم بأنه لا يقدر “التضحيات”، أضف إلى تبدل علاقة الناس بالدولة، فكلما توسعت الحرب خارج الحدود، صار مفهوم الدولة أكثر تهميشاً لمصلحة “المنظومة الحامية”. ولكن ذلك راكم صدمات مكتومة، وعلى رغم الغطاء الأيديولوجي، عاد كثرٌ بحمولات نفسية، ففقد بعضهم إحساسه بالجدوى، وقد برز هذا الشعور أكثر مع سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، إذ بات المقاتلون في حيرة “لماذا قتل بعضنا وخاطرنا من أجل نظام سقط بسهولة، وتبين أنه لا يقدر تضحياتنا؟” (بعد انتشار فيديو الأسد مع لونا الشبل والسخرية من مقاتلي الحزب). كذلك نتج من ذلك تعب مكتوم عند شريحة، وارتفاع الحساسية تجاه أي خطاب يتهمهم بـ”القتلة” أو “المرتزقة”، مما عمق القطيعة مع بيئات لبنانية أخرى وفتح باب “اقتصاد الحرب” من شبكات مصالح وامتيازات وطرق رزق مرتبطة بالمنظومة القتالية. وكان لذلك أثر إذ تحولت منطقة القلمون إلى بؤرة إنتاج الحشيش والمخدرات والاتجار بهما وفقاً لتقارير إعلامية دولية ومحلية ومنظمات سورية. مهمة شبه مستحيلة كانت مهمة الوصول إلى شبان لبنانيين قاتلوا في سوريا “صعبة” جداً وأشبه بمستحيلة حتى أنها استمرت لأسابيع قبل التحدث مع بعضهم، لكن عامل الثقة وبعض الأشخاص المشتركين ساهما في وصولنا إلى بعضهم، الذين اشترطوا بشكل حاد جداً أن لا تفصح هويتهم أو أي تفصيل عنهم. في شهادة مباشرة لـ “اندبندنت عربية”، يقول أحد المنتمين لـ “حزب الله” إن “المتابع من خارج البيئة (بيئة الحزب) عليه أن يأتي إلى داخلها ويعلم لماذا تدخل ‘حزب الله’ في الحرب السورية، فهو لم يتدخل يوماً للدفاع عن النظام السوري، بمعزل عن أن بقاء النظام والشخص (بشار الأسد) والفوائد التي كانت تترتب على ذلك البقاء عدة، ولكن الحزب ذهب ليدافع عن رقبته بالدرجة الأولى، وعن فكرة تحرير فلسطين وعدم الذهاب إلى السلام بالدرجة الثانية. وقالها آنذاك (نصرالله)، إذا ذهبت سوريا ذهبت فلسطين، وهذا ما نراه اليوم”. عاد كثير من المقاتلين بثقل الحرب وتبعاتها (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي) لست نادماً ولا فخوراً يكشف شاب آخر شارك أيضاً بالقتال، من دون أن يفصح متى ذهب وأين قاتل بالتحديد، متمنياً عدم ذكر اسمه أو منطقته، “عندما ذهبت إلى سوريا، لم أشعر بأنني أغادر لبنان. قيل لنا إن المعركة واحدة، وإن الحدود مجرد خط على الخريطة، في البداية صدقت ذلك، وصدقت أنني أدافع عن بيتي قبل أن يصل الخطر إليه. خلال الأشهر الأولى، كان كل شيء واضحاً، أوامر ومواقع وعدو محدد. لكن مع الوقت، بدأت الأسئلة تظهر، كنا نقاتل في أماكن لا أعرف أسماءها ونحمي خطوطاً لا أفهم أهميتها، ولم أعُد أميز دائماً بين من نقاتل ولماذا؟”. ويتابع ذلك الشاب الذي أصيب خلال الحرب، “أكثر ما أتعبني لم يكُن القتال، بل الصمت، الصمت بعد المعركة والصمت بعد العودة والصمت حين تسألني أمي ’ماذا فعلتم هناك؟