تعرض ما لا يقل عن ستة أطفال في مدرسة في القاهرة للاعتداء الجنسي على يد أربعة من العاملين الرجال (مواقع التواصل) منوعات الاعتداء الجنسي على الصغار… ضحايا في صمت الاستحياء by admin 27 November، 2025 written by admin 27 November، 2025 73 جزء من صدمة المجتمع المصري في الواقعة الأخيرة وعدد من الوقائع المماثلة في الأعوام القليلة الماضية هو أنها جرت في “مدرسة خاصة” انديبندنت عربية / أمينة خيري اللحظة التي يكتسب فيها الزوجان لقب “أب” و”أم”، تأتي محملة بقائمة من المخاوف المتعلقة بصحة وسلامة الصغار، القائمة طويلة لكن يتنافس على مكان الصدارة فيها كل من الموت والتعرض للاعتداء الجنسي، مخاوف حول صحة الصغار وتعرضهم للإصابات أو الأمراض أو الحوادث أو القلق أو التنمر أو العزلة أو العنف أو التعثر في التعليم والقائمة تطول، لكن المرتبتين الأولى والثانية متأرجحتان بين الموت والاعتداء الجنسي. يظل الموت، على رغم قسوته، أمراً لا مفر منه، يحاول الأهل التأقلم عبر المرور بمراحل الحزن المختلفة بصورة أو بأخرى، أما تعرض الصغير أو الصغيرة لاعتداء جنسي فيضاف إلى مراحل حزن الرحيل الرغبة العارمة في الثأر من الجاني، والقلق الكبير على مستقبل الصغير، وربما الوصمة التي قد تلحق به من دون ذنب، مع ميل إلى إخفاء ما جرى أو التعتيم عليه أو إنكار حدوثه، وكأنه كابوس سيذهب إلى حال سبيله بمرور الوقت. واقعة تعرض ما لا يقل عن ستة أطفال في مدرسة في القاهرة للاعتداء الجنسي على يد أربعة من العاملين الرجال صدمة أصابت مصر، لكن مصر تعرف جيداً أن مثل هذه “الأشياء” تحدث، متى؟ وكيف؟ وأين؟ ومعدلاتها، وطرق التطرق إليها أو نسب تجاهلها أو مواجهتها تختلف وتتضارب، لكن تظل المعرفة قائمة، وأخطر ما في هذه المعرفة مكون اسمه الإنكار أو التجاهل أو اعتبارها “قدر الله وما شاء فعل” من دون اتخاذ خطوات دنيوية للمواجهة والمحاسبة والوقاية والعلاج. يحمّل البعض مسؤولية التحرش إلى الإناث في المجتمع المصري (رويترز) كابوس كل أب وأم قبل أيام استيقظت مصر على خبر هو كابوس كل أب وأم، ستة أطفال في الصف الثاني من مرحلة رياض الأطفال عمر أكبرهم خمس سنوات تعرضوا لاعتداءات جنسية في حرم المدرسة على يد أربعة عاملين من الرجال، عدد الأطفال يعكس من قرر من الأهل المجاهرة والتقدم ببلاغات، وعدد العمال الموجهة إليهم تهمة الاعتداء يعكس من تعرف إليهم الصغار. التفاصيل كثيرة ومرعبة، “عمو” يستدرج، وغرفة مظلمة، وتقييد أيدٍ، وتكميم أفواه، وتهديد بسلاح، وترويع بالقتل أو الحرق أو إلحاق الضرر بالأهل والأشقاء. الضحايا الصغار ذكور وإناث، والقصص المروية متطابقة، والآثار الجاري إثباتها من قبل الطب الشرعي واضحة وصريحة. وكما هو متوقع أنكرت إدارة المدرسة في البداية، ثم حاولت تهدئة الموقف وامتصاص غضب الأهل، ومنها إلى إبلاغ الجهات المختصة، وتحرك فوري، وتحقيقات ومواجهات، وهبّة في الإعلام للتسابق على كشف الكواليس، وفورة على السوشيال ميديا للتحذير وتوزيع الاتهامات، ورعب يتمكن من أغلب البيوت قوامه “ماذا لو كان ابني أو ابنتي تعرض لاعتداء؟” و”ماذا نفعل للوقاية؟”