مشهد من تقديم لمسرحية _الأميرة مالين_ (موقع العرض) ثقافة و فنون البلجيكي ماترلنك يستعين بالجن لمساعدة “أميرته الحالمة” by admin 5 September، 2025 written by admin 5 September، 2025 126 عبر في نصه المسرحي عن الضعف البشري وقدم صورة للعذوبة إذ تجابه الشر المستطير بالحب والأمل فتنتهي مهزومة اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب كان الكاتب البلجيكي موريس ماترلنك (1862 – 1949) في الـ27 من عمره، حين حقق قفزة مفاجئة في فن كتابته للمسرح منتقلاً من واقعيته البدائية إلى أسلوب رمزي في الكتابة للخشبة جعل الناقد الفرنسي المعاصر له، أوكتاف ميربو، الذي اعتاد ألا يلقي الكلام على عواهنه، يتحدث عن “ولادة شكسبير جديد” ما وفر لماترلنك مكانة جديدة ومبكرة جعلت منه واحداً من أكثر كتاب المسرح شعبية في أوروبا في ذلك الحين. ولقد كان لتلك “القفزة” عنوان هو “الأميرة مالين” التي لولا مسرحية أخرى لماترلنك – “العصفور الأزرق” – أتت متأخرة عنها نحو 20 سنة، لاعتبرت دائماً الأشهر والأقوى بين نتاج هذا المبدع الذي عشقه أهل المسرح من موسكو وسانت بطرسبرغ إلى عواصم العالم الأنغلوساكسوني مروراً بوطنه البلجيكي وباريس، قبل أن ينسى زمناً ليعود بعده بوصفه هذه المرة من أكثر الكتاب تشاؤماً واستسلاماً ـ أمام الشرط الإنساني. والحال أن مسرحية “الأميرة مالين” (1889) تبدو برمزيتها المتعبة وأجوائها القاتمة، خير معبر عن تلك الرؤية التي لم تبارح ماترلنك أبداً على أية حال. الطبيعة حين تتواطأ حتى وإن كان لمسرحية ماترلنك هذه بنية وأجواء حكايات الجن والخرافات الأوروبية الشمالية، فإنها تتميز بكون مفتتحها صاخباً يعد بما يختلف تماماً عما سوف تؤول إليه الأحوال. فالفصل الأول من بين الخمسة التي تتألف منها مسرحية الكاتب الكبيرة الأولى هذه، يفتتح على حفل ملكي ضخم يتجمع فيه أعيان مملكتين متجاورتين. ولم يكن الأمر صدفة، فالعرس هو للاحتفال بزواج الأمير الابن هيلمار، ابن ملك هولندا الذي يحمل الاسم نفسه، من الأميرة مالين ابنة ملك الفلاندر مارسيليوس. في البداية يبدو كل شيء ممتعاً وموفقاً، غير أن الطبيعة سرعان ما ستبدو وكأنها غير راضية عما يحدث، فإذا بها تبدأ بالزمجرة والعصف وتنطلق الرياح وتتجمع الغيوم ويتبدل كل شيء على حين غرة. ولئن كنا أول الأمر سنعتقد أنها نزوة من الطبيعة لا علاقة لها بما يحدث داخل نفوس البشر من الشخصيات الأساسية المشاركة في الاحتفال، لكن سرعان ما سيتبين لنا أن اعتقادنا خاطئ، وأن ما تبديه الطبيعة ليس سوى انعكاس لما يعتمل في النفوس حتى وإن لم يكن في نفوس كل الحاضرين. فهو في الأقل يتفجر من داخل نفس أساسية هي نفس “الملكة” آن عشيقة الملك الهولندي التي تتوخى تفجير كل شيء بهدف منع اقتران هيلمار بمالين ليتزوج من ابنتها هي الأميرة أوغليان. ومهما يكن من أمر هنا فإن غضب الطبيعة سرعان ما يتحول نزاعاً بين ملكي هولندا والفلاندر ينتهي بعراك يقتل خلاله والدا مالين وتهرب هي مع مربيتها الوفية، إذ تختبئان داخل أحد الأبراج فيما تبدأ الملكة آن بتنفيذ مأربها مستغلة على أية حال ضعف شخصية الخطيب الشاب، وهو ضعف يلعب الدور الأساس في الأحداث كما سنلاحظ وربما يكون هو الدافع الذي يحدو بآن إلى اقتراف ما تقترفه كي تتلاعب به لاحقاً كصهر لها. موريس ماترلنك (1862 – 1949) (الموسوعة البريطانية) عودة الأميرة من مخبئها في البداية تعتقد آن كما يعتقد الخطيب الشاب، أن مالين قد هلكت في المذبحة التي تعرض لها ذووها، لكنها هي ومن دون أن تتنبه إلى استسلام خطيبها للمؤامرة، تبادر بالظهور بمساعدة مربيتها، ثم تتمكن من التسلل إلى القصر من جديد وقد تملكتها عزيمة دافعها الحب الذي لا تزال تكنه لهيلمار وتصميمها على الارتباط به مهما كلفها ذلك. وهما بالفعل يلتقيان ذات لحظة من جديد، ولكن مالين تكون هذه المرة قد تنكرت تحت ملامح وفي زي خادمة أتت لتلتحق بخدمة الخطيبة الجديدة أوغلين. وتكون قد رتبت بمساعدة مربيتها المرافقة لها دائماً والتي لا يتنبه أهل القصر لهويتها الحقيقية، رتبت خطة تقوم على موافاة هيلمار بدلاً من خطيبته، إلى موعد بينهما في زاوية من زوايا حديقة القصر. والذي يحدث هو أن الخطيب الشاب ما إن يتعرف إلى خطيبته السابقة حية ترزق حتى يستعيد بسرعة حبه لها ويقرر أن يستعيدها هي نفسها متمرداً على المصير الذي رتبته له الملكة آن. هذه الأخيرة ستفاجأ طبعاً بعودة الأميرة بل ستتصرف كأن ذلك عاد ليكون مبعث سرور لها وتستقبل الصبية بترحاب، يشمل “سرورها بعودة الأمير الشاب إليها واتخاذهما قراراً بالعودة إلى إقامة عرس ضخم جديد لهما”، فهل تراها تخلت عن خطتها بعد كل ما حدث؟ على الإطلاق، بل رسمت خطة جديدة بديلة وشرعت من فورها بتنفيذها، وتقوم هذه المرة على تسميم مالين تسميماً تدريجياً. وهنا إذ يدرك الملك العجوز ما ترتبه عشيقته، يحاول أن يتدخل مانعاً إياها من اقتراف مزيد من الجرائم، وبالتحديد قتل مالين. وهنا تستعين آن بالسحر الذي تمارسه ساحرة شريرة تعمل لديها وهو سحر يسهم في قتل مالين ببطء كما يسهم في الحيلولة دون تمكن المربية ولا حتى هيلمار الشاب من التدخل، فما هو مقدر ينبغي أن يحصل. وهكذا حتى حين يتبين لآن أن السم أكثر بطئاً مما تريد تجبر الملك العجوز على مساعدتها في خنق الأميرة الشابة. وأمام كل هذا الجبروت لا يجد هيلمار الشاب مفراً من أن يتدخل أخيراً ليطعن الملكة آن بخنجره ثم ينتحر، في الوقت الذي يفقد فيه الملك عقله إزاء ذلك التراكم من جرائم وأحداث تتجاوزه حتى وإن كان هو مشاركاً فيها. في قلب مسرح الشر صحيح أن “الأميرة مالين” كانت أول مسرحية كبيرة كتبها موريس ماترلنك ونشرت عام 1889 قبل تقديمها على الخشبة، لكنها ستبقى بوصفها العمل الذي حدد منذ وقت مبكر فلسفة كاتبها المسرحية وأجوائه التي ستوصف دائماً بالمغرقة في “بلجيكيتها”، ولا سيما من ناحية أجواء الشر والموت والظلام التي تخيم عليها ناهيك بأجواء الجنون التي سوف تنتهي إليها. ومن هنا ما قاله الناقد الفرنسي ميربو من أن “أبرز ما نراه على الخشبة على مدى الفصول الخمسة التي تتألف منها المسرحية، إنما هو تلك الشخصيات العديدة والغارقة غالباً في عتمة تضيع معها هويتها بحيث يصعب علينا أحياناً أن ندرك من هي الشخصية وماذا تفعل وإلى أين تراها ذاهبة، بما في ذلك شخصيات تتحرك يميناً ويساراً ثم لا نعود نراها وكأنها في باليه عبثي”. والحقيقة أن تقديمات المسرحية التي تلت نشرها إنما جاءت لتؤكد ما يذهب إليه أوكتاف ميربو، إذ وسط أجواء شديدة الغموض كما لو كانت من الأجواء التي ستهيمن لاحقاً على أفلام الرعب، تبدو الشخصيات كما لو كانت أشباحاً لا عمل لها سوى المساهمة في خلق تلك الأجواء الخانقة التي يشعر بها المتفرج، حتى وهو مدرك منذ البداية أن ثمة بعد كل شيء شخصيتين رئيستين قد لا تظهران جسدياً لكنهما هنا ماثلتان في كل لحظة يتقاطعان ويتجابهان وحتى يتحدان في بعض لحظات المسرحية: شخصية الحب، وشخصية الموت. الأعذب في تاريخ المسرح وكل هذا من دون أن ننسى ما ذكرناه أعلاه عن الطبيعة التي تظهر بين الحين والآخر بجبروتها وتواطئها لتضحى وكأنها هي التي تسيّر جوّانية الشخصيات سواء كانت جوانية شريرة، في معظم الأحيان، أو جوانية خيّرة، في أحيان قليلة على أية حال، أو حتى شخصيات بلا ملامح تترك للآخرين أن يسيّروها: الملك الأب والأمير الابن – وهذا حتى حراكه الأخير الذي يسبق انتحاره على أية حال. وفي هذا السياق لا بد من أن ننقل عن كثير من النقاد الذين كتبوا عن هذه المسرحية وحللوها من منطلقين أساسيين، منطلق التحليل النفسي ومنطلق البعد الأخلاقي، رأيهم في أن موريس ماترلنك، مقابل خلقه كل تلك الشخصيات خلقاً بالغ الحداثة، ولكن التشاؤم تحديداً عرف في الوقت نفسه كيف يبدع عبر شخصية الأميرة مالين، واحدة من الشخصيات الأكثر عذوبة وفتنة وبراءة في تاريخ المسرح المعاصر، “إذ من الواضح أن الكاتب، لرغبته في أن يصور يأسه الحاد من النوع البشري الذي تتحكم به قوى الظلام تحكماً مطلقاً، جعل من الأميرة واحدة من الشخصيات الأكثر طيبة ولكن الأكثر ضعفاً وهشاشة، في تكوينها الطبيعي على رغم ما تقدم عليه من مقاومة بين الحين والآخر”. المزيد عن: الكاتب البلجيكي موريس ماترلنكالكتابة المسرحيةالخرافات الأوروبيةحكايات الجن 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post السمنة في مصر… دهون وشحوم راكمتها ثقافة الأكل وكلفته next post الطفلة الفلسطينية المستغيثة هند تهز “البندقية” You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026