‘ واليوم، لا أقول إنني نادم، ولا أقول إنني فخور، أقول فقط إنني عدت بشيء انكسر في داخلي، الحرب علمتني القوة، لكنها أخذت مني البساطة والفرح وراحة البال، فقدت أقارب وأصدقاء في تلك الحرب، ولذلك لم أعُد أرى الأمور أبيض وأسود كما قبل. وإذا سألتني إن كنت سأذهب مرة أخرى، لا أملك جواباً، أعرف فقط أن الحرب أسهل من العيش بعدها”. ولكن هنا يتبادر سؤال موجع، كيف لشباب بعمر الورود أن يذهبوا إلى حرب لا يعرف لها قرار وليست ضد “العدو الإسرائيلي”، بل هي داخل بلد عربي، وماذا عن فكرة الموت، ألا يخافون الموت؟ “الحرب كتبت علينا” يخرج مقاتل لبناني أخر عاش فصلاً من فصول الحرب السورية، بتجربة يقول عنها”نحن لم نذهب إلى الحرب لأننا نحب القتال، هكذا أقولها دائماً، ذهبنا لأننا شعرنا بأن المعركة كتبت علينا، لا لأننا اخترناها. هناك لحظة تشعر فيها بضغط وأنك إن تراجعت ستخسر نفسك قبل أن تخسر المعركة. يقول الإمام الخميني إن قتلنا فإننا سنقتل في سبيل الحق وهذا هو النصر، أو قَتلنا ففي سبيل الحق وهو النصر أيضاً… هذا الكلام لم يكُن شعراً وكلاماً بالنسبة إلينا، بل طريقة لفهم هدفنا من وراء خوض الحرب”. ويتابع “في الجبهة، كنت أرى الموت كل يوم… كنا نذهب ونحن مستعدون للموت إن فرض علينا، والفرق كبير. واليوم بعد كل ما حصل وبعد كل الدم، ما زلت أؤمن أن بعض الحروب لا نختارها. هي تأتي إلينا. ولو لم نذهب إلى هناك، لكانوا جاؤوا إلينا، وهذا ليس تبريراً، بل قناعة تشكلت داخلنا، إذ لم نبحث عن الموت ولا نحب الموت كما نتهم، بل هو قبول به إن كان ثمناً لحماية ما نؤمن به، وربما هذا ما يجعلنا نتحمل ما بعد الحرب، حتى لو كان أثقل من الحرب نفسها”. ولكن هل خاضوا الحرب دفاعاً عن نظام بشار الأسد؟ “لم ندخل الحرب دفاعاً عن بشار الأسد” يشدد أحد الشبان “من الخطأ أن يقال إننا دخلنا الحرب دفاعاً عن بشار الأسد، هذا تبسيط، وربما ظلم للواقع. كثرٌ منا لم يكُن لديهم أي تعاطف خاص مع النظام السوري، لا قبل الحرب ولا بعدها، لكن في لحظة معينة تقاطعت المصالح، وأصبح سقوط النظام يعني سقوط أكثر من دمشق. وهذا ما نراه اليوم مع النظام الحالي (في سوريا) الذي سارع إلى توقيع اتفاقات مع الكيان الإسرائيلي، وبالنسبة إلى الحزب، سوريا لم تكُن مجرد دولة حليفة، بل كانت مساحة استراتيجية وطريق إمداد وعمقاً جغرافياً وركناً أساساً في ميزان القوة مع إسرائيل. وعندما بدأت الحرب، كان السؤال الحقيقي، ماذا يحدث لو سقط هذا النظام؟ ومن سيملأ الفراغ؟”. ويتابع، “لم يكُن الخوف على بشار، بل على ما بعده، على أن تتحول سوريا إلى ساحة مفتوحة لقوى معادية، أو إلى فوضى تبتلع كل شيء، بما في ذلك لبنان. وعندها، صار التدخل يقرأ كجزء من معركة وقائية، لا كخيار أخلاقي أو عاطفي. وأعلم جيداً أن كثراً لا يحبون سماع هذا الكلام لأنهم يفضلون رواية أن الحرب كانت دينية أو عقائدية فقط، لكنها في العمق كانت سياسية وأمنية. الحزب قاتل حين رأى أن