. في كل مرة يجري الكشف فيها عن واقع تعرض طفل أو طفلة أو مجموعة أطفال لاعتداءات جنسية يأتي رد فعل المجتمع وكأنها سابقة لم تحدث من قبل، أو نوعية من الاعتداء لم تطرأ على بال أو خاطر، أو مثار صدمة غير مفهومة، لا سيما أن “المجتمع متدين بالفطرة”، والعادات أصيلة، والتقاليد راسخة، والسلطات الدينية بازغة، وكل تفصيلة من تفاصيل المجتمع تنضح بالإيمان والتقوى والورع. متلازمة المجتمع المتدين الذي يعني بالضرورة عدم وقوع اعتداءات جنسية على الصغار تصيب الملايين بالدوار في كل مرة يتم فيها الإعلان عن اعتداء جنسي على صغير أو صغيرة، وعلى رغم حدوث مثل هذه الاعتداءات في مختلف البيئات الدينية والمجتمعات المحافظة، وبينها حوادث وفضائح يجري الكشف عنها في شتى المجتمعات والكيانات ذات الطابع الديني، سواء المسيحي أو الإسلامي أو اليهودي أو غيرها من الأديان والمعتقدات فإنه في كل مرة تحدث في مجتمع “محافظ” أو “متدين” يصاب بصدمة، وكأنها أول مرة كل مرة! هذه المرة، الأطفال في مدرسة خاصة في القاهرة والمشتبه فيهم عمال أمن وحرفيون يلقبهم الصغار بـ”عمو”. المرة السابقة كان الضحية طفلاً أيضاً في سن الخامسة، اسمه ياسين، في محافظة البحيرة، تحديداً مدينة دمنهور (دلتا مصر)، أما الجاني فمراقب مالي عمره 79 سنة كلفته “مطرانية البحيرة” التابعة لها المدرسة بفحص الحسابات، وذلك لخبرته الطويلة ودماثة خلقه. وفي العام الماضي تعرضت طالبات في المرحلة الابتدائية في منطقة العمرانية (محافظة الجيزة) لسلسلة من الاعتداءات الجنسية المتكررة على يد معلم اللغة العربية والتربية الدينية، وقبل خمسة أعوام اتهم أهالي 10 طالبات في مدرسة في منطقة عين شمس في القاهرة معلم اللغة العربية بهتك أعراضهن وملامستهن بالقوة وتهديدهن بالرسوب إن أبلغن إدارة المدرسة أو ذويهن، وفي عام 2021 انشغل المجتمع بـ”طفلة المعادي” وهي من أطفال الشوارع (بلا مأوى) التي تعرضت لاعتداء جنسي في مدخل عمارة في حي المعادي (القاهرة) على يد محام متزوج ولديه أطفال. كذلك تحفل محاضر الشرطة بوقائع تعرض طفلة لاعتداء جنسي على يد إمام مسجد كان يحفّظها القرآن الكريم، وقيام شاب “مهتز نفسياً” بهتك عرض طفل في السابعة من عمره في مسجد في المنيا، وقبلها اعتدى عامل على ثلاثة أطفال في حمام مسجد بمنطقة عزبة الهجانة (شرق القاهرة)، والوقائع المؤسفة والمقلقة والمرعبة كثيرة. الاعتداءات الجنسية على أطفال ليست حكراً على دور عبادة أو مدارس أو حمامات أو حتى أفنية أو مداخل عمارات أو مصاعد أو حتى في داخل البيوت، لكنها تظل موضع إنكار في البداية، وخليط من الخوف والحرج والقلق من ألفها إلى يائها، وتعاني توليفة من ادعاء الصدمة والتشبث بالإنكار والبحث عن مخارج ومبررات ورغبة عارمة في أن يمر الوقت سريعاً حتى تستقر في خانة النسيان، وذلك لحين تكرار واقعة جديدة لتبدأ دورة فريدة من الصدمة والإنكار والتشبث بالنسيان، وهلم جرا. الاعتداء الجنسي على الصغار ليس وليد القرن الـ21، أو الـ20 أو الـ19، بل عرفته العصور القديمة، تارة باعتباره مسألة عادة، وأخرى سرية، وثالثة تمضي من دون حساب. في كتابه “عن البيدوفيليا” (الاعتدء الجنسي على الأطفال) (2020)، يشير أستاذ الطب النفسي الإيطالي كوزيمو تشينايا إلى أن السلوكيات المسيئة جنسياً للأطفال كثيراً ما وجدت في أي جماعة بشرية، لذا لا يمكن اعتبارها حوادث تاريخية، وعلى رغم ذلك يجب إدراجها وتفسيرها في ضوء تركيبة العلاقات الاجتماعية والثقافية في كل مجتمع، إذ تحمل معاني مختلفة حسب الفترة التاريخية المدروسة والثقافة السائدة. ويشير تشينايا الذي درس البيدوفيليا في عصور تاريخية مختلفة إلى أنه على رغم اختلاف المواقف وردود الفعل تجاه الأطفال وما قد يتعرضون له، فإن الاعتداء الجنسي لم يحظَ أبداً بموافقة المجتمع الكاملة والمقنعة والقاطعة، حتى عندما كان خاضعاً للمعايير أو مقبولاً بصورة غير رسمية، كذلك تختلف المجتمعات في كيفية التعامل مع هذه الاعتداءات، ودرجات قبول المجاهرة بها، والتحقيق فيها، وبحث سُبل مواجهتها، وكذلك في تعريف “المعتدي” وهل هو مريض يجب أن يخضع للعلاج؟” أم “مجرم يستوجب العقاب؟” أم “شخص له عذره اضطر إلى هذا التصرف وينبغي العفو عنه؟”. تقلبات ثقافية ودينية جزء من خصوصية حوادث الاعتداء الجنسي على الصغار يكمن في منظومة تنامت على مدى عقود التقلبات الثقافية والدينية التي انطلقت في أواخر السبعينيات، واستمرت وتطورت وتوسعت وتشعبت حتى وصلت بها الحال إلى تحميل الإناث المتحرش بهن مسؤولية التحرش لأسباب ترتدي عباءة الدين وجلبابه. الداعية الإسلامي الذائع الصيت عبدالله رشدي قال قبل أعوام قليلة إنه “ليس من الطبيعي أن تخرج فتاة بملابس لا تصلح إلا للنوم (كاشفة) ثم تشكو من التحرش”، وعلى رغم أنه ذكر أن ذلك لا يبرر التحرش أو يعفي المتحرش من الخطأ، فإن ما قاله يعكس منظومة فكرية تغلغلت في قلب المجتمع على مدى أعوام، وتمكنت من كثير من مفاصله. الداعية نفسه عاد قبل أشهر، وعلى رغم الانتقادات الكثيرة التي وُجهت إليه من بعض المتابعين على تبرير التحرش بما ترتديه الإناث، وقال في برنامج تلفزيوني إن على النساء ارتداء الزي المحتشم حتى لا يتعرض لهن “الفساق المتحرشون”. الفساق المتحرشون هذه المرة وغيرها من المرات تحرشوا بأطفال لا يتعدى عمر أكبرهم خمسة أعوام. ليس هذا فقط، بل إن بينهم ذكوراً ما تنتفي معه حجة الملابس العارية أيضاً. باتت الاعتداءات الجنسية متكررة في المدارس المصرية (رويترز) صدمة الأرقام لها أوجه عدة، الوجه الأول يكمن في نقص، وفي قول آخر غياب النسب والإحصاءات القادرة على تحديد حجم الاعتداءات الجنسية التي قد، أو يتعرض لها الأطفال في مصر، وذلك لمعرفة حجم المشكلة، واتخاذ الطرق العلمية المناسبة لمواجهتها. والثاني هي أن الدراسات القليلة التي تجرى في هذا الصدد لا تلقى القدر الكافي من الاهتمام بغرض المواجهة والمجابهة. والثالث أن هذه الدراسات القليلة تغطي في الأغلب شريحة محدودة جداً نظراً إلى محدودية قدرات الباحث والمركز البحثي التي تحول دون إجرائه على المستوى الوطني. إحدى هذه الدراسات أجريت على عينة من طلاب وطالبات جامعة سوهاج (صعيد مصر) تحت عنوان “أنماط الاعتداء الجنسي على الأطفال المبلغ عنها من خلال دراسة مقطعية بين طلاب جامعة سوهاج” ( 2012) للباحثين خالد السيد أبو الحجاج وأحمد فتحي حامد ونشرت في “الدورية المصرية للطب الشرعي”. بحسب النتائج، بلغ معدل الانتشار العام للاعتداء الجنسي على الأطفال 29.8 في المئة، وكانت المعدلات أعلى لدى الإناث (37.8 في المئة) منها لدى الذكور (21.2 في المئة)، أما متوسط عمر الضحايا فكان تسع سنوات للذكور و10 للإناث، وكان