خسارته هناك ستترجم خسارة هنا. وقد يختلف الناس حول صحة هذا التقدير أو كلفته، لكن من الداخل لم تقدم الحرب على أنها دفاع عن نظام، بل كدفاع عن موقع وعن توازن وعن معادلة إقليمية كاملة. والباقي، من خطاب وشعارات، جاء لاحقاً لتبرير قرار كان اتخذ أصلاً”. مشاركة السنة… من التعاطف الثوري إلى التفكك والتطرف ثم الانكفاء على المقلب الآخر، لم تكُن المشاركة السنية قراراً مركزياً واحداً، كانت مسارات متعددة، أفراد تحركهم فكرة “نصرة الثورة والمظلومية” ضد “الظاغية” بشار، وشبكات محلية وبيئات تعبئة في الشمال اللبناني والبقاع شرقاً، وهناك مجموعات انجذبت لأجندات متشددة أو لمعادلات المال والسلاح، ومقاتلون ذهبوا ثم عادوا ثم ذهبوا، بلا بنية احتواء واضحة. وكان من آثار تلك الحرب على هذه البيئة أنها كسرت الثقة بالسياسة التقليدية، إذ شعرت شريحة واسعة بأن القيادات السنية “تركتهم” أو استخدمتهم كورقة ثم تخلت عنهم. وترتب على ذلك صعود سردية المظلومية المزدوجة، مظلومية في سوريا تجاه من ينتمي إلى الطائفة نفسها وشعور بالعزل داخل لبنان بعدما وصموا بوصمة “الإرهاب”، إذ إن تطرف أقلية ارتد أثره على كل البيئة، بخاصة المناطق السنية النائية أو القريبة من الحدود السورية كالبقاع والشمال وعكار. وحتى لو كانت نسبة من انضموا إلى جماعات متشددة صغيرة، لكن أثرها الرمزي كان هائلاً لأنه أعطى الدولة والأجهزة مبرراً لتوسيع القبضة، وأعطى الخصوم ذريعة لشيطنة البيئة كلها، مما خلط “الثورة” بالدين، ثم تراجع هذا المزاج بعد الكلفة البشرية والأمنية. تدرجت مفاعيل المشاركة في الحرب السورية بوجه نظام الأسد، من التشقق الداخلي، إلى الثوري فالمتشدد والبراغماتي، ولاحقاً المنكفئ، وأضف إلى ذلك الخوف المزمن من الاتهام، مما دفع كثراً إلى الصمت أو الانسحاب من المجال العام. وبطبيعة الحال نتج منه تآكل الثقة بالدولة، تلك الدولة التي تظهر كقوة ضبط لا كجهة حماية أو عدالة متوازنة. حسن سرور (في الوسط)، مواطن لبناني أُلقي القبض عليه بعد تسلله إلى سوريا للقتال إلى جانب المعارضة، يحيط به أقاربه بعد الإفراج عنه عام 2013 (ا ف ب) خوف من إعطاء تفاصيل وشهادات “من أنتِ ومن قبل من تتواصلين معي… هل أنتِ من قبل مخابرات الجيش؟”. تردد هذا السؤال حين تواصلنا مع أكثر من شاب من الشمال اللبناني، قيل لنا إنه شارك في الحرب السورية إلى جانب المعارضة، وعلى رغم أن الشخص الذين أوصلنا إليهم “محل ثقة” كبيرة من قبلهم، لكن شعور الخوف وعدم الثقة كان كافياً بأن يمنعهم من الحديث تماماً. وبعد محاولات دامت أسابيع وفيها توسط وجهاء من مدينة طرابلس شمال لبنان، وصلنا إلى شاب قبل أن يتحدث معنا عبر الهاتف لكن لدقائق محدودة، ويروي “مجرد القول إننا كنا في سوريا، كان كافياً لأخذنا إلى التحقيق (مع استخبارات الجيش). ولا يزال هذا الخوف موجوداً حتى اليوم”. عن أسباب توجههم إلى سوريا، يكشف “عندما اندلعت الحرب وبدأ النظام السوري باستخدام البراميل المتفجرة ضد أحياء سكنية، ثم لاحقاً الأسلحة الكيماوية، شعر كثرٌ منا بأن ما يجري لم يعُد صراعاً سياسياً، بل استهدافاً مباشراً للمدنيين، خصوصاً في المناطق ذات الغالبية السنية. لم أشارك في القتال المسلح، ولم أحمل سلاحاً، مشاركتي كانت ضمن مجموعات لبنانية تولت دعم الداخل السوري بالمؤن الأساسية من مواد غذائية وأدوية ووقود ومساعدات إنسانية ونقل جرحى في بعض الحالات. كنا نعمل بصورة غير منظمة، وغالباً بجهود فردية أو شبكات محلية صغيرة، وبدافع النخوة للدفاع عن أهل السنة في الداخل السوري”. ويتابع، “وعند العودة للبنان، لم يكن هناك تمييز بين من قاتل حاملاً السلاح ومن قدم مساعدات، وكثير من الشباب الذين أعرفهم اعتُقلوا فور عودتهم أو بعد فترة قصيرة، وأودعوا سجن رومية بتهم عامة تتعلق بالإرهاب أو الانتماء إلى مجموعات مسلحة من دون محاكمات، ولا يزالون في السجن حتى اليوم. بعض هؤلاء أمضى في السجن أكثر من 10 أعوام، ولا يزال ملفه القضائي غير محسوم، وبعضهم مات قهراً أو مرضاً داخل السجن، ولم تصدر أحكام نهائية بحقهم، ولم تقدم أدلة علنية تثبت تورطهم في أعمال قتالية مباشرة. المشكلة بالنسبة إلينا لم تكُن فقط ما جرى في سوريا، بل ما تلاه في لبنان. فكثرٌ يشعرون بأن مشاركتهم حتى غير القتالية في دعم الثورة السورية تحولت إلى وصمة دائمة، وأنهم دفعوا ثمن موقف سياسي وإنساني أكثر مما دفعوا ثمن فعل جرمي. لهذا السبب، لا يزال كثرٌ يفضلون الصمت، ليس لأنهم يخفون ما فعلوه، بل لأن التجربة أثبتت أن الكلام قد تكون كلفته أعلى من الاحتمال. وكيف لمن ذهبوا في العلن وحملوا السلاح (يقصد ‘حزب الله’) عادوا وتسلموا مناصب وخاضوا انتخابات نيابية ولا يزالون يحملون السلاح ويتباهون به؟ ولم تتجرأ الدولة على سؤالهم كيف ولماذا؟”. سوريون ولبنانيون يحتفلون في مدينة طرابلس بسقوط نظام الأسد، 9 ديسمبر 2024 (أ ف ب) ولعل بداية دخول لبنانيين الحرب السورية دعماً للمعارضة، تعود لشهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2012، حين قتل عدد اللبنانيين من مدينة طرابلس في كمين نصب لهم في بلدة تلكلخ السورية، وقد تبين لاحقاً أنهم دخلوا سوريا للقتال إلى جانب المعارضة ضد النظام. وقد كانت هذه المرة الأولى التي يعلن فيها عن ذهاب شبان من شمال لبنان بشكل جماعي للقتال إلى جانب المعارضة السورية. أعداد اللبنانيين الذين شاركوا في الحرب السورية طوال الأعوام الماضية، تناقلت تقارير أجنبية ودولية، تقديرات لأعداد اللبنانيين الذين شاركوا في الحرب السورية من الشيعة والسنة، مع التأكيد أن الأرقام تقديرية ومتفاوتة بحسب العام وتعريف “المشاركة” ووجود ثوابت للوجود على الجبهة، أو مقاتلين بالتناوب والدورات. ولكن معظم الأرقام متضاربة لسببين رئيسين، أولاً بسبب طبيعة الحرب وانتقال أفراد عبر الحدود وتبدل الجبهات والتناوب بدلاً من الانتشار