معدل الانتشار أعلى في المناطق الريفية منه في المناطق الحضرية. ومثل العناق والتقبيل أكثر أنواع الاعتداء الجنسي على الأطفال المبلغ عنها، ولم يشهد سوى 1.1 في المئة علاقات جنسية كاملة. معظم الجناة من الذكور، وأغلبهم خارج البيت، و4.5 في المئة من الأقارب داخل البيت. تكتم وعار وبحسب دراسة أجرتها منظمة “اليونيسيف” بالتعاون مع “المجلس القومي للطفولة والأمومة” في مصر عام 2015 تحت عنوان “العنف ضد الأطفال في مصر”، فإن العنف الجنسي الممارس ضد الأطفال في مصر يعد قضية حساسة للغاية ويحيطها التكتم بصورة كبيرة. وفي أغلب الاستطلاعات، يميل المبحوثون عادة إما إلى إنكار تعرضهم لهذا النوع من الاعتداء، أو سرد تجربة تعرض لها “آخرون”. وأشارت الدراسة كذلك إلى شيوع الاعتقاد في مصر بأن الفتيات اللاتي يتعرضن للتحرش الجنسي، بمن فيهن الأطفال، يشجعن على مثل هذه الأفعال من خلال سلوكهن أو ملابسهن، وأنهن على الأرجح يستجبن للمتحرش ويستمتعن بالإساءة، و”يستحققن ما يلاقينه”. وأضافت أن أغلب الحالات المبلغ عنها أو المجاهر بها لم تتطرق إلى علاقة جنسية، ولكن اقتصرت على تعنيف لفظي يعقبه لمس أجزاء من الجسد، إلا أن هذا لا يعني أن الاعتداءات تقتصر على ذلك، إذ إن عاملي السرية والعار المرتبطين بهذه الأفعال في المجتمع المصري يحولان دون الإفصاح. وفي السياق الثقافي ذاته، فإن الدراسة أشارت إلى أن منظومة التحرش الجنسي مرتبطة في المجتمع بالإناث، ولذلك فإن من يفصح أو يجاهر بالتعرض له في الغالبية العظمى من الفتيات، “وإذا كان من الصعب الإبلاغ عن العنف الجنسي والتحرش ضد الفتيات أو التحدث عنه، فإن الأصعب في المجتمع هو الحديث والإبلاغ عن العنف الجنسي ضد الذكور”، بمعنى آخر، تأكيد أغلب الذكور أنهم لم يتعرضوا للاعتداء الجنسي لا يعني أنهم لم يتعرضوا بالضرورة. وفي سياق النتائج المفاجئة والصادمة أيضاً، حين سُئل الصغار عن آخر مرة خلال عام مضى تحدث إليهم أحدهم بطريقة تضمنت إيحاءات جنسية مثل وصف أجسادهم ومناطقهم الخاصة أو الحديث عن الجنس بصورة عامة وبطريقة مزعجة أو ضد إرادتهم، قال جميع من تعرضوا لمثل هذا الحديث تقريباً إن المتحدث صديق الأسرة أو جار. المعتدي قد يكون قريباً أو جاراً أو صديقاً، لكن الصدمة أن فئتين جرى ذكرهما في هذا السياق على وجه الخصوص: سائقو التوك توك ومعلمون. وأشارت الدراسة إلى أن فئة المعلمين “إشارة” أكدها معلمون أنفسهم قالوا إن معلمين آخرين يتحرشون أحياناً بالصغار. المؤكد أن هذه النسبة قليلة، لكن ما تكشف عنه الدراسة أن ما يحدث في مدارس معروف، حتى ولو بمعدلات قليلة، وليس مفاجئاً أو فريداً. يخوض المجتمع المصري كثيراً من التغيرات، كما يعاني كثيراً من التناقضات، التغيرات منها يسير نحو الأفضل، إذ معدلات الاستعداد للإبلاغ عن تعرض الأبناء والبنات لهذه الاعتداءات يزيد، ومع زيادة نسب المجاهرة يزيد الوعي بالمسألة ولو بطرق غير مباشرة أبرزها مناقشة الاعتداءات الجنسية على الأطفال على رغم أنف عادات الكتمان وتقاليد الوصمة والعار. ومع النقاش يأتي استضافة متخصصين واستعراض تقارير ودراسات وتجارب لدول سبقت في مسار المجاهرة والعلاج. يحمّل البعض مسؤولية التحرش إلى الإناث في المجتمع المصري (رويترز) في الوقت نفسه فإن