الثابت. وثانياً، غياب بيانات رسمية شفافة، وغالبية الأرقام جاءت عبر أجهزة استخبارات ومسؤولين أمنيين، أو وزراء داخلية، أو مراكز أبحاث تعتمد مقابلات وتقديرات، لهذا، فالأصح تقديم الأرقام كنطاقات زمنية لا كرقم واحد قطعي. ووفقاً لتقديرات الصحافة والتقارير الأجنبية، فإن اللبنانيين الشيعة، بالدرجة الأولى هم عناصر “حزب الله”، ووفقاً لتقرير لوكالة “رويترز” نشر في سبتمبر (أيلول) عام 2013، نقلاً عن مسؤولين أمنيين إقليميين، بلغ عدد الموجودين في سوريا منهم في ذلك الوقت (مقاتلون وخبراء واحتياط) ما بين ألفين و4 آلاف شخص. وضمن تقرير آخر لـ”رويترز” في العام نفسه أيضاً، ووفقاً لتقدير استخباراتي فرنسي، فإن أجهزة الاستخبارات تعتقد بوجود ما بين 3 آلاف و4 آلاف من “حزب الله” يقاتلون في سوريا. ولكن هذه الأرقام غير دقيقة لأنها أرقام لعدد الموجودين في الميدان، لا مجموع من تناوبوا على القتال عبر أعوام. ولكن تقارير تحليلية غربية لاحقة أشارت إلى أن أعداد “حزب الله” التي قاتلت أو تناوبت على القتال قد تكون أعلى من تقديرات 2013، مع ذكر نطاقات مثل 7 آلاف و9 آلاف كتقدير لانتشار أو انضمام أوسع بحسب مراحل الحرب. ولا توجد أرقام دقيقة وموحدة لأعداد المقاتلين السنة اللبنانيين في الحرب السورية، لكن التقارير تفيد بمشاركة مقاتلين من مناطق سنية في شمال لبنان، انضموا إلى المعارضة السورية، بعضهم ضمن مجموعات صغيرة مثل “فتح الإسلام” و”كتائب عبدالله عزام”، وهؤلاء قاتلوا بصورة رئيسة مع فصائل المعارضة السورية، لكن أعدادهم غير محددة بدقة، على عكس الأعداد الكبيرة لمقاتلي “حزب الله”، لكنها أيضاً أكثر حساسية لأن المشاركة كانت غالباً فردية أو شبكية لا قراراً مركزياً. وذكر تقرير لصحيفة “لو فيغارو” الفرنسية نشر في أغسطس (أب) عام 2022 أن نحو 300 مقاتل لبناني سابق من الذين قاتلوا في سوريا، يريدون العودة للبنان من أصل 800 إلى 1000 شخص من لبنان انضموا إلى التنظيمات المتطرفة في سوريا، فيما مات الآخرون أو ما زالوا يقاتلون، بحسب تقديرات الدوائر الحكومية اللبنانية، من دون احتساب ما بين 60 و70 لبنانياً، معظمهم من النساء والأطفال، ما زالوا محتجزين في مخيمَي الهول والروج شمال شرقي سوريا، حيث علق نحو 60 ألف شخص في الحرب ضد تنظيم “داعش”. أخطر نتيجة للحرب السورية على لبنان لم تكُن أخطر نتيجة لتلك الحرب تتمثل في عدد المقاتلين أو القتلى، بل في تآكل فكرة الدولة كمرجعية نهائية، فكل بيئة عادت أكثر اقتناعاً بأن أمنها لا يدار من الدولة بل من جماعتها. رأت بيئة الحزب الشيعية أن الأمن يتحقق عبر المنظومة المسلحة، فيما رأت البيئة السنية بخاصة تلك المحرومة أو التي تعيش في المناطق النائية، أن الأمن يمر عبر الشبكات المحلية، وأحياناً عبر الانكفاء للحماية من التهمة الجاهزة، بينما رأى آخرون أن الأمن يمر عبر المسافة والتوازنات، وهكذا صار لبنان مجموعة بيئات أكثر من أنه دولة. واللبنانيون الذين ذهبوا إلى سوريا لم يعودوا وحدهم، بل عادوا ومعهم منطق الحرب والخوف والشك والانقسام وتفكك الثقة بالمؤسسات. ومهما اختلفت تقديرات أرقام الذين شاركوا في تلك الحرب، فإن الحقيقة الأساسية تكشف عن أن الحرب السورية لم تكُن خارجية بالنسبة إلى لبنان، بل كانت حرباً خيضت جزئياً بأجساد لبنانية وبقرار لبناني غير موحد وبتداعيات لم تُدَر لاحقاً ضمن إطار وطني جامع. فبينما تحولت مشاركة “حزب الله” إلى عنصر ثابت في معادلة القوة الإقليمية، تحولت مشاركة السنة إلى ملف أمني داخلي، لا إلى قضية سياسية أو إنسانية تناقش ضمن معايير واحدة. واللافت في التقارير الأجنبية هو أنها على رغم اختلاف زواياها، تتقاطع عند نقطة جوهرية، التمييز في طريقة التعامل مع المقاتلين بعد عودتهم. فالمشاركة المنظمة حظيت بسردية سياسية تحميها وتبررها، فيما المشاركة الفردية أو غير النظامية انتهت غالباً إلى التوقيف والوصم، أو الإقصاء، مما عمق شعور المظلومية داخل بيئات محددة ورسخ فكرة العدالة الانتقائية. واستنتاجاً، لا يمكن فصل أرقام المقاتلين اللبنانيين في سوريا عن أزمة الدولة اللبنانية نفسها، فالدولة التي لم تقرر الحرب ولم تحاسب عليها ولم تجرِ مراجعة وطنية لنتائجها، تركت كل بيئة تعود من سوريا بسرديتها الخاصة وبذاكرتها المنفصلة وبخوفها من الأخرى. وهكذا، لم تنتهِ الحرب السورية في لبنان بانتهاء المعارك، بل استمرت كعامل تفكيك بطيء للنسيج الداخلي وكملف مفتوح مؤجل الانفجار. بمعنى آخر، الأرقام لا تشرح فقط حجم المشاركة، بل تشرح أيضاً لماذا لا يزال لبنان، بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب السورية، يعيش نتائجها كحاضر مستمر لا كماضٍ منتهٍ. ومن دون المراجعة ستبقى سوريا حرباً لبنانية مؤجلة، حتى لو تغير النظام وسقطت الواجهة. المزيد عن: لبنان سوريا حزب الله السنة الشيعة القصير الضاحية الجنوبية عكار البقاع سقوط نظام الأسد حسن نصرالله 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post توقيف مديرين في وزارة المالية الفلسطينية… والفساد مستمر next post كيف نمت الطائفية في سوريا؟ You may also like كيف تحولت “مدن الصواريخ” إلى عبء عسكري على... 5 مارس، 2026 ترامب: ندعم شن الأكراد هجوما على إيران 5 مارس، 2026 ليبيا.. كشف خيوط اغتيال سيف الإسلام القذافي 5 مارس، 2026 تقرير: طهران تلوّح بتفاوض استخباراتي لإنهاء الحرب 5 مارس، 2026 بهلوي ضحية مقلب لمحتالين ادعوا أن ألمانيا ستتدخل لإيصاله... 5 مارس، 2026 استهداف الخليج… خطة أعدها خامنئي مسبقا 5 مارس، 2026 الحرب باسم العقيدة والدين: كيف تحشد إيران “وحدة... 5 مارس، 2026 إيران بين “التفكيك” و”حرب الاستنزاف”.. قراءة في سيناريوهات... 5 مارس، 2026 وثيقة أميركية: نجل خامنئي عولج من العقم في... 5 مارس، 2026 حصري اندبندنت عربية… إنزال جوي لقوات أجنبية في... 5 مارس، 2026