التناقضات لا تختفي بين يوم وليلة، تكتب كلمتي “التلذذ” و”بالأطفال” على محرك بحث “غوغل”، يباغتك في صدارة النتائج موقع إسلامي ذائع الصيت، وعنوان الموضوع “ضوابط الاستمتاع بالصغيرة” بتاريخ عام 2015. السائل يطرح ضمن سؤاله المفهوم من العنوان ما يعرفه من “كتب التراث” الديني عن إمكان اللجوء في نهار رمضان للأمة غير الصائمة، أو الأمة الطفلة، أو الكافرة، وتأتي الإجابة كالتالي: “مسألة الاستمتاع بالصغيرة لها ضوابط وتفصيلات مشروحة في الفتوى رقم كذا، وبمراجعتها يندفع عنك الإشكال إن شاء الله. ويتبين لك أن ما ذكره ابن القيم لا إشكال فيه أصلاً، فإن الاستمتاع بالأمة أو الزوجة الصغيرة جائز بما لا يضر بها، فإن كان الوطء أو الاستمتاع يضر بها لم يجز”. جهود المؤسسات الدينية الرسمية في مصر مستمرة أيضاً عبر الفتاوى والآراء الفقهية، بحسب دار الإفتاء المصرية فإن “التحرش الجنسي بالأطفال كبيرة من كبائر الذنوب تنأى عنها كل الفطر السوية، وانتهاك صارخ للقيم الإنسانية في المجتمع، فهو قتل للطفولة، وانتهاك للبراءة، وهو إلى كونه فعلاً فاحشاً غدر وخيانة، وعلى أولي الأمر أن يتصدوا لهذه الجريمة النكراء بكل حزم وحسم، وأن يأخذوا بقوة على يد كل من تُسَوِّل له نفسُه تلويثُ المجتمع بهذا الفعل الشائن”. في تلك الأثناء، تبذل جهات عدة مثل “المجلس القومي للطفولة والأمومة” و”اليونيسيف”، إضافة إلى هبات التوعية والتثقيف التي تعقب الإعلان عن واقعة اعتداء جنسي على طفل أو طفلة أو مجموعة أطفال في شتى وسائل الإعلام، وهو الحراك المجتمعي الذي يشهد انفتاحاً ولو على استحياء وشجاعة وإن محسوبة في الحديث عما يتعرض له صغار في مجتمع يحرص على ترسيخ صورته أمام نفسه بأنه “متدين بالفطرة” ويبذل كثيراً ليثبت أنه “محافظ” و”ملتزم”. المفارقة المحزنة أن الإعلان عن واقعة التحرش بأطفال المدرسة الخاصة قبل أيام تزامنت و”اليوم العالمي لمنع ممارسات الاستغلال والانتهاك والعنف الجنسي ضد الأطفال والتشافي منها”، الذي يصادف الـ18 من نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام. إنه اليوم الذي يذكر الجميع بأن طفلاً بين كل ثمانية أطفال في العالم تعرض لإساءة جنسية قبل سن الـ18 سنة. عدد لا يحصى من الشباب والمراهقين والأطفال من الجنسين ضحايا سوء السلوك والاستغلال الجنسي، إنها الانتهاكات التي تطاول كل الطبقات المجتمعية والدول باختلاف قدراتها الاقتصادية وتنويعاتها الثقافية والدينية والاجتماعية. جزء من صدمة المجتمع المصري في الواقعة الأخيرة وعدد من الوقائع المماثلة في الأعوام القليلة الماضية هو أنها جرت في “مدرسة خاصة”. الصورة الذهنية تربط بين المدرسة الخاصة بمتطلباتها الاقتصادية الكثيرة وتوقعات الأهل بالمعايير الراقية والمحترفة في توظيف الكوادر العاملة من معلمين ومشرفين وعمال، وبين حماية “تحصيل حاصل” يحظى بها الصغير مدفوعة مسبقاً ضمن مصروفات المدرسة الباهظة. العلاج بالصدمة الصدمة الطبقية مفيدة، إذ تسلط الضوء على اعتداءات عابرة للطبقات والقدرات والتوقعات سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يظنها بعضهم حاكمة وحامية وحاسمة. وفي اليوم العالمي، تشير الأمم المتحدة إلى ظاهرة أممية، ألا وهي أن كثيراً من الضحايا والناجين لا يسعون إلى الحصول على العدالة أو إعادة التأهيل أو الدعم، بسبب ما قد يلحقهم من وصمة العار. إنها الوصمة الأشد قسوة والأكثر تأثيراً في المجتمعات “المحافظة” التي تخلط أحياناً بين الجاني والمجني عليه. وهو العار الذي يظلم الضحية، لعوامل بعضها ثقافي وبعضها الآخر يتعلق بتفسيرات دينية والثالث بطبيعة بشرية تفضل أحياناً إنكار ما جرى لعله يذهب لحال سبيله. لكن كيف تذهب واقعة اعتداء جنسي على صغير لحالها حين يكون البالغون الذين وقعوا ضحايا أربع تجارب طفولة سلبية أبرزها الاعتداء الجسدي والجنسي والعاطفي أكثر عرضة بنسبة سبع مرات عن غيرهم للتورط في عنف مماثل، وأكثر عرضة للانتحار بنسبة 30 مرة؟! المعتدي على الأطفال جنسياً قد يكون غريباً وقد يكون أقرب الأقربين (رويترز) الأرقام العالمية مفزعة، حين يعترف واحد من بين كل 20 رجلاً بممارسة سلوك جنسي غير قانوني تجاه الأطفال أقل من 12 سنة عبر الإنترنت، فإن الأمر يحتاج إلى مجاهرة ومكاشفة ومعرفة وحلول وعلاجات، بما فيها علاجات للضحية، وفي بعض الأحوال للجاني الذي تثبت إصابته بـ”اضطراب عشق أو اشتهاء الأطفال”، على رغم أن الأخير سيظل يواجه ضعف الوصمة ومقاومة الاعتراف به كـ”مريض” من قبل الغالبية المطلقة. المعتدي على الأطفال جنسياً قد يكون غريباً، وقد يكون أقرب الأقربين، في المجتمعات العربية عادة يكون “عمو”، قد تظهر عليه أمارات تدعو إلى الريبة، وقد يكون آخر شخص يتوقع أن يصدر منه مثل هذا الفعل، مثل عامل المدرسة مثلاً، وقد يكون شاباً أو مسناً أو مراهقاً أو طفلاً آخر، وقد يكون امرأة أو رجلاً وإن كانت الغالبية ذكوراً، وقد يكون عازباً أو متزوجاً، وربما لديه أطفال، وبينهم من يتمتع بسمعة طيبة في الحي والعمل. أما الضحايا من الأطفال من الجنسين فيجمع بينهم رغبة أولية في عدم الإفصاح، لماذا؟ لأن المعتدي هددهم بصور فاضحة، أو بقتلهم وذويهم، أو أوهمهم بأن ما يقوم به من أفعال أمر طبيعي أو دليل على الحب والتقارب، أو أنه سر ينبغي أن يحافظ عليه، أو لأنه يرغبه بهدايا وحلوى لا سيما الأطفال المحرومون، أو لعدم فهم الصغير أو الصغيرة ما يحدث، ولكنه يعرف أنه شيء غير مريح، أو لخوف من الأهل أو العقاب. المزيد عن: مصرالتحرش في مصرالتربية الجنسيةالاعتداء الجنسي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post زينة بيروت تقسم اللبنانيين… الأضواء حمالة أوجه ومعان next post صورة جانبية لفاغنر الثوري “شبه الفوضوي” You may also like دراما السيدات الأول… أناقة الدعاية السياسية 6 March، 2026 “ممفيس” العاصمة الإدارية المصرية: سجال الاسم والهوية 4 March، 2026 فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي 2 March، 2026 “بنات لالة منانة” يحصدن المشاهدات والاتهامات في المغرب 2 March، 2026 رمضان موسم تربح “بلوغرز” الأردن من أعمال الخير 2 March، 2026 “عش الطمع” مسلسل مغربي ينكأ جرح الاتجار بالرضع 24 February، 2026 كهف الجارة… هنا احتمى إنسان ما قبل التاريخ 24 February، 2026 غزو المقاهي في مصر… استثمار الفراغ في الحياة... 24 February، 2026 ألاعيب الدجالين… مصريون في قبضة الخرافة 19 February، 2026 “كرتونة رمضان” طقس مصري أبعد من “التسييس” 19